واخضرت الأرض . رائعة النرويجي .. كنوت هامسون
ها هو يمضي على طول الجانب الغربي من الوادي حيث الأرض كثيرة الشجر، وثمة أشجار موروقة وسط أشجار التنوب الفضية وأشجار الصنوبر ومن تحتها العشب. وتمضي ساعات في ذلك السير ويخيم الغسق ولكن أذنه تلتقط صوت خرير ضعيف لمجرى ماء؛ فيشد ذلك الصوت من عزمه كأنه صوت كائن حي ويتسلق المرتفع ثم ينظر إلى الوادي وقد لفته غلالة نصف مظلمة من تحته ومن ورائه سماء الجنوب. ويرقد ليستريح. ويريه الصباح صفاً من أرض المراعي والأراضي المشجرة فيهبط وإذا بجانب التل مخضر، ومن تحته وبعيداً عنه يلوح جدول وأرنب بري يقفز عبره، فيهز الرجل رأسه هزة الاستحسان، لأن الجدول ليس عريضاً، بحيث استطاع الأرنب البري أن يعبره بوثبة واحدة، وهذه قطة بيضاء جاثمة فوق عشها تجفل مع وقع قدميه، وهي تهمس في غضب فيهز رأسه مرة أخرى. فهذه بقعة طيبة فيها صيد من ذوات الريش وذوات الفراء، وفيها الخلنج وشجر من فصيلة التوت يغطي وجه الأرض ونباتات صغيرة من فصيلة السرخس وأزهار حشيشة البتول التي تشبه نجوماً ذوات أطراف سبعة... إن أشقّ ما في مهمته هو العثور على المكان؛ هذا المكان الذي لا يملكه أحد، ولكنه الآن، الآن له، ولديه عمل يشغل أيامه".
ضمن مناخات رومانسية يمضي كنوت هامسون في سردياته مصوراً من خلال حياة عائلة أميركية حياة المجتمع الأميركي الريفي والمدني وذلك بأسلوب عذب شيق وبلغة تميل إلى البساطة ليتآلف القارئ معها إلى حدّ كبير ومع شخصياتها التي استطاع الكاتب رسمها متغلغلاً في أعماقها، عاكساً ما تضطرب به نفوسها من خلجات، ومستعملاً خياله الواسع للربط بين أجزائها ليكسو هيكلها بفنه القصصي البارع ويسوقها إلى القارئ في صورة تجذب اهتمامه، وتزيد من رحابة آفاقه النفسية والعقلية والحسية.