مكتبة


الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

شاطر

.علي مولا

عدد المساهمات : 161
تاريخ التسجيل : 30/01/2010
العمر : 55

الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف .علي مولا في الإثنين يناير 28, 2013 6:11 am


الكينونة والزمان - مارتن هيدجر
***
أحد أشدّ الكتب الفلسفية للقرن العشرين إبتكاراً وخطورة
فهو ما فتى يتحوّل إلى مصدر إلهام أو إلى خصم أساسيّ لأجيال من الفلاسفة والمفكّرين
من سارتر إلى درّيدا، ومن أدورنو إلى هابرماس، وليس من قبيل الصدفة أنّه قد تُرجم إلى أكثر من عشرين لغة في العالم.

ورغم مرور ما يزيد على ثلاثين عاماً على موت هيدغر (1889- 1976)، فإنّ سؤاله عن معنى الكينونة لا زال يُطرح في نضارته الأولى وبحماسة مثيرة.
إنّ تساؤلات هيدغر وبحوثه عن زمانية الكائن في العالم بعامة وماهية العقل الإنساني وتاريخ الحقيقة الذي يستند إليه وهشاشة تصوّراتنا عن الإنسانية
وأزمة حداثة التنوير، وإلتباس جوهر التقنية النابع من تصوّر خطير وغامض للعلاقة بالكائن، وإنسحاب آداب التآلّه من أفق الإنسانية الحالية، والخطر المحدق في بيئة العالم...
هي اليوم أطرف وأقوى ما تمتلكه الفلسفة المعاصرة من أدوات تفكير في مشاكلها وفي مستقبلها.
***

http://up.top4top.net/downloadf-69c9kq1-pdf.html
أو
http://www.4shared.com/office/7gg1eEhmce/__-__.html
أو
http://www.mediafire.com/view/dbcfk106rtb0ccc/الكينونة_والزمان_-_مارتن_هيدجر.pdf
 

 

hawar

عدد المساهمات : 193
تاريخ التسجيل : 19/03/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف hawar في الإثنين يناير 28, 2013 6:55 am

thank you my Dear

hassan

عدد المساهمات : 641
تاريخ التسجيل : 25/12/2009
الموقع : بريطانيا

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف hassan في الإثنين يناير 28, 2013 7:05 am

خالص الشكر و التحية

ali_amar

عدد المساهمات : 403
تاريخ التسجيل : 28/08/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف ali_amar في الإثنين يناير 28, 2013 7:13 am

هذا كتاب من العيار الثقيل. ورفعه يعتبر حدث في عالم الكتب.
كاتب هذه المساهمة مطرود حالياً من المنتدى - معاينة المساهمة

خالد كن

عدد المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 07/08/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف خالد كن في الإثنين يناير 28, 2013 7:19 am

الله عليها من مفاجأة كبيرة
أنت كبير يا علي

رافد

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 10/01/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف رافد في الإثنين يناير 28, 2013 7:23 am

مجهود كبير و اختيار رائع شكرا جزيلا لك اخي الكريم علي و تسلم يداك

منسي

عدد المساهمات : 42
تاريخ التسجيل : 11/08/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف منسي في الإثنين يناير 28, 2013 7:25 am

كنز فلسفي كبير
يليق أن يكون على يد علي مولا

بوركت صديقنا

hassen

عدد المساهمات : 268
تاريخ التسجيل : 10/03/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف hassen في الإثنين يناير 28, 2013 7:29 am


أحمد حسين زهران

عدد المساهمات : 549
تاريخ التسجيل : 19/09/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف أحمد حسين زهران في الإثنين يناير 28, 2013 7:34 am

شكرا جزيلا لك

طارق عبد الله

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 28/11/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف طارق عبد الله في الإثنين يناير 28, 2013 7:47 am

كتاب طال انتظاره ولكم جزيل الشكر

khbana

عدد المساهمات : 389
تاريخ التسجيل : 24/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف khbana في الإثنين يناير 28, 2013 7:58 am

شكرا

حيحي المكي

عدد المساهمات : 220
تاريخ التسجيل : 03/09/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف حيحي المكي في الإثنين يناير 28, 2013 7:59 am

الشكر الجزيل

زائر .

عدد المساهمات : 411
تاريخ التسجيل : 18/11/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف زائر . في الإثنين يناير 28, 2013 8:09 am

حدث ثقافي استثنائي بكل معنى الكلمة
فهايدغر هو احد الفلاسفة الاكثر أصالة وأهمية في تاريخ الفلسفة
وكتابه الكينونة والزمان Sein und Zeit لعب دورا حاسما في المشهد الفلسفي المعاصر والراهن :
من الصعب فهم الوجودية والفنومينولوجيا والتاويلية والتفكيكية بدون استحضار هذا الكتاب
هنيئا للقراء
وبوركت يا علي
بوركت بدون انقطاع

الثوري

عدد المساهمات : 600
تاريخ التسجيل : 05/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف الثوري في الإثنين يناير 28, 2013 8:43 am

مشكور في كل الاحوال

سعيد موسى

عدد المساهمات : 139
تاريخ التسجيل : 19/07/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف سعيد موسى في الإثنين يناير 28, 2013 8:47 am

شكرا لكم

النجار

عدد المساهمات : 433
تاريخ التسجيل : 09/09/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف النجار في الإثنين يناير 28, 2013 8:48 am

شكرا لهذا العمل المحورى والهام

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف بدون في الإثنين يناير 28, 2013 9:52 am

أزعم أنه كتاب العام .
شكرا جزيلا أيها المبدع الكبير.

الطائر الشريد

عدد المساهمات : 550
تاريخ التسجيل : 09/09/2012
العمر : 34

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف الطائر الشريد في الإثنين يناير 28, 2013 10:01 am

كل تقديري لك أخي علي وكل امتناني لك

علي مبروك

عدد المساهمات : 220
تاريخ التسجيل : 23/07/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف علي مبروك في الإثنين يناير 28, 2013 10:33 am

شكرا جزيلا

diamed

عدد المساهمات : 113
تاريخ التسجيل : 05/10/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف diamed في الإثنين يناير 28, 2013 10:40 am

رائع جدا مشكور على الجهد العظيم

sherif ramadan

عدد المساهمات : 97
تاريخ التسجيل : 08/08/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف sherif ramadan في الإثنين يناير 28, 2013 10:49 am

thanks a lot

عدنان عدنان

عدد المساهمات : 301
تاريخ التسجيل : 15/11/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف عدنان عدنان في الإثنين يناير 28, 2013 11:08 am

مهم جدا الف شكر

NIDALE

عدد المساهمات : 207
تاريخ التسجيل : 09/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف NIDALE في الإثنين يناير 28, 2013 12:08 pm

مهم جدا شكرا

القارئ السريع

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 28/07/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف القارئ السريع في الإثنين يناير 28, 2013 12:45 pm

شكرا جزيلا
كاتب هذه المساهمة مطرود حالياً من المنتدى - معاينة المساهمة

ahmed_kazim

عدد المساهمات : 263
تاريخ التسجيل : 01/10/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف ahmed_kazim في الإثنين يناير 28, 2013 1:13 pm

thanks

Basileus Zeno

عدد المساهمات : 191
تاريخ التسجيل : 23/09/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف Basileus Zeno في الإثنين يناير 28, 2013 4:52 pm

سلمت يدااااااااك

medsaleh73

عدد المساهمات : 256
تاريخ التسجيل : 03/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف medsaleh73 في الإثنين يناير 28, 2013 6:03 pm

والله يا اخ علي اللسان يعجز عن الكلام . الف الف الف شكر

يوسف يوسف

عدد المساهمات : 364
تاريخ التسجيل : 18/05/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف يوسف يوسف في الإثنين يناير 28, 2013 6:29 pm

مفاجأة عظيمة ألف شكر

محمود أحمد عبدالله

عدد المساهمات : 89
تاريخ التسجيل : 23/09/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف محمود أحمد عبدالله في الإثنين يناير 28, 2013 7:18 pm

مميز

havana

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 19/02/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف havana في الإثنين يناير 28, 2013 7:20 pm

بعد أن تقاعس المترجمون لزمن طويل في ترجمة الكتاب الى اللغة العربية
اليوم يقدمه الاستاذ على على طبق من ذهب لعشاق الفلسفة
ألف ألف شكر أخ علي
اختيار رائع وكنز حقيقي

diamed

عدد المساهمات : 113
تاريخ التسجيل : 05/10/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف diamed في الإثنين يناير 28, 2013 8:28 pm

شكرا

ضياء

عدد المساهمات : 603
تاريخ التسجيل : 22/09/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف ضياء في الإثنين يناير 28, 2013 8:51 pm

شكرا لك على هذا الجهد الكبير

mison

عدد المساهمات : 725
تاريخ التسجيل : 09/10/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف mison في الإثنين يناير 28, 2013 10:19 pm

أتوجه بشكري العميق إلى صديقي الكبير بحق علي مولا لما أضافه إلى المكتبة العربية الرقمية من كتب قيمة متنوعة وعالية المستوى وهو شكر ينسحب على مجمل الأعمال الرقمية التي أصبحت بفضل جهوده في متناول القارئ العربي في كل زمان ومكان، كما ينسحب على كتاب "الكينونة والزمان" بوجه خاص. ويكفي أن كل صديق ومحب وقارئ للكتاب قد بات يدرك الآن جيدا أنه بدون جهود هذا الصديق الكبير لما كان في استطاعتنا أن نتحدث اليوم عن مكتبة رقمية عربية تكون جديرة فعلا بهذا الاسم. أعرف أن بعضنا قد يعترض على "هيدجر" بسبب مواقفه السياسية ولكن يظل اسم "هيدجر" مع ذلك اسم يدل على فيلسوف كبير وعلى مؤسس حقيقي للوجودية. يضاف إلى ذلك دلالة هذا الاسم فيما يتعلق بماهية الشعر. فهيدجر من أهم الفلاسفة الذين اهتموا بالبحث في ماهية الشعر وفي علاقة الشعر بالفلسفة ونعلم جميعا أنه آثر من الشعراء، هيلدرلن، ووصفه بأنه شاعر الشعراء. هذا الكتاب إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية ويكفي أن مترجمه هو الأستاذ فتحي المسكيني وناشره الرقمي هو الأستاذ علي مولا.


بلعسري محمد

عدد المساهمات : 441
تاريخ التسجيل : 13/08/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف بلعسري محمد في الإثنين يناير 28, 2013 10:49 pm

ألف ألف شكر

كبران

عدد المساهمات : 452
تاريخ التسجيل : 07/04/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف كبران في الثلاثاء يناير 29, 2013 2:38 am

شكرا جزيلا

housamedden

عدد المساهمات : 274
تاريخ التسجيل : 18/11/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف housamedden في الثلاثاء يناير 29, 2013 2:48 am

شكرا جزيلا

فرحات

عدد المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 06/01/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف فرحات في الثلاثاء يناير 29, 2013 3:16 am

شكرا جزيلا

ايوب

عدد المساهمات : 310
تاريخ التسجيل : 06/04/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف ايوب في الثلاثاء يناير 29, 2013 3:21 am

شكراااااااااا

abdelaziz

عدد المساهمات : 310
تاريخ التسجيل : 15/08/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف abdelaziz في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:15 am


الكينونة تتكلم العربية أو هيدغر في زماننا


مقدّمة الترجمة العربية لكتاب هيدغر، الكينونة والزمان (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)




"يا يحيى خذ الكتاب بقوة" !
قرآن، مريم، 12.

„ Sage mir, was du vom Übersetzen hältst, und ich sage dir, wer du bist.“
" قل لي ما موقفك من الترجمة، وأنا أقول لك من تكون." هيدغر (1942)

1. ماذا نترجم ؟ أو أيّ كتاب هو "الكينونة والزمان" ؟
لقد نبّه تيودور كيسيال، أكبر مؤرّخي إشكالية الكينونة والزمان ومصطلحه في العالم، إلى العلاقة الوطيدة التي تربط بين "الترجمة" و"النشر"(Edition) حين يتعلّق الأمر بنصوص هيدغر. إذ لا ينقل المترجم في واقع الأمر غير نشرة معيّنة. صحيح أنّ كيسيال قد سحب فرضيّته بالأساس على برنامج "الطبعة الكاملة" ، خاصة في جزئها المتعلّق بنشر "دروس" هيدغر أوّلا في فرايبورغ (1919-1923) ثمّ في ماربورغ (1923-1928)، تلك التي وفّرت لنا صيغا جنينية مختلفة ومتدرّجة لإشكالية كتاب 1927 ومصطلحاته الأساسية، لكنّها فرضية لا تقلّ وجاهة فيما يتعلّق بالنصّ الأعجوبة ليس في التاريخ الشخصي للمؤلف مارتن هيدغر، بل في أفق الفلسفة المعاصرة برمّتها، نعني نصّ الكينونة والزمان، والذي يبدو في الظاهر بعيدا عن أن يكون موضع اختلاف بين المترجمين، مادام هيدغر نفسه هو الذي نشره وأعاد نشره مرّات عديدة بلغت في حياته ثلاث عشرة نشرة (1927-1976). وعلى ذلك فإنّ ما لاحظه كيسيال من تعدّد وتعقّد في النصوص التي ظهرت في نطاق "الطبعة الكاملة"، أفضى إلى غموض وتردّد في طريقة إنجاز تلك الطبعة بل وإلى ارتباك واضح لم تسلم معه من الأخطاء في التحقيق ، هو أمر ينطبق بشكل لافت على وضعية كتاب 1927.
لقد تدرّج شعار "الطبعة الكاملة"، التي أخذت في العمل منذ 1975، من تقديم نشرة غير نقدية وإنّما فقط "طبعة مقروءة للأعمال"(eine lesbare Werkausgabe)، إلى "طبعة اللمسة الأخيرة" (Ausgabe letzter Hand)، و"دروب – لا مؤلفات" (Wege- nicht Werke) و"نشرة دون تأويل" (Edition ohne Interpretation) . فماذا يفعل المترجم إزاء هذه الشعارات، هو من يقف عمله بعين الضدّ من الشعار القائل "دروب – لا مؤلفات" - إذ عليه أن يقول بدلا من ذلك "مؤلفات –لا دروب"، حتى لا يقدّم لنا نُقُولاً "حرّة" وحتى يستطيع القارئ أن يشعر بأنّ النصوص المقدّمة إليه هي "دروب- وليست مؤلفات"-؛ وبعين الضدّ من الشعار القائل "نشر دون تأويل"، والحال أنّ "الترجمة" هي بعدُ،حسب تعاليم هيدغر نفسه، "تأويل" !؟
لقد تبيّن، بعد عمل فيلولوجي نقدي هائل قام به مختصّون ، أنّ الكينونة والزمان كتاب لا ينفصل عن تاريخه، سواء أكان ذلك من حيث النشرات والطبعات التي تداولت عليه أو من حيث التنقيحات العديدة التي أُجريت على عبارته.
فمنذ ظهوره لأوّل مرة في فيفري 1927، ضمن المجلّد الثامن من حوليات هوسرل ، عرف كتاب الكينونة والزمان طبعات عديدة لدى ناشر واحد هو ماكس نيماير في توبنغن، بلغت الطبعة الثالثة عشرة في سبتمبر 1976. ثمّ أعيد طبعه، بُعيد موت المؤلف، الطبعة الرابعة عشرة في دار نيماير في توبنغن في أكتوبر 1977، وقد ظهرت في الأثناء نشرة جديدة للكتاب باعتباره المجلد الثاني من "الطبعة الكاملة" في دار كلوسترمان في فرنكفورت .وتتالت الطبعات حتى وصلت راهنا في دار نيماير إلى الطبعة التاسعة عشرة سنة 2006.
لكنّ ما يثير حفيظة المترجم ويجعله على قلق، ليس عدد الطبعات بل أنّ الكينونة والزمان ما فتئ طيلة هذه السنون يغيّر من نفسه ويُنقَّح من عبارته هنا وهناك، حتى صار السؤال المتعلّق بأيّ النشرات يجدر به أن يتّخذ سندا ، ليس فقط سؤالا مشروعا بل سؤالا يعسر حسمه دون قرار نقدي أو تأويلي. وحسب الباحثَيْن الفيلولوجيين باسط (Bast) ودلفوس (Delfosse) فإنّ طبعات الكينونة والزمان يمكن توزيعها إلى أربعة أصناف:
أ‌- طبعات نيماير 1-6 (1927-1949) ؛
ب‌- طبعات نيماير 7-13 (1953-1976)
ت‌- طبعة نيماير 14 (1977)؛
ث‌- طبعة كلوسرمان أو المجلد 2 من "الطبعة الكاملة" (1976).
وهو تقسيم يكمن مغزاه في كون هذه الأصناف تتميّز عن بعضها البعض سواء من حيث عدد التحويرات التي أجريت على النص أو من حيث وتيرتها. وإنّ عدد التحويرات التي لحقت بالنصّ في كلّ طبعة لمثير: مثلا، إنّ الطبعة 7 تختلف عن الطبعة 6 في 480 موضعا ! وهو أمر لن تخلو منه لا الطبعة 14 ولا المجلد 2 من الطبعة الكاملة، حيث أنّ هذه الأخيرة قد شهدت تغييرات عن الطبعة 13 يصل إحصاؤها إلى حوالي 300 موضع ، كما أنّها تفارق الطبعة 14 في 74 موضعا رغم أنّ فون هرمان (von Hermann )، مهندس "الطبعة الكاملة"، هو الذي قام بهما.
وهكذا صار علينا أن نسأل: أيّ كتاب هو "الكينونة والزمان" ؟ أعني أيّة طبعة هي الطبعة المناسبة لنقل معاني هذا الكتاب الفلسفي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ؟
لنستمع إلى رأي هيدغر الذي أدلى به في التقديم "الوحيد" الذي نملكه عن النشرات اللاحقة لكتاب الكينونة والزمان، نعني تقديم الطبعة السابعة التي صدرت سنة 1953 :
قال : " إنّ الطبعة الجديدة التي نقدّمها بوصفها النشرة السابعة، هي من حيث النصّ لم تشهد أيّ تغيير، وإن كانت من حيث الشواهد والتنقيط قد رُوجِعت على نحو جديد. وإنّ أرقام الصفحات في هذا الطبعة الجديدة إنّما تتطابق مع تلك التي في النشرات الأولى، ما عدا بعض من الاختلافات جدُّ قليلة.
أمّا الإشارة إلى "الجزء الأوّل"، التي كانت مثبتة على النشرات التي ظهرت إلى حدّ الآن، فقد تمّ حذفها. فإنّ الجزء الثاني لا يمكن أن ينضاف بعد ربع قرن، من دون أن يُعرَض الجزء الأوّل في هيئة جديدة. غير أنّ الطريق التي أخذها مازالت اليوم أيضا من أوجب الطرق علينا، متى كان يجب على السؤال عن الكينونة أن يحرّك الدازين الذي يخصّنا."
ليس أقلّ ميزات "مقدمة الطبعة السابعة" هذه كونها "المقدمة" الوحيدة في تاريخ الكتاب، وهو ما حدا بناشري الكتاب،بعد موت المؤلّف سنة 1976، سواء في إطار "الطبعة الكاملة"، أو في دار نيماير، إلى إثباتها فاتحةً لازمة لكلّ نشرة. وبما أنّ هيدغر ينبّه بصريح العبارة إلى أنّ الكتاب "لم يشهد أيّ تغيير" يُذكر و"أنّ أرقام الصفحات" في الطبعات اللاحقة هي على الأغلب "تتطابق مع أرقام النشرة الأولى"، فإنّ ذلك يعني إلى حدّ كبير أنّ الوضع التأويلي للكتاب لم يتغيّر منذ 1927.
إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من هكذا تساؤل: من جهة، كيف نفسّر هذا العدد الهائل من التحويرات التي أُجريت على نصّ 1927 ، والتي استمرّت في الظهور حتى "بعد" موت المؤلّف سنة 1976 ؟ ومن جهة، ألا تنطوي تلك التحويرات على قرارات تأويلية "غريبة" عن أفق الفهم الذي تبلورت داخله إشكالية "الأنطولوجيا الأساسية" ؟
إنّ السؤال المزعج هو: إلى أيّ حدّ يمكن الاطمئنان إلى التحويرات اللاحقة على طبعة 1927 في فهم كتاب الكينونة والزمان ؟ أليست تحويرات تنتمي رغم كلّ شيء إلى أطوار تأويلية "أخرى" من مسيرة هيدغر ؟ إذْ ما عدا الطبعة الثانية الصادرة سنة 1929، فإنّ كتاب الكينونة والزمان قد صار منذ طبعته الثالثة سنة 1931 ضيفا مريبا على حدث "المنعرج" المرير والمعقّد من إشكالية "الأنطولوجيا الأساسية" إلى إشكالية "تاريخ الكينونة"، وهو منعرج سيقود هيدغر "الثاني" (بدءً من 1930) إلى كتابه الأكبر "الثاني" الذي عمل على موادّه ما بين 1936 و1938، تحت عنوان مزدوج إسهامات في الفلسفة (عن الملكوت) . ربّ كتاب هو الدستور السرّي لكلّ أبحاث هيدغر "الثاني" حتى ندوة زيهرنغن (Zähringen) في سبتمبر 1973.
صحيح أنّ قوائم "الأخطاء المطبعية" التي أثبتها الباحثان الفيلولوجيان باسط (Bast) ودلفوس (Delfosse) هي على الأرجح في شطر كبير منها لا تهمّ القارئ العربي في شيء، لأنّها تتعلّق باختلافات في رسم الألفاظ الألمانية أو في التنقيط . وذلك فضلا عن أنّ الطبعات اللاحقة هي نفسها لا تخلو من أخطاء لم تكن موجودة في الطبعة الأولى ! كما أنّ الطبعة الرابعة عشرة التي اعتُمدت في إعداد الطبعة الكاملة هي نفسها تنطوي على أخطاء مطبعية .
غير أنّه حقيق علينا أن نعرف أيضا أنّ هكذا أخطاء مطبعية لم تكن في بعض الأحيان هيّنة بل كانت لتصيب من الأمر المفكّر فيه مقتلا،- ونحن نكتفي بالإشارة إلى بعض التصحيف الذي أصاب الطبعة أو الطبعات الأولى والذي تمّ إصلاحه في الطبعات اللاحقة.
مثلا أنّه علينا أن نقرأ "Unkenntnis"-عدم-المعرفة عوضا عن "Erkenntnis" –المعرفة (ص 36)، أو "Vorhandenheit" –القيمومة ،عوضا عن "Zuhandenheit"-الكينونة-تحت-اليد (ص76) أو "zeigt"- بيّن وأشار، عوضا عن "zeitigt"-زمّن (ص122)، علاوة على مواضع تتعلّق بنقلٍ للمعنى من الإثبات إلى النفي والعكس (ص 125، 390)..، -ومواضع أخرى ينطمس فيها المعنى الوجوداني، مثل إثبات "Entfernen" –الإبعاد، عوضا عن "Ent-fernen" - إزالة البعد أو التقريب (ص105،السطر 21)-، وذلك يعني أنّ الأخطاء الاصطلاحية، على قلّتها، ليست باليسر الذي وصفه المترجم الفرنسي مارتينو . إذ المسألة تتعلّق بخلط بين مصطلحات لها دلالات جدّ خطيرة في فهم إشكالية النص. ولو أخذنا مثالا واحدا مثل الفرق بين "Vorhandenheit" (القيمومة في الأعيان)، أي كينونة الكائن الذي من شأنه أن يصبح موضوعا للسلوك النظري في العلوم، و "Zuhandenheit" (الكينونة-تحت-اليد)، أي كينونة الأدوات التي نتعامل بها في العالم اليومي الذي يشغلنا لأوّل وهلة،- لتبيّن جسامة الخلط الاصطلاحي الذي وقع فيه القرّاء الأول لكتاب الكينونة والزمان من الطبعة 1 (1927) إلى الطبعة 6 (1949) !.
- من أجل كلّ ذلك فإنّ اعتماد الطبعة التاسعة عشرة والأخيرة لكتاب الكينونة والزمان، التي صدرت عن دار نيماير سنة 2006، هو اليوم من أفضل ما يمكن أن يفعله المترجم من التحوّط النقدي والفنّي في أمر الطبعات المعتمدة لهذا الكتاب العمدة في الفلسفة الغربية المعاصرة. إذ توفّر هذه الطبعة الهيئة المتفق عليها اليوم في تخريج عبارة هذا الكتاب، ومن ثمّ هي الأكثر أمانة في ضبط دلالاته والأحرص على تحقيق فهم دقيق لمسائله ومقاصده. ولكن هل أنّ "لغة" هيدغر قابلة للترجمة بعامة ؟ أو على الأقلّ كيف يكون علينا أن نواجه هكذا مشكلة ؟

2. هل أنّ "لغة هيدغر" قابلة للترجمة أصلا ؟ أو في ضرورة الترجمة
ثمّة شعور ينتاب المشتغلين بالفلسفة مفاده أنّ بعض الفلاسفة لا يُترجمون، أو أنّ بعض النصوص الفلسفية هي مستحيلة الترجمة. وهيدغر هو في الغالب من يقع على رأس هذه القائمة، كأنّ "لغة هيدغر" قد صارت لغة "داخل اللغة الألمانية" نفسها.
بل قد بلغ الأمر بأحد الباحثين الأنغلوسكسونيين إلى الدفاع أصلاً عن نظرية منهجية " في عدم قابليّة الفلسفة الألمانية للترجمة" ! حيث نبّه إلى أنّ ثمّة رأيا منتشرا بين الفلاسفة التحليليين مفاده أنّ "النصوص الكلاسيكية للفلسفة الألمانية هي غير قابلة للترجمة إلى الانجليزية. وهذا الرأي يُسحَب مثلاً على فيشته، شيلنغ، هيغل (..)، هامان، دلتاي، هيدغر، أدورنو وبلوخ، ولكن أيضا على فلاسفة غير ألمان من قبيل لوكاتش، ألتوسير ودريدا، من حيث هم في ارتباط وثيق مع التراث الألماني" .
ولكن بأيّ معنى ؟
علينا ألاّ نخلط بين "عدم قابليّة الترجمة" (Nichtübersetzbarkeit) وبين "عدم إمكانية الفهم" (Unverständlichkeit) . إنّ الأمر يتعلّق بالنصّ وليس بالقارئ. وما يُلام على نصّ هيدغر أمران: أ- أنّ "عنصر المفعول الخطابي" فيه كبير ومؤثّر؛ ب- أنّ فيه شبها قويّا مع أسلوب "الهَدْي الديني"(religiöse Bekehrung) . وذلك من شأنه أن يضفي عليه "طابعا هرمسيا" . وإذا كانت الفلسفة الألمانية هي " من خلال الثقافة الألمانية برمّتها في ترابط مع تطوّر الشعور القومي الألماني ومع الأمّة الألمانية ذاتها"، فإنّ هيدغر إنّما "في أعقاب هذه الفلسفة الجرمانية (Philosophiae Germaniae) هو قد ابتدع فلسفته" . وهذه الفلسفة تتميّز في الأساس بأنّها "نتاج جامعات" (على عكس الوضع في فرنسا أو انجلترا حيث تأتّت الفلسفة من ضرب من "مقاومة" سلطة الجامعات)، وأنّ "اللغة الأمّ للفلسفة ذاتها" قد توطّدت في وقت سيطرت فيه "قوى ثقافية من نوع ديني وسياسي" (على خلاف الفلسفة الانجليزية حيث ظلّ النموذج هو العلم الحديث) .
هل يعني ذلك أنّ الفلسفة الألمانية، وفلسفة هيدغر بخاصة، فلسفة لم تفلح في التوفّر على "مطلب الكونية" ؟ ليس من الصعب أن يتراءى لنا من وراء أطروحة "عدم قابلية هيدغر للترجمة" التي عرضنا لها تشكيك كارناب على كلام هيدغر في "العدم" بوصفه "مشكلا كاذبا" لا يصمد أمام التحليل المنطقي للغة ، أو اعتراض هابرماس الأوّل ضدّ "تأويلية" غادمير، بكونها لا تنطوي على "صلاحية كليّة" كالتي يحقّقها العقل "التحليلي".
علينا أن نقرّ إذن بأنّ "الترجمة الفلسفية" بعامة، وترجمة هيدغر بخاصة هي "مغامرة". فمع نصوصه نحن نعيش بالفعل ما سمّاه بعض دارسيه "مغامرة الترجمة" (das Abenteuer des Übersetzens) بإطلاق. في المغامرة نحن نذهب إلى "أرض مجهولة"، لكنّ "المجهول هنا ليس هو رغم كلّ شيء النصّ، الذي نطمع في ترجمته، بل على العكس من ذلك لغتنا الخاصة. إنّ مغامرة الترجمة إنّما تغامر في صلب لغتنا الخاصة" . وذلك لأنّ الترجمة هي مدعاة إلى تغيير علاقتنا بماهية لغتنا، أي بطريقتنا في الكلام بما هو طريقتنا في الكينونة داخل العالم. ولذلك تنطوي الترجمة على قدر كبير من "المباغتة" ( Überraschung) التي من شأنها أن تضع الدازين الخاص بنا موضع خطر .
لكنّ ما يعسّر مهمّة ترجمة نصوص هيدغر بخاصة هو أنّ فلسفته متواشجة بشكل فظيع مع اللغة، ليس فقط مع لغته الألمانية أو، إلى حدّ ما، مع اللغة اليونانية، بل مع اللغة بما هي كذلك. إنّ اللغة الفلسفية ليست "أداة" نستعملها دون أيّ اشتباك روحي معها، بل هي "الوسط" أو "الميدان" الذي ينبسط فيه معنى الكينونة بالنسبة إلى دازين معيّن. ولذلك فحين نترجم نحن لا ننقل جملة من المعاني المجرّدة بواسطة جملة من الألفاظ المناسبة، بل نحن نعمل على تملّك وسط "تاريخاني" (أفق للفهم، شكل ما للمصير، عالم من المعنى،...) من خلاله يتحرّر أمامنا تراث ما ويخرج إلى اللغة مرة أخرى.
من أجل ذلك ليست الترجمة تقنية آلية لنقل المعاني، بل "هي مطيّة من خلالها يفسّر النص الأصلي نفسه. فإنّ النصّ الأصلي لا يتكلّم في لغته الخاصة فحسب، بل هو يتكلّم أيضا عبر الترجمة. بهذا المعنى فإنّ الترجمات ضرورية للنص الأصلي. بل هي تنتمي إليه. إنّها بُعده الكوني. فأيّ نصّ إنّما يصبح كونيا حقّا، أي يتكلّم لجميع البشر في كلّ العصور، بقدر ما يكون مترجَما في اللغات العديدة." . ولكن ما "معنى" أن نترجم ؟
3. ما معنى أن نترجم ؟ أو الترجمة الفلسفية وراثة المعاني من الداخل ولكن في لغة أخرى
تكمن طرافة علاقة هيدغر بالترجمة في كونه أحد القلائل الذين رفعوا مهمّة الترجمة إلى رتبة مشكل فلسفي قائم برأسه. ونحن نعثر لدى فون هرمان، الذي ارتضى هيدغر الأخير أن يجعله مهندس الطبعة الكاملة والأمين الأكبر عليها وأحد شرّاحه الألمان الكبار، على استجماع طريف لدلالة "الترجمة من حيث هي مشكل فلسفي" .
إنّ ما هو إشكالي في الترجمة الفلسفية هو كونها تتخطّى مهنة الترجمة بالمعنى التقني. إنّها لا تنقل معاني مستقرة لدى أهلها، سواء على صعيد اللغة العادية التي يتكلّمها شعب ما، أو على مستوى الاصطلاح العلمي وما شابهه، مثل الوثيقة القانونية أو المادّة الإعلامية. إذ ليست المفاهيم الفلسفية مجرّد مصطلحات كما أنّها ليست محض ألفاظ عادية. إنّها بالتحديد مفاهيم، أي قرارات مفكّرة يمتحنها الإنسان بلغته في أفق تاريخ تأويلي معيّن لذاته من حيث هو كينونة في العالم.
بذلك فإنّ ماهية الترجمة في تواشج سابق مع ماهية اللغة وماهية التاريخ الذي يتحرّك المترجم في أفقه . – بهذا المعنى خاض هيدغر نفسه في ماهية الترجمة على الأخصّ في ثلاثة مواضع من مدوّنته التي نشرها : أ- في مقالة "كلمة أنكسيمندر" (1946) من مجموع شعاب ؛ ب- في الدرس الثاني من ما معنى أن نفكّر؟ في سداسي صيف 1952 ؛ ج- ضمن درس مبدأ العلة في سداسي شتاء 1955/1956 . لكنّ دروسه، التي نشرت بعد موته، لم تخل هي أيضا من خطرات عميقة في ماهية الترجمة، نذكر منها مثلا درس صيف 1942 عن هولدرلين ، ودرس شتاء 1942/1943 عن برمنيدس ، ودرس صيف 1943 عن هرقليدس .
لقد امتحن هيدغر ماهية الترجمة من خلال ما عقده دوماً من "ترجمة مفكّرة"(denkende Übersetzung) من اليونانية واللاتينية-الرومانية إلى اللغة الألمانية؛ وحسب فون هرمان قد كان لنا في هيدغر–المترجم أسوة حسنة، على المترجمين أن يقتبسوا منها، وذلك ليس فقط متى نقلوا من الألمانية إلى اللغات الأوروبية بل أيضا متى ترجموا إلى اللغات الخارجة عن أوروبا .ههنا هو قد كشف عن بعض شروط الترجمة الفلسفية الأصيلة علينا الوقوف عندها.
وعلى الرغم من أنّ هيدغر لم يتعرّض إلى عبارة "الترجمة" في نصّ الكينونة والزمان إلاّ قليلا (أربع مرات)، فإنّه قد أشار إلى الخطر الحقيقي لكلّ ترجمة: أن تكون "ترجمة حرفية" (wörtliche Übersetzung) فَتُوهمنا بأنّها "ترجمة مشروعة" (rechtmäßige Übersetzung) ، والحال أنّ وظيفتها قد تنحصر في "أن تحجب المعنى" الذي رآه المتفلسف الأصلي في لغته الأصلية، كما تفعل لفظة "Wahrheit" إزاء " Âl®jeia" .
إنّ أوّل شرط جوهري للترجمة حسب هيدغر هو أنّ : " كلّ ترجمة إنّما هي بعدُ في ذاتها ضرب من التفسير (Auslegung) [..]فالتفسير والترجمة هما من حيث نواتهما الجوهرية صنوان" . فلا يمكن لأيّ أثر أن يُترجَم إلاّ بقدر ما يُفسَّر، أي بقدر ما يُتملَّك فهماً ضمن تفسير ما. – ونحن نترجم "Auslegung" بعبارة "التفسير" (القديمة الاستعمال في لغتنا الاصطلاحية الخاصة بالنصوص التأسيسية) وليس "التأويل" (الذي هو "فنّ مشتق" منه) لأنّ الأمر لا يتعلّق بمعنى فيلولوجي "أوّل" نبحث عنه، بل بسلوك بصري يقوم، كما هو مشار إليه في اللفظ الألماني "Aus-legen"، على "وضع" الشيء "في الخارج" أي نشر الشيء من خلال فتح "الطيّات" أو "الطبقات" التي تكوّنه وعرض الشيء أمام النظر. وهو تحديدا معنى "فَسَرَ" في العربية، أي كشف عن المغطّى.
وطبقا للفقرة 32 من الكينونة والزمان، المتعلّقة بالعلاقة بين "الفهم والتفسير"،فإنّ التفسير من شأنه أن يتأسّس ضمن ثالوث تأويلي لا مناص من تملّكه هو تواليا، حسب تسميات هيدغر: "die Vorhabe"، "die Vorsicht" و"der Vorgriff" - "المكسب السابق"، "الرؤية السابقة"، "التصوّر السابق". – إذْ نحن نلتقي بالنصّ الذي نترجمه ضمن "فهم سابق" على هذا القدر أو ذاك من الإبهام والاتساع، هو عندنا بمثابة "المكسب السابق" الذي هو معطى سلفا ولا يمكننا تحاشيه. ذلك يعني، كما يشير جان غرايش (صاحب أهمّ تفسير لكتاب 1927 بالفرنسية) ، أنّه لا وجود أبدا للدرجة الصفر من الفهم، بل كلّ تفسير يستند إلى فهم مكتسب سلفاً. لكنّ تلقّي المكسب السابق لا يتمّ سبهللا، بل تحت هدي "زاوية نظر" هي "ما-على-جهته (woraufhin) يجب أن يُفسَّر ما تمّ فهمه-من-قبل"، وهذا النحو من جهة النظر هو "الرؤية السابقة" بوصفها ما من شأنه أن يحمل "المكسب السابق" إلى نطاق التفسير ، مثلا أن يجعلنا نفهم حدثا ما "من حيث"(als) ما يعنيه بالنسبة إلينا.إنّ الرؤية السابقة هي ما يعيّن "الوجهة" التي ينبغي أن يأخذها التفسير . لكنّ كلّ تفسير إنّما يجد نفسه مضطرا إلى تكلم "لغة استباقية"، وذلك من خلال اختراع مفاهيم مُصاغة بقدر ما، وتلك اللغة المفهومية الاستباقية هي "التصوّر السابق" الذي يرتسمه كلّ تفسير من أجل أن يصاحب الفهم نحو مقصده، حتى ولو أُجبر في وقت لاحق على تعديل مفاهيمه. وحسب عبارة طريفة، فإنّ "التصوّر السابق" هو حسب غرايش ضرب من "تسبقة معنى" (une avance de sens) بدونها لا يكون فهمُ. وبعامة لا يُفسَّر أيّ نصّ إلاّ في ضوء "الوضعية التأويلية"(المكسب السابق، الرؤية السابقة، التصوّر السابق) التي يستند إليها.
ولكن أين يجدر بنا أن نبحث عن جذور هذا "السابق"(das Vor-) إلى الفهم والرؤية والتصوّر ؟ - يكمن ذلك "السابق" حسب هيدغر في ماهية الإنسان نفسها من حيث هو "دازين"(Da-sein) أي قدرة أصلية على "كينونة الهناك" الذي بحوزته من حيث هو الكائن الذي يتعلّق الأمر في كينونته بمعنى الكينونة نفسها. "الهناك" هو نمط "انفتاح" كينونة ذاتنا من حيث هي كينونة-في-العالم. إنّ "في" هذه لا تشير إلى ظرف مكان، بل هي نمط من "المُقام". العالم ضرب من المُقام وليس مكانا بالمعنى الطبيعي.
من أجل ذلك لا يمكننا أن نفهم ما في "النص" من مكسب سابق ورؤية سابقة وتصوّر سابق إلاّ بقدر ما نهتدي إلى "البنية السابقة" (Vor-Struktur) التي تشدّ تلك العناصر التأويلية إلى نمط كينونة الإنسان من حيث هو "دازين" وليس شيئا من الأشياء القائمة في الطبيعة أو التي يستعملها أداةً في عمله اليومي. "كلّ ترجمة هي بعدُ تفسير، لكنّ كلّ تفسير هو مكوّن من بنية-سابقة مثلّثة" تضمّ ما هو معطى سلفا في فهمنا، ووجهة ما في الفهم وصيغة ما للتعبير عن ذلك الفهم. "فليس التفسير بأيّ وجه إمساكا خاليا من أيّ مسبَّقات لشيء معطى سلفاً" . بل هو متورّط بعدُ في وضعية تأويلية لا فكاك له عنها من أجل أنّها جزء من ماهية المفسّر نفسه.
إنّ المكسب السابق والرؤية السابقة والتصوّر السابق هي الشروط التي تمكّن كلّ تفسير ومن ثمّ كلّ ترجمة من "العبور" (übersetzen) إلى "المقول" والإنصات إليه هناك حيث هو، أي داخل الوضعية التأويلية التي تكوّن في رحمها. إنّ المهمّة النقدية للتفسير تتمثّل في الفصل الجيّد بين ما هو مسبّقات غير مناسبة أو غريبة عن النصّ، وبين المسبّقات الأصلية التي تنتمي إلى صلب النص . إنّ "الاشتباك" (das Sicheinlassen) مع ما يقوله النص من ذات نفسه هو "روح الحوار"(die Seele des Gespräches) الأصيل معه . وهو أمر لا يظهر لنا حقّا إلاّ متى صار التفسير نفسه تجربة "فينومينولوجية"، أي " بيانا عمّا ينكشف انطلاقا من ذات نفسه، كما ينكشف انطلاقا من ذات نفسه" .
ومتى كانت الترجمة تفسيرا فينومينولوجيا للمعاني فإنّها لا يمكن أن تكون "حرفيّة" (wörtliche)، وإنْ كانت تريد أن تكون "أمينة على الكلمة" (wortgetreue) .وحسب هيدغر، فإنّه "طالما كانت ترجمةٌ ما حرفيّة فحسب، هي لا تحتاج بعدُ لأنْ تكون أمينة. هي لا تكون أمينة إلاّ متى كانت ألفاظها (Wörter) كلمات (Worte) تتكلّم نابعةً من لغة القضيّة [نفسها]" . بين "اللفظ" بما هو مشكل نطق وحرف وبين "الكلمة" بما هي إنصات إلى ما "يأتي إلى اللغة" ثمّة الفرق الجوهري عينه بين الإنسان الذي هو "حيوان ناطق" والإنسان الذي يكون من حيث هو "دازين" -كينونة الهناك داخل العالم، بين "التأويل" بما هو تقنية شرح النصوص وبين "التفسير" بما هو نمط "وجوداني" (existenzial) لكائن حُمّل وزر الكينونة، بين "الدلالة" الألسنية للفظ ما و"المعنى" الوجوداني-التأويلي للكلمة بما هي مقام لدنه تخرج الأشياء إلى الكينونة .
في ضوء هذا التمييز بين "اللفظ" و"الكلمة" يجدر بنا أن نضع التمييز الذي عقده هيدغر بنفسه بين "ما يُترجَم" (übersetzbar) و"ما لا يُترجَم" (unübersetzbar):
"إذْ أن نترجم وأن نترجم لا يعنيان نفسَ الشيء، حين يتعلّق الأمر بخطاب تجاري هنا وقصيد شعري هناك. ذاك قابل للترجمة، أمّا هذا فلا." و"كما أنّه يصعب علينا أن نترجم الشعر، كذلك يصعب أن نترجم فكرا ما" .
لا يقصد هيدغر بذلك إبطال الترجمة والتشكيك على المترجمين. بل هو يحضّ على التهيّب من جسامة أمر الترجمة وخطرها على النصوص العظيمة. - إنّ "ما يُترجَم" هو ما يمكن أن نجد له عديلا لسانيا أو اصطلاحيا، داخل عائلة لغوية وروحية واحدة؛ فتكون الترجمة بذلك عملا إجرائيا على الدلالات الواحدة، وإنْ قيلت بألفاظ أمم مختلفة إلاّ أنّها تشترك في رؤية واحدة للعالم والمصير. وهذا يعني أنّ هيدغر يقرّ للمعنى السائد للترجمة، بما هي نقل للدلالات من لغة عادية إلى لغة عادية أخرى، بالصلاحية التقنية التي من شأنها. أمّا "ما لا يُترجَم" فهو يثير صعوبة من نوع آخر. ولا يعني ذلك أنّ القصائد والأفكار الكبرى إنّما تظلّ موصدة دوننا بسبب "عدم-قابلية-الترجمة"(Unübersetzbarkeit) بالمعنى التقني، بل فقط أنّ ثمّة "فرقا جوهريا في قابلية الترجمة" ذاتها. ولذلك يميّز هيدغر بين الترجمة بالمعنى السائد وما سمّاه "ترجمة جوهرية" (eine wesentliche Übersetzung)، وهو يعني بها تحديدا ترجمة أعمال الشعراء والمفكّرين، الذي غيّروا طريقة الإنسانية في الكلام عن نفسها و على كينونتها في العالم . إنّ القصائد والأفكار الكبرى قابلة للترجمة ولكن في معنى للترجمة ينبغي النهوض بالمساءلة اللازمة لماهيته.
يقول هيدغر:" في مثل هذه الحالة، لن تكون الترجمة تفسيرا فحسب، بل تراثا أيضا.ومن حيث هي تراث، فهي لها مكانها في الحركة الباطنية جدّا للتاريخ."
ماذا يعني تأصيل الترجمة بوصفها "تراثا" ؟ - إنّ الترجمة بما هي ضرب من "العبور" (Über-setzung) من شأنها أن تصبح "تراثا" (Über-lieferung) حين توفّر ما به "يعبر" و "ينتقل" (über-setzt) الكلام الجوهري "من لغة تاريخانية إلى أخرى"، وهو أمر يستثمر هيدغر في تخريجه بنية العبارة الألمانية " Überlieferung" التي تدلّ، كما يشير هيدغر بنفسه، على معاني "النقل" و"التحويل" و"التسليم" ( ein Liefern) في معنى "liberare" اللاتيني أي معنى "التحرير"(Befreiung) أي تسريح المدى الذي يجعل المعنى ممكنا.
لذلك ليس ثمّة ترجمة تغني أو تحلّ محلّ (ersetzen) النصّ الأصلي؛ إنّها لا تكون إلاّ عونا أصيلا على الولوج إلى لغته الأصلية ووراثة معانيها من الداخل. تلك هي "الحدود الجوهرية" (Wesensgrenze) التي تكتنف "قابلية الترجمة" الجوهرية في كلّ نصّ جوهري .
ولكن ما معنى أن تكون "الترجمة" عندئذ ضربا من "العبور" ؟ - هذان معنيان أطلق هيدغر سراحهما من العبارة الألمانية "Über-setzung".
يقول:" بيد أنّ الترجمة (Übersetzen) ليست ممكنة إلاّ من حيث هي عبور (Übersetzen)" . أن نترجم هو أن "نضع" (setzen) المعاني في مواضعها من لغة ما، لكنّنا لا نفلح في ذلك على نحو جوهري إلاّ بقدر ما نستطيع أن نحتمل العبور "إلى" (Über-) المقام الذي يجعل ما نضعه مستقرّا في مكانه. ومن ثمّة فإنّ هذه الترجمة لا تنجح إلاّ من خلال "قفزة" (ein Sprung) تنقل "النظر" من أفق ما تقوله اللغة العادية إلى ما قالته لغة أصلية تنام تحتها أو ترصدها في منامها الميتافيزيقي.إنّ الترجمة الفلسفية قفزة في ماهية تراث ما؛ بحيث أنّ "الترجمة تتحوّل هنا إلى عبور نحو الضفّة الأخرى التي تكاد لا تُعرَف وتقع ما وراء نهر عريض" ، وليس مجرّد نقل قاموسي للألفاظ من لغة إلى أخرى.
وبالفعل فإنّ ما يقوم به التفسير الأصيل لنصّ أصلي هو أن "يعبر" ( über-setzt) إلى هناك حيث يقبع ما تكلّمته لغةٌ أخرى، بحيث هو ينجح في أن "يترجمه"(übersetzten) إلى لغتنا من خلال "حوار مفكّر معه" (in einer Zwiesprache des Denkens) . وما أطرف عبارة "die Zwiesprache" فهي تعني حرفيا "das Zwiegespräch"- "التحاور" و"التحادث" وجها لوجه، ولكن أيضا "اللغة -مُنَاصَفَةً" أو "اثنين-في-لغة-واحدة". لا نفسّر إلاّ بقدر ما ننصت إلى ما قيل، ومن ثمّة نحن لا نترجم إلاّ بقدر ما يمكننا من خلال "الحوار" أن نضع ما قيل في مداره .
بهذا المعنى يفترض هيدغر أنّنا لن نفهم ما قالته يونان في كلماتها الأصلية الأُوَل مثل عبارة "Êòn Émmenai (كينونة الكائن) إلاّ متى اعترفنا " بأنّه من اللازم علينا في نهاية الأمر أن نترجم هذه الكلمات إلى اليوناني" ! وعلى عكس ما يظهر لأوّل وهلة، فليس في ذلك أيّة لجاجة. بل القصد اللطيف أنّنا لا "نترجم" إلاّ متى "عبرنا" إلى هناك حيث ينقال ما قيل في تربته الحميمة. لذلك أن تكون الترجمة "دقيقة" (أي موافقة للاستعمال) ليس ذلك أكبر فضائلها؛ فقد تكون "الدقة (Richtigkeit) منزلقا أيضا من أجل أنّها تورّطنا في أتون تمثّلات هي من الناحية التاريخية متأخّرة، حديثة وسائدة إلى اليوم" . فالترجمة الدقيقة، تلك التي تقول ما هو منتظر منها بالنظر إلى لغة عادية مستقرة لدى أهلها ومن ثمّ لدى عصرها، هي لا تزيد على بناء شبكة ترادف يومي مع لغة يومية أخرى، وليس "العبور" إلى تراث ما وتمكينه من "الانعتاق" في الميدان التاريخاني للغة "أخرى".
وحين تعرّض هيدغر إلى محنة الترجمة، إبّان اشتغاله على تخريج معنى "كلمة أنكسيمندر"(1946) في معجم تاريخ الكينونة، هو قد صرّح قائلا: "إنّ ذلك يفرض على فكرنا أن يعبر (übersetzt) أوّلا قبل الترجمة إلى ما قيل في اليوناني. هذا العبور المفكِّر إلى ما يأتي من خلال الكلمة إلى لغته، إنّما هو ضرب من القفز على خندق." ولكن ما الذي يُفترَض أن يقفز: ما قيل في لغة غريبة إلى لغتنا أم لغتنا إلى اللغة الغريبة ؟ إنّ هيدغر يطالبنا بأكثر من ذلك: إنّه بدلا من ترك الألفاظ الأجنبية تمرّ إلى لغتنا، علينا قبل ذلك "أن نمرّ نحن أنفسنا إلى فضاء اللغة" التي نترجمها ! هذا صعب ولكنّه ليس بلا معنى. إنّ القصد هو أنّنا لن نترجم حقّا نصّا ما إلاّ متى فكّرنا معه في ما يقوله داخل اللغة التي قيل فيها، وليس في لغة أخرى. علينا أن نستفزّ لغته حتى تقوله بين يدينا، لأنّه نتاج داخلي لماهيتها، وليس مجرّد إجراء ألسني. وبكلمة واحدة علينا أن نرثه من الداخل، وهو ما يعني حسب إشارة العبارة الألمانية " Überlieferung"، علينا أن نفكّ قيوده، أي أن نسرّحه مرّة أخرى في فضاء لغة أخرى، هي ربّما لم تقله صراحة من قبل، وإن كانت تنطوي عليه في ماهيتها.
في هذا المستوى بالتحديد علينا أن نستضيء بدلالة اعتراضات هيدغر على "الترجمة" الرومانية لليونان. قال:" إنّ الفكر الروماني قد نقل الألفاظ اليونانية من دون التجربة الأصلية المناسبة لما تقوله، من دون الكلم اليوناني. وإنّ اهتزاز أرضية الفكر الغربي قد بدأ مع هذه الترجمة." فقد تكون الترجمة "حرفية في ظاهرها" ومن ثمّ "صادقة"، ولكنّها تخفي، في باطنها، "عبورا" من تجربة تاريخانية مخصوصة إلى "نمط تفكير آخر" غريب عن مضمونها الأصيل تماما.
4- الترجمة والقومية : أو هل تتكلّم الكينونة لغة هذا الشعب أو ذاك ؟
يقول هيدغر في رسالة بعث بها إلى هنري كوربان، أوّل مترجم فرنسي له، في مارس 1937:
"بالترجمة إنّما يتمّ نقل عمل الفكر إلى روح لغة أخرى،ومن ثمّ هو يطرأ عليه تحوّلٌ لا مناص منه. بيد أنّ هذا التحوّل إنما يمكن أن يصبح خصبا، من جهة كونه قد يُظهر الوضع الأساسي للمسألة في ضوء جديد؛ بذلك هو يساعدنا على أن نصير بإزائها نحن أنفسنا أكثر استبصارا وأن نتلطّف أكثر في رسم حدودها.
ولهذا السبب لا تتمثّل ترجمةٌ ما في مجرّد تيسير التواصل مع عالم لغة أخرى، بل هي بحدّ ذاتها استصلاح مشترك لتربة المسألة. إنّها تساعد على الفهم المتبادل في معنى راقٍ. وإنّ كلّ خطوة على هذا الدرب لَهْيَ نعمة مباركة للشعوب."
ولكن من هو "الشعب" ؟ - إنّه ضرب من " الدازين القَدَري ، بقدر ما هو كينونة-في-العالم" ولأنّه "من حيث الماهية يوجد في نطاق الكينونة-معاً صحبة الآخرين، فإنّ تأرّخه هو تأرّخٌ-معًا ويتعيّن بوصفه مصيرا" . – إنّ الترجمة حدث قدري في لغة ما، لأنّها نمط من التأرّخ-معاً في مساحة "النحن" العميقة التي يوفّرها شعب ما. لكنّ الشعوب لا توجد كالأشياء، إذ ليست لها "ماهيات" أو "هويات" معطاة سلفا أو نهائية. وكما يبيّن هيدغر في درس ألقاه سنة 1934، إنّ "الشعب" ضرب من "الانتماء" الحرّ المنبثق ليس فقط عن "قرار"(Entscheidung) حرّ إزاء أنفسنا؛ بل عن نوع من "الحزم" (Entschiedenheit) إزاء كينونة-ذاتنا؛ الشعب قرار ولكن ليس "ضدّ أو من أجل الآخرين"، بل هو قرار "من أجل أو ضدّ أنفسنا" . وحسب هيدغر فالانتماء أو عدم الانتماء هو "ضرب من الإجابة"(Antworten) على ما هو تاريخاني فينا، ومن ثمّ هو في عمقه "مسؤولية" (Verantwortung) أمام "المصير" العميق لذاتنا ، بعيدا عن أيّ مزعم عرقي أو أخلاقي أو ديني. فالشعب، حسب هيدغر، ليس "جسما أو جسدا" (Körper/Leib) ولا "نفسا" (Seele) ولا "روحا" (Geist) ، بل إنّ ما يميّزه هو "طابع القرار" التاريخاني إزاء مصيرنا .
ولكن إلى أيّ مدى يمكن أن يزعم "شعب" ما (اليونان أو الجرمان) أنّه قد توفّر على "اللغة" الأخصّ للكينونة، أو أنّه قد خُصّ وحده بتكلّم لغة "الكينونة" دون غيره من شعوب الإنسانية الحالية ؟
لقد تُرجم كتاب Sein und Zeit إلى لغات عدة، منها اليابانية (1940) والإسبانية (1951) والإيطالية (1953) والانجليزية (1962) والفرنسية (1964-1986)،ولكن أيضا إلى لغات أقلّ انتشارا، مثل "الكرواتية" و"السلوفاكية" و" الاستونية". – في كلّ هذه الترجمات تساءل المترجمون، تقريبا، تساؤلا واحدا في صيغ شتّى: "هل يمكن أن نترجم هيدغر إلى لغتي؟"، وهو سؤال يخفي في طيّاته تساؤلا أقلّ نبرة : "هل تتكلّم الكينونة لغتي أيضا ؟".
وتعترضنا صيغُ ذَيْنِكَ التساؤلين مطبّقة من قبل الباحثين في الهيدغريات على حالات شتّى. فإذا نحن في بابل تأويلية، "فلا يفهم الحُدّاثَ إلاّ التراجمُ" (كما قال المتنبّي ذات قصيد). وتختلط أصوات تُهَمْهِمُ متسائلة : " هل يقبل تفكير هيدغر أن يُترجم إلى اليابانية ؟" ؛ أو "هل يمكن أن نترجم هيدغر إلى السلوفاكية ؟" ؛ أو هي تُسرّ مستدركة بأنّ " الفلسفة قد يمكن أن تتكلّم الكرواتية" لكنّ "كلّ لفظ كرواتي من الترجمة إنّما يحوّر من دلالة المصطلح الأصلي" ؛ أو هي تهمس متحيّرة "هل تتكلّم الكينونةُ [اللغة] الإستونية أيضا؟" ؛ أو تقول في نفسها مستعظمة للأمر، إنّ ترجمة هيدغر إلى الصينية "هي ليست ترجمة لأعمال هيدغر من الألمانية إلى الصينية، فحسب، بل أيضا هي نقل لفكر هيدغر من ’’العالم’’ الألماني، الأوروبي، إلى ’’العالم’’ الصيني، الشرق-آسيوي" !. واللغات تأتي...
وإنّما تكمن نواة الصعوبة هاهنا في هذا المعطى السابق على الترجمة: أنّه لا فلسفة إلاّ بالكلّي، لكن لا شعب ولا لغة إلاّ بالخاص. هل "الكلّي" هو الأجنبي والغريب ؟ أم هو "الخاص" ذاته ؟
يشير باحث كرواتي، في معرض فحصه عن مدى ترجمة هيدغر إلى الكرواتية، إلى أنّ "الألماني" يسمّى لدى السلافيين "Nijemac" أي "الأخرس"، بل إنّ لديهم لفظة "tudj" (من deutsch ) التي تعني "الغريب" . – علينا إذن أن نقرّ دون مواربة أنّ كلّ لغة "خاصة" هي بالضرورة "غريبة" لدى شعب آخر. ومن ثمّ لا فضل للغة على لغة إلاّ بتقوى الكينونة. وإذا كان لابدّ من أن تكون لغةٌ ما خاصة بشعب معيّن، فإنّه لا يوجد "فكر خاص"، ومن ثمّ فإنّه ليس ثمّة "فكر غريب"، بل ما يوجد هو فقط "الفكر الحرّ" .
ولا بأس أن نذكّر بأنّ مصطلح هيدغر ليس مشكَلا على "الأجانب" فحسب، بل هو متوعّر حتى على "الألمان" أنفسهم . وذلك أنّ الترجمة ليست مجرّد مقابلة قاموسية بين الألفاظ في لغتين مختلفتين، فأيّ قاموس قد يوفّر دلالة اللفظ "الصحيحة"، لكنّه "لا يضمن بعدُ بهذه الصحّة (Richtigkeit) أن نبصر بحقيقة (Wahrheit) ما يعنيه اللفظ ولا ما يمكن أن يعنيه" . أن نترجم "حقّا" هو أن "ننظر من ناحية الروح التاريخاني للغة ما في جملتها"، بحيث تتمثّل مهمّة الترجمة الأصيلة في أنّه "ينبغي عليها ضرورة أن تمرّ من روح اللغة الخاص بلغة ما إلى الروح الخاص بلغة أخرى" .
لكنّ الشرط الحاسم الذي يجعل هذا النحو من المرور الصعب من روح لغة إلى روح لغة أخرى، ومن أفق شعب تاريخاني إلى أفق شعب تاريخاني آخر، إنّما هو شرط طريف وينطوي على شيء من المفارقة. – فإنّ هيدغر الذي ينبّه إلى أنّ "كلّ ترجمة هي ضرب من التفسير" لا يتردد في قلب المسألة مصرّحا بشكل لا يخلو من تهكّم تأويلي:
"نحن نعترف انطلاقا من ذلك بأنّ كلّ ترجمة ينبغي أن تكون تفسيرا. ولكنّ العكس هو في نفس الوقت صحيح أيضا: كلّ تفسير وكلّ ما يقوم في خدمته، هو ترجمة. بذلك لا تتحرّك الترجمة بين لغتين مختلفتين فحسب، بل ثمّة في صلب اللغة ذاتها ترجمة.إنّ تفسير نشيد هلدرلين هو ترجمة داخل لغتنا الألمانية" .
بذلك نحن لا نترجم فقط ما هو "أجنبي" حتى نفهمه؛ بل علينا أن نترجم أيضا ما هو مكتوب في لغتنا ! ولكن بأيّ معنى ؟
يفترض هيدغر أنّ الترجمة ليست حاجة تقنية أو فيلولوجية خارجة عن طبيعة "الأثر" المترجم أكان فلسفة أو شعرا. بل أنّ الآثار العظيمة هي طبقا لماهيتها وفي صلب نفسها "في-حاجة-إلى-الترجمة" ( übersetzungsbedürftig) ! وذلك من فرط ما تحمل في ذاتها من علاقة جوهرية مع "ماهية اللغة" التي يتكلّمها "شعب تاريخاني" عظيم (ولا يتعلق الأمر في هذا المضمار المهيب إلاّ بالشعوب العظيمة). من أجل ذلك فالترجمة لئن كانت تفسيرا ، أي ضربا من "التفهيم" (ein Verständlichmachen)، فليس شأنها أن "تنزل" الأثر من "قمّة" المسألة التي عبّر عنها، حتى يصبح مقبولا في الفهم السائد، بل "إنّ الترجمة ينبغي أن تضعنا على درب الصعود إلى القمّة" ذاتها. وذلك لأنّ "حاجة-الترجمة" لا تسكن في الأثر العظيم (أكان فكرا أم شعرا) إلاّ بقدر ما تكون قبلُ وبشكل أصلي "حاجة-إلى-التفسير" (auslegungsbedürftig) مِلْحاحة :
"إنّ الترجمات في مجال الكلمات العليا للشعر والفكر هي دائما في-حاجة-إلى-تفسير، وذلك لأنّها هي ذاتها ضرب من التفسير" .
إنّ القصد من هذه الإشارة إلى الترجمة داخل نفس اللغة هو التنبيه على أنّ الترجمة من لغة إلى لغة أخرى هي حالة من حالات متعددة من الترجمة، وليس ظاهرة معزولة. إنّ "الكلام والقول هو بحدّ ذاته ضرب من الترجمة .[..] في كلّ حديث وكلّ حديث مع أنفسنا يسود ضرب من الترجمة الأصلية" . وإنّ "أصعب" الترجمات إنّما تبقى دوما حسب هيدغر "ترجمة اللغة الخاصة في الكلم الأخصّ لها" .
ورغم ذلك فإنّ هيدغر يصرّح دونما مواربة أنّ الشعب التاريخاني، الذي بلغت لغته إلى التعبير عن ماهية مصيره، لا يمكنه أبدا "أن-يصير-وطناً" ( das Heimischwerden) لوحده وبشكل معزول، أي لا يمكنه أبدا أن "يعثر على كفاية ماهيته من ذات نفسه وبشكل مباشر في لغته الخاصة"، بل إنّ "أيّ شعب تاريخاني لا يكون إلاّ انطلاقا من حوار لغته مع اللغات الأجنبية" . إنّ الترجمة بالمعنى اليومي هي مجرّد "إجراء تقني" له ضرورته، مثل تعلّم الانجليزية-الأمريكية، التي يتعلمها حسب هيدغر جميع من في العالم. ولكن هل نحن على بيّنة من "الخطر الجوهري" لهذا النوع من معرفة اللغة ؟ فإنّ الترجمة الأصيلة، التي تتعلّق بالاشتباك مع لغة تاريخانية، تكلّمها شعب تاريخاني، هي بالأحرى "إيقاظ وإيضاح وبسطٌ للغة الخاصة بمساعدة المناظرة مع اللغة الأجنبية" . إذ ليس القصد من مناظرة اللغة "الأجنبية" سوى "تملّك اللغة الخاصة" .
5- الترجمة والضيافة: أو في تعدّد منازل الكينونة
في "حوار حول الكلمة. بين ياباني وسائل يسأل"، نَشَرَهُ في كتابه الترقّي نحو الكلمة ، أبدى هيدغر شكّا واضحا في إمكانية "الحوار" بين العقول المنتمية إلى عوالم تاريخانية متباعدة.
قال:" قبل ردح من الزمان، سَمّيتُ اللغة، دونما احتياط كاف، منزل الكينونة. وإذا كان الإنسان من خلال لغته يقيم ضمن مطلب الكينونة، فإنّنا،نحن الأوروبيون، نقيم على الأرجح، في منزل مغاير تماما لذاك الذي يقطنه إنسان شرق آسيا.[..] بذلك فإنّ حواراً من منزل إلى منزل إنّما يكاد يظلّ مستحيلا."
ولكن ماذا لو كانت "منازل الكينونة" متعددة ؟ - ذلك ما اقترحه باحث ياباني كردّ طريف على نبرة الموقف الذي اتخذه هيدغر في النصّ المشار إليه عن "الحوار مع ياباني"، قائلا:
"إذا كانت اللغة منزل الكينونة، فإنّه لابدّ أن تكون هناك منازل عديدة للكينونة، ذلك بأنّه ثمّة في الواقع لغات إنسانية عديدة.[..] بذلك فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أنّ منزل الكينونة هو ممكن فقط في المفرد الألماني أم في الجمع ؟ [..]إنّ ثمّة في العالم من جهة الواقع عددا لا يُحصى من اللغات المختلفة ومنازل الكينونة والثقافات المختلفة والعوالم المختلفة.وإذا كان التواصل المتعلق بالكينونة بين منازل الكينونة المختلفة والثقافات المختلفة غير ممكن، فإنّه لا وجود أيضا لأيّ تفاهم فلسفي بينها."
- نحن نأخذ مسألة "تعدّد" منازل الكينونة بوصفها الأفق الوحيد المناسب للإقدام على "ترجمة" هيدغر إلى العربية، متأوَّلة في معنى "العبور" إلى الضفّة الميتافيزيقية الأخرى التي يقف عليها، وإن كنّا لا نشعر أنّ ما يفصلنا عنها هو "نهر عريض". فما يشعر به المترجم الصيني مثلا من افتقار الثقافة الصينية إلى دين توحيدي مثل المسيحية، وجد أنّ معجم هيدغر السرّي ما فتئ ينهل منه أو يقاومه، هو شعور لا يمكن أن ينتاب المترجم العربي.
نحن نعلم أنّ هيدغر قد نهل من التراث التوحيدي ومن الأنطولوجيا اليونانية في كرّة واحدة. وهو يفترض أنّ تجربة الكينونة التي رصدها قد عرفت انكسارا مع عبور الأنطولوجيا اليونانية إلى الأفق اللاتيني-المسيحي، ومن ثمّ رسمت الانعطافة التي أدّت إلى تكوّن التجربة "الأوروبية" و"الغربية" و"الحديثة" للمُقام في العالم وتفسيره. لذلك نحن مرتبطون ارتباطا مضاعفا بهذا الحدث التاريخاني للقول الفلسفي في الكينونة: أوّلا لأنّ العربية هي الوسيط التاريخاني (الذي يغفله هيدغر في تاريخ الكينونة) بين اليوناني واللاتيني؛ وثانيا من أجل أنّ قدر القارة الروحية التي تحمل اسم "الإسلام" قد صار جزء لا يتجزّأ من قدر "الغرب" نفسه منذ أن كانت العربية المعلّمة الميتافيزيقية للاتينية، وهذا وضع تاريخاني لم يؤدّ سكوت المحدثين عنه إلاّ إلى تضييق باب الإنسانية الحالية نحو المستقبل.
وممّا زاد الأمر تعقيدا هو أنّ "الآخر" لم يعد يقيم "خارج" أيّ إنّية تأويلية قد يدّعيها هذا "الدازين" التاريخاني أو ذاك؛ إنّ الآخر هو نمط "الكينونة-معا" التي نحملها سلفا في علاقتنا الأصيلة بأنفسنا. ولذلك فالسلوك السوي إزاء الآخر (اللغوي أو السياسي) ليس التسامح (الذي يخفي شيئا من الغطرسة) بل أحد الآداب القديمة لأنفسنا، والتي أعادها فيلسوف "غربي" إلى الخدمة، نعني أدب "الضيافة"، وليس ذلك الفيلسوف سوى كانط ، الفيلسوف " الأوّل والوحيد"، حسب هيدغر، الذي تحرّك خطوة في طريق البحث في إشكالية الزمانية بما هي أفق فهم معنى الكينونة.
الترجمة ضرب من أدب الضيافة إزاء تراث ما. وعلى خلاف المعنى "الأخلاقي" للضيافة، فإنّ طرافة التنشيط الكانطي لهذا المفهوم تحت عنوان "الضيافة الكونية" (allgemaine Hospitalität) تكمن في أنّه قد نقل معنى الضيافة من إطار "محبّة النوع الإنساني" إلى "حقّ كسموبوليطيقي" للغريب بما هو كذلك. الضيافة الكونية هي "حقّ الغريب" في المرور في أفق العالم الذي يزعم دازين ما أنّه يسكنه لوحده. صحيح أنّ كانط لا يعترف بما يسمّيه "حقّ الضيف" أو حقّ الإيواء (Gastrecht) في منزل معيّن، لكنّه يقرّ بما يسمّيه "حق الزيارة" (Besuchsrecht) الإنسانية، وليس ذلك تكرّما، بل من أجل أنّ هذا الغريب هو "إنسان" بإطلاق، يتمتّع سلفا بما يطلق عليه كانط حق "الملكية الجماعية لمساحة الأرض، لكونها مساحة كروية" .
إنّ الترجمة ضيافة كونية بالمعنى المتعالي: فهي تستمدّ مشروعيتها من "حقّ" العقل الإنساني، ممثَّلا هنا من خلال النصوص "الأجنبية" التي شكّلت ماهية الإنسانية الحالية، في "المرور" في أفق لغتنا ، بمقتضى "حق" المواطنة في العالم، من جهة ما هو "أرض" روحية لا مناص من اقتسامها بسبب أنّها "كرة"، أي دائرة تأويلية مشتركة ومحدودة هي المحيط التاريخاني الوحيد للعقل الإنساني الحالي.

kotobe

عدد المساهمات : 67
تاريخ التسجيل : 10/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف kotobe في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:21 am

شكرا جزيلا لكم

kotobe

عدد المساهمات : 67
تاريخ التسجيل : 10/12/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف kotobe في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:22 am

شكرا جزيلا لكم

abdelaziz

عدد المساهمات : 310
تاريخ التسجيل : 15/08/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف abdelaziz في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:23 am


كيف يكون إيمان الأحرار ؟

مقدمة المترجم لكتاب كانط، الدين في حدود مجرد العقل (بيروت: جداول، 2012).

إذا كان ثمّة شيء يحقّ للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين فهو إيمانه العميق بالحرية؛ بأنّه كائن حرّ لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه ومن ثمّ على إعطاء قيمة خلقيّة لأفعاله أو لمصيره الخاص، إلى أيّة جهة كانت مهما علت أو بسطت هيبتها على عقولنا. وذلك تقديراً منه بأنّ "ما لا يصدر عن ذات نفسه وحريته، لن يمنحه أيّ عوض عن النقص الذي في خُلُقيّته" . في هذا السياق تحديدا افتتح كانط تصدير الطبعة الأولى من كتاب الدين في حدود مجرّد العقل بالإعلان عن أطروحة مركزية لديه، ألا وهي أنّ "الأخلاق، من جهة ما هي مؤسّسة على مفهوم الإنسان...لا تحتاج أبدا فيا يتعلق بذاتها إلى الدين.. بل هي مكتفية بذاتها." . فما الذي دفع فيلسوف الأخلاق الأكبر إذن إلى تقديم "نظرية فلسفية في الدين " ؟ هل توجد حاجة لا يحقّ للأخلاق أن تدّعيها لنفسها رغم اكتفائها بنفسها ؟
إنّ الإنسان غالبا ما يعرف "كيف" يفعل في حياته لكنّه لا يعرف "لأجل ماذا" يجب عليه أن يفعل . هو يشعر على الدوام بحاجته إلى "غاية" ما، تكون هي غاية الغايات التي يجعلها نصب عينيه في كلّ وجود له على الأرض، غاية تمكّنه من أي يعثر على الخيط الرفيع الذي يربط بين أن يفعل ما "يجب" عليه، وبين نتيجة ذلك الواجب، أي أن يكون "سعيدا" بوجه ما. ولكن لأنّ الأخلاق لا تساعدنا إلاّ على الشطر الأوّل، فإنّ الإنسان محتاج إلى "فكرة" من نوع آخر، "تلبّي حاجتنا الطبيعية لأن نفكّر بالنسبة إلى كلّ نشاطاتنا برمّتها في أيّة غاية يمكن أن يتمّ تبريرها من طرف العقل" . ولكن مع شرط وحيد أنّها لن تكون إلاّ غاية حرّة. وحدها "غائية عن حرية" يمكن أن تساعد الإنسان على التفكير في "غاية نهائية لواجباته" أوسع نطاقا من مجرد واجبه الخلقي، إلاّ أنّها "ناتجة عن تلك الواجبات ذاتها" .
بذلك يصرّح كانط دونما مواربة: "إنّ الأخلاق إنّما تقود على نحو لابدّ منه إلى الدين، وعبر ذلك هي تتوسّع إلى حدّ مشرّع خلقي...في إرادته تكمن تلك الغاية النهائية (لخلق العالم)" .
إنّ أصل حاجة البشر إلى الدين لا يكمن في أيّ نوع من العبودية، بل في قدرتهم الرائعة على الحرية، وبالتحديد حرية المصير، حرية اقتراح غاية نهاية لوجودهم على الأرض، تليق بعقولهم، أي بقدرتهم على إعطاء قيمة أو معنى لسيرتهم الخاصة في تدبير أنفسهم. ومن ثمّة فالحاجة إلى الدين لا تأتي إلى الأخلاق من خارج بل هي "فكرة تنبع من الأخلاق، وليس أساسا لها" . لا يصبح الإنسان متخلّقا لأنّه متديّن، بل الأمر بعين الضد: إنّه لا يصبح متديّنا إلاّ لأنّه متخلّق، أي قادر على إعطاء قيمة أو غاية نهائية لحريته. إنّ حاجة الإنسان إلى "احترام أعظم" من كلّ أنواع الاحترام الأخرى هو الذي يجعله يفكّر من نفسه في جعل شيء ما "موضوعا للعبادة" .ليست العبادة غير نوع من الاحترام الكبير لكائن يساعد عقولنا على تمثّل أكبر قدر ممكن من الاحترام لأجلّ وأروع غاية نهائية ممكنة لوجودنا على الأرض.
ولكن لماذا يحتاج البشر إلى هذا النوع من الاحترام الأعظم ؟ - لأنّ "كلّ شيء، حتى أكثر الأشياء جلالة، إنّما يصغر بين أيدي بني الإنسان، متى ما أخذوا يطبّقون فكرته في استعمالاتهم" العادية. ينبغي إذن أن يكون ثمّة شيء على الإنسان أن "يقدّسه" حتى لا يتحوّل وجوده اليومي إلى آلية كسولة بلا هدف يفتح لها الأفق نحو معنى ما للمستقبل. لكنّ المعضلة الفلسفية التي ينبّهنا إليها كانط هنا هي التالية: كيف نجمع بين حاجة البشر إلى تقديس شيء ما، وبين إحساسهم الأصلي بالحرية ؟
وهو يقترح علينا أن نمشي في هذا السبيل: لا يمكن لأيّ شيء مقدّس أن يكون أهلا لأن يُعبد إلاّ "من حيث أنّ الاحترام الذي يتعلق به ينبغي أن يكون حرّا" . العبادة الصحيحة ضرب من الاحترام الحرّ لقداسة نابعة من حاجة خلقيّة في طبيعتنا وليس من خوف كسول من المجهول.
من أجل ذلك ليست الفلسفة بالضرورة نقدا للدين، بل تأصيلا جذريا لإمكانيته الأخلاقية في الطبيعة البشرية بمجردها. ولذلك لا ينفع الدين أن تحميه سلطة الدولة ضدّ حرية التفكير التي تنقده، وبالتالي تعامله وكأنّه في حاجة إلى من يدافع عنه. فإنّ طاعة السلطة هي أمر أخلاقي تماما، ولا يُضاف لها أيّ شيء إذا تمّ ربطها بالدين .
ولهذا السبب فإنّ دفاع اللاهوتيين عن الدين لا مبرّر له، خاصة إذا ما تمّ ضدّ فلاسفة الأخلاق. فاللاهوتي الذي يستعمل الكتاب المقدّس ضدّ منجزات العقل هو لا يريد بذلك سوى "إذلال كبرياء العلوم وإعفاء نفسه من التعب في طلبها" . و"مثل تلك الشعوب، التي لا تجد في نفسها لا القوة ولا أيضا الجدّ الكافي للدفاع عن نفسها ضدّ هجمات خطيرة، فتحوّل كلّ ما حولها إلى صحراء، هو سوف ينتهي بالضرورة إلى مصادرة كل تجارب الذهن الإنساني" . وحده دين العبيد يحتاج إلى صحراء داخله أو في أفقه حتى يفرض نفسه على النفس البشرية.
إنّ الفلسفة هي تفكير في معنى الدين "داخل حدود العقل بمجرده" وليس "بإرادة إحداث تغيير في العقائد الإيمانية" . لكنّ الحرص على البقاء داخل "حدود العقل" ليس موقفا سالبا، بل هو الأمارة الكبرى والحاسمة على قدرتنا المطلقة على الحرية. أن نبقى في حدود العقل بمجرده يعني أن نرفض أيّ وصاية على طرق تفكيرنا، حتى في مسائل الدين. فإنّ اللاهوت نفسه ينبغي أن تكون له "الحرية الكاملة في أن يذهب في عمله إلى أبعد ما يمكن أن يبلغه" . ولأنّه هو أيضا لا يستطيع الاستغناء عن العقل، فإنّ "ديناً، يعلن الحرب على العقل من دون تفكّر في العواقب، سوف لن يتمكن مع طول المدة من الصمود أمامه" . هذا هو الدرس المثير للعصور الحديثة.
من أجل ذلك يقترح علينا كانط أن نفتح العقل على الدين والدين على العقل، بحيث نستطيع أن نعتبر أحدهما "دائرة أوسع للإيمان، ينطوي في ذاته على الآخر بوصفه دائرة أضيق من الأولى" . يدور كلّ من العقل والدين حول "مركز واحد"، وعلى الفيلسوف أن يكشف النقاب عنه. لكنّ ذلك لا يتسنّى إلاّ لمن قبل بفرضية وجود "دين عقلي محض" واعتباره هو "الدين الأصيل"، من أجل أنّه هو "دين العقل المحض" ، وليس دين شعب دون آخر، بل هو دين الطبيعة البشرية أو الدين الذي يليق ليس فقط بالجنس البشري بل بالكائنات العاقلة بعامة.
ولذلك فالمشكل هو : كيف نخرج بالإنسانية من دين الشعائر إلى دين العقل ؟ من دين تاريخي خاص بشعب دون آخر، إلى دين عقلي هو كوني لكل الشعوب ؟.
ربّما يحمل كل شخص دينين في قلبه، أحدهما عقلي والآخر طقوسي. دين يحكيه وآخر يفكّر فيه. وإنّ أحد رهانات الفلسفة هو أن تجعل الدين الذي يُحكى إلى الأطفال قابلا للتحوّل إلى مفهومات خلقية في عقولهم، وبالتالي قابلا للفهم .
وبعامة فإنّ المقالات الأربع من الكتاب تعرض علينا على التوالي هذه الأطروحات التالية: 1. أنّ ثمّة ضربا من الشرّ الجذري في الطبيعة الإنسانية. 2. أنّه يوجد فينا صراع يقوده مبدأ الخير ضدّ مبدأ الشر من أجل السيادة على الإنسان.3. أنّ انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر هو ممكن، وعلينا أن نأمل في أن يؤدي إلى إقامة مملكة الرب على الأرض.4. أنّه ينبغي التمييز في خدمة الله بين عبادة صحيحة وعبادة باطلة، أي بين الدين والكهنوت.
لكنّ الغرض العام للكتاب هو ليس شيئا آخر في نهاية الأمر، على حدّ عبارة كانط، سوى "بيان صلة الدين بالطبيعة الإنسانية" .
علينا ألاّ نفهم هنا من لفظة "الطبيعة الإنسانية" في الإنسان سوى "الأساس الذاتي لاستعمال حريته بعامة" . لا يوجد إنسان شرّير ولا إنسان خيّر، بل فقط "استعمال للحرية" على نحو يجعل الإنسان في سلوكه، "وذلك على نحو كلي، من حيث هو إنسان"، يقبل بمسلمات حسنة أو يقبل بمسلمات سيّئة . ذلك يعني أنّ الطبيعة لا هي أصل الشر ولا هي لها الفضل في الخير الذي في الإنسان. إنّ الإنسان هو وحده مسئول عن خيره وشره. بذلك لا يمكننا أن نقول إنّ هذا الشر أو هذا الخير "فطري" في الإنسان إلاّ في معنى أنّه "كامن في أساسه قبل كل استعمال للحرية" . وحدها الحرية هي مصدر كل ما هو شر أو خير فينا. ولأنّ الحرية قدرة كامنة في صلب الطبيعة البشرية فإنّ البحث في دلالة الشر أو الخير هو "بحث انثروبولوجي" بحيث أنّه "لا يوجد سبب لاستثناء أيّ إنسان من ذلك"، وتحت لفظة إنسان لا ينبغي أن نفهم سوى "الجنس البشري برمته" أو فكرة الإنسانية في شخصنا أو في شخص غيرنا. وهكذا ليس الشر أو الخير أصليا فينا إلاّ لأنّه "ينتمي إلى إمكانية الطبيعة الإنسانية" .وذلك يعني بالتحديد أنّ أصل الشر هو الحرية ولا شيء غير ذلك . وهكذا يمكننا أن نقول في نفس الوقت إنّ الشرّ جذري فينا، لأنّه جزء من الطبيعة البشرية، إلاّ أنّنا بوجه ما نحن الذين جنيناه على أنفسنا، لأنّه لا وجود لشرّ أخلاقي من دون حرية .
ذلك يعني أنّ الشرّ ليس خبثاً، أي قبولا بالشر بما هو شر. بل هو ناجم فقط عن "هشاشة" الطبيعة الإنسانية: إنّ حواسّنا أو الحيوان فينا أقلّ من اللازم لعقولنا؛ كما أنّ الشيطان فينا أو "العقل الخبيث" هو أكثر من اللازم لحريتنا . لكنّ الإنسان هو أقلّ وأكثر من ذلك في نفس الوقت. ولذلك هو كائن أخلاقي بامتياز. إنّه مطالب دوما بأن يكون "أفضل".
الأفضل ليس قدّيسا، بل ينطوي على معنى القداسة في واجباته تجاه الإنسانية في شخصه . وعلينا أن نسأل: كيف يمكنني أن أكون إنسانا أفضل ؟
يقول كانط: "هذا أمر لا يمكن أن يتحقق بواسطة إصلاح متدرّج، طالما بقي تأسيس المسلمات غير نقيّ، بل ينبغي أن يتحقق عبر ثورة في النوايا التي في الإنسان (عبر انتقال إلى مسلمات القداسة التي في تلك النوايا)؛ وهو لا يستطيع أن يصبح إنسانا جديدا، سوى عبر نحو من الولادة الجديدة" .
لا يكفي أن نصلح طريقة إحساسنا بميولنا ورغباتنا بل ينبغي القيام بثورة في طريقة تفكيرنا. ولا يكفي أن نصلح أخلاقنا من خارج، بل ينبغي القيام بثورة في طريقة تفكيرنا في استعمال حريتنا. و"حتى الأطفال هم قادرون على رصد حتى أقلّ أثر على خلط الدوافع غير الصحيحة" مع الفعل الموافق لواجبنا. إنّ الضمان الوحيد للحرية هو الاستعداد الخلقي في أنفسنا، والذي لا نجد أفضل طريقة للتعبير عنه سوى العقل. والعقل لا يبشّر ولا ينذر بشيء سوى التنبيه إلى "القداسة الكامنة في فكرة الواجب" من جهة ما هي أمر لا يمكن أن يصدر إلاّ عن الحرية. وبالتالي فإنّ "توحيد مفهوم الحرية مع فكرة الله، من حيث هو كائن واجب الوجود، هو أمر ليس بالعسير في شيء" .
يعني ذلك أنّه ليس من الصعب استخراج النواة الخلقيّة التي يتأسّس عليها كلّ دين دون أن يشعر أيّ مؤمن بأنّها غريبة عن إيمانه. وذلك بقدر ما يعمل بعقله الخاص على التمييز بين دين تجاري وأناني، قائم على طلب النعم والخيرات بواسطة مجرد إقامة الشعائر باعتبارها هي الدين كله، وبين دين خلقيّ، كريم ومتواضع بشكل رائع، هو "دين السيرة الحسنة" فحسب . وعندئذ لن يكون المطلوب هو أن يعرف ماذا يريد الله أن نفعل من أجل أن يعيننا على خلاصنا، بل ماذا يجب علينا أن نفعل من أجل أن نكون "أهلا" لعونه لنا وأهلا لذلك الخلاص .
لذلك علينا أن نميّز بين "إيمان دغمائي" يقدّم نفسه بوصفه علماً جازما، متكبّرا، متغطرسا على غير العالمين، وبين "إيمان متفكّر" يخجل من الانزلاق في أيّ نوع من "الأفكار المفارقة" التي تتخطى حدود عقولنا. وهذه الأفكار المزعومة التي لا سند لها سوى طاقة مريبة على الاستهانة بعقولنا يحصيها كانط في صنوف أربعة: 1. ادّعاء تجربة باطنية تقود الناس إلى التحمّس المهووس والشطحات، وكأنّها هي لبّ الإيمان، وهو منها براء؛ 2. الزعم بوجود تجربة خارجية للمعجزات، وتحويل الدين إلى خرافة؛ 3. الجرأة على الانغماس في نزعة إشراقية تتظاهر بأنّ نور العقل البشري يمكن أن ينفذ إلى الأسرار ما فوق الطبيعية؛ 4. التجاسر على محاولة الفعل في الطبيعة وصنع المعجزات واستجلاب آثار الرحمة والنعمة الإلهية للبشر بشكل مباشر .
صحيحٌ أنّه لا يقود الناس إلى الخرافة مثل "يأس متوحش" ، وذلك من استحالة تسديد "دَين الخطيئة" بوصفه "الدَّين الأكثر شخصية" في الضمير العميق للبشر. ولذلك فإنّ الطريق الصحيح إلى الإيمان المتفكّر هو العزم على "تغيير المرء لما بنفسه" مرة واحدة، وذلك من خلال ثورة روحية تخلع الإنسان القديم وتلبس الإنسان الجديد من دون انتظار أيّ عون خارجي عن طبيعتنا. ولأنّ المرء "لا يستطيع أن يُغوي عقله" فإنّه لن يجد أيّ مصدر أصلي لأخلاقه وإيمانه مثل حريته.
لا يحتاج الدين إلى عبيد يستعملون الشعائر دونما فهم لمعناها، في تملّق نسقي للإله الغائب، من أجل نعيم أخروي تمّ تحويله إلى جهاز ابتزاز أخلاقي للفانين على الأرض، بل إلى أحرار يؤمنون بأنفسهم بناءً على ما يمليه العقل بمقتضى الطبيعة البشرية بمجردها. بذلك حتى في الدين "لا أحد يكون عبدا إلاّ الذي يريد وطالما هو يريد أن يكون كذلك" . إنّ الحرية الأخلاقية هي النمط الوحيد لخلاص العبيد من الخرافة. وذلك أنّه "لا يوجد أبدا أيّ خلاص للبشر إلاّ في القبول الأشدّ حميميّة بالمبادئ الأخلاقية الأصيلة في نواياهم" . إنّ الأخلاق مقام مناسب تماما للتحرّر من إيمان الخرافة، حيث لا تشترط الكفّارات التي يعوّل عليها أيّ تغيير في وعينا. وحده تغيير وعينا بإمكانه فتح الطريق أمام إيمان استطاع الاستغناء عن أيّ انتظار للمعجزات. ومن يرفض تحرّره بنفسه هو يزاول ضربا مقيتا من "الكفر الأخلاقي" بفكرة الله نفسها التي يحملها في عقله : يكفر بما كُتب في قلبه "بقلم العقل" ويعوّل على ما يُحكى له من الخرافات. ذلك بأنّه لا يمكن لأيّ دين أن يعلّم الناس أكثر ممّا يكون ممكنا "بالنسبة إلينا، أي بالنسبة إلى الاستعمال العمومي لعقلنا" .
وفي عبارات تذكّرنا بما قاله ابن رشد في مستهلّ فصل المقال، ينبّه كانط إلى أنّ "بحثا في الكتاب المقدّس عن ذلك المعنى الذي يكون في تناغم مع أقدس ما يعلّمه العقل، هو ليس فقط مباحا، بل هو بالحري ينبغي أن يُعتبر بمثابة واجب" .
ولكن هل يحق لنا فرض دين ما بالقوة ؟ هل يحق لسلطة ما أن تكره الناس على الدخول في جماعة أخلاقية أو دينية ؟ - إنّ إجابة كانط هي التالية: "ويلٌ للمشرّع الذي يريد أن يحقّق بواسطة الإكراه دستوراً موجّها نحو الغايات الأخلاقية !" . على الدولة أن تترك المواطن حرّا تماما في أن يدخل أو لا يدخل في اتحاد أخلاقي مع غيره.
ينبغي التمييز بين مشرّع الجماعة الحقوقية ومشرّع الجماعة الأخلاقية: في السياسة يكون الجمهور هو ذاته واضع الدساتير؛ أمّا في الجماعة الأخلاقية فإنّ الشعب لا يحق له أن يضع المبادئ الأخلاقية . إنّ فكرة الله في عقولنا هي وحدها يحق لها أن تشرّع للجماعة الأخلاقية، ولا يمكن تصوّر جماعة أخلاقية "إلاّ بوصفها شعبا تحت أوامر إلهية...وبلا ريب طبقا لقوانين الفضيلة" وليس شيئا آخر.
وحين تكون القوانين الحقوقية شرعية فإنّ مراعاتها هو "أمر إلهي". ولذلك حين تتمّ معارضة قانون مدني غير مخالف للأخلاق بقانون آخر، "مأخوذ بوصفه إلهيا"، فإنّ علينا أن نحكم على هذا القانون الأخير بوصفه قانونا "منحولا" . فإنّ الجماعة الأخلاقية هي غير مرئية بالضرورة، من أجل أنّها تتعلق بتشريع باطني. وهي فكرة رائعة لكنّها حين تقع بين أيدي البشر، أي حين تصبح "مؤسسة" ، هي تفقد من أصالتها وتتحوّل إلى سياسة خرافة.
من أجل ذلك لا ينبغي أن يكون الدين سوى ضرب من الإيمان العقلي الذي لا يحتاج في تصميمه أو قوّته أو صدقيته إلى أيّ ضمان خارجي. الإيمان الديني المحض هو "مجرّد إيمان عقلي يمكن تبليغه إلى أيّ كان بغرض الإقناع؛ في حين أنّ إيمانا تاريخيا مؤسّسا على الوقائع فحسب، لا يمكن أن يمدّ تأثيره أبعد ممّا يمكن للأخبار المتعلقة بالقدرة على الحكم على مصداقيته، أن تبلغ إليه تحت ظروف الزمان والمكان" .
ينبغي علينا أن نميّز في أيّ إيمان بين "دين العبادات" الخاضع إلى "قوانين نظامية" ليس لها من صلاحية سوى صلاحية أحكامها المفروضة؛ وبين "مفهوم الدين الخلقي المحض"، النابع من "حاجة العقل" البشري إلى غاية نهائية لمصير البشر على الأرض. ولكن لأنّ العقل البشري واحد، ولأنّ الجنس البشري واحد، فإنّه لا يمكن لنا التفكير إلاّ في "إله واحد" وبالتالي لا يمكن أن يوجد بالنسبة إلى عقولنا إلاّ "دين واحد" . وهكذا فإنّ كلّ من يقبل الخضوع إلى "قوانين نظامية لهذا الإله" أو ذاك، فإنّ إيمانه لن يكون سوى "إيمان تاريخي" ولن تكون معرفته ممكنة إلاّ "عبر الوحي" المنقول إليه عبر الأجيال. أمّا دين العقل فهو "إيمان عقلي محض" يمكن لأيّ كان أن يبلغ إليه "بواسطة عقلنا الخاص بمجرّده"، وذلك انطلاقا من أنّ "إرادة الله مكتوبة في قلوبنا على نحو أصلي"، وهو أمر يرغب كلّ "دين نظامي" في التغافل عنه.
مرة واحدة، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نطرح مسائل الدين بحثا عن "إجابة كلية صالحة بالنسبة إلى كل إنسان، منظورا إليه بوصفه مجرد إنسان" أم خضوعا لتشريع نظامّي يحرص على الاستمرار التاريخي بأيّ ثمن، ولو كلّفه ذلك التضحية بالمشاعر الدينية نفسها ؟
يذهب كانط إلى أنّ الأجدر بنا، من حيث نحن كائنات حرة وعاقلة ومريدة ومستقلة في تقرير مصيرها الأخلاقي، هو "أنّ التشريع الخاص بإرادتنا لا يجب أن يكون إلاّ تشريعا خلقيّا فحسب؛ وذلك أنّ التشريع النظامي (الذي يفترض وحيا) لا يمكن أن يكون إلاّ حادثا عرضا، وبما هو تشريع لم يصل إلى كلّ إنسان ولا هو يستطيع أن يصل إليه، هو لن يُعتبَر بالتالي ملزما للناس بعامة " . كلّ معتقد يستمدّ صلاحيته من سنّة أو وقائع أو أحداث سردية بعينها هو ينتهي إلى التحوّل إلى قرية روحية لا ترقى إلى طموحات الجنس البشري في التوفّر على كرامة كونية أمام نفسه. ولذلك فليس من مستقبل لأيّ نوع من دين الوحي سوى النجاح الكوني في ترجمة هذا الوحي إلى وحي عقلي محض في صلب الطبيعة البشرية بما هي كذلك. ولذلك لا يحقّ لأيّ وحي أن يتعالى على الإمكانات الأصلية في العقل البشري، بل فقط عليه أن يقبل الترجمة الرمزية في لغتها بوصفها هي السقف الأخلاقي لدلالتها بالنسبة إلينا.
إنّ الشيء الوحيد الكوني فينا هو عقولنا من حيث ما تعبّر عن ملكات الطبيعة الإنسانية بمجردها. ولذلك لا يمكن لأيّ دين نظامي أن يدّعي الكونية الصحيحة. فكلّ معتقد يتطلّب تشريعا نظاميا هو لا يعبّر إلاّ عن عقيدة محلية أو جزئية. وحده الاعتماد على العقل البشري بمجرده يمكن ويحق له أن يحثّ بني البشر أجمعين على الخروج من "إيمان الكنائس" الذي لا يتميّز عن الجماعة السياسية إلى "إيمان الدين المحض" الذي لا يمكن أن يأخذ إلاّ شكل الجماعة الأخلاقية. عندئذ "علينا نحن أنفسنا أن نحقّق الفكرة العقلية لهذا النوع من الجماعة" الأخلاقية بعيدا عن أيّ "قوانين نظامية" تقدّم نفسها على أنّها إلهية، حيث يتمّ "فرض قيد على الجموع بواسطة لوائح كنسية، تحت دعوى نفوذ إلهي" . والحال أنّ "هذه القيود الرهبانية هي في أساسها أفعال لا تبالي بما هي خلقيّ" بل لا تهدف غالبا إلاّ إلى اغتصاب هيبة ما وسلطة ما على تلك الجموع.
ينبغي تعليم الإنسانية أنّه "لا يوجد إلاّ دين (حق) واحد؛ إلاّ أنّه يمكن أن يكون ثمّة ضروب كثيرة من المعتقدات" . ولذلك ينصحنا كانط بألاّ نستعمل عبارة "الدين" حين نخاطب الجمهور، بل فقط أن نكتفي بالإشارة إلى المعتقد : إنّ الإنسان إمّا يهودي أو مسلم أو مسيحي لكنّه في صميمه لا يعتنق الدين بحدّ ذاته. بل "نحن نخلع على أغلب الناس شرفا كبيرا بأن نقول عنهم: هم يعتنقون هذا الدين أو ذاك، وذلك أنّهم لا يعرفون أيّ دين ولا تهفو أنفسهم لأيّ دين؛ إنّ الإيمان الكنسي النظامي هو كل ما يفهمونه تحت هذه اللفظة" . كلّ متديّن هو متديّن قرية روحية محدّدة، وليس متخلّقا بإطلاق.
وهكذا فإنّ حرية المعتقد غالبا ما يُساء فهمها: إنّ المضطَهد لا يشكو في الحقيقة من أنّه "مُنع من التمسّك بدينه" بل "لم يُسمح له أن يتّبع إيمان كنيسته على نحو عمومي" . وهكذا فإنّ من يسمّى "كافرا" هو في واقع الأمر مجرّد مؤمن مختلف عنا. وليس يصنّف الناس إلى كفّار ومؤمنين مثل "سلفية استبدادية (متوحشة)" . وكل معتقد نظامي يقود في آخر المطاف إلى تصنيف الناس إلى كفار ومؤمنين.
إنّه لا مخرج من الاستبداد الديني إلاّ بالتنبيه على وجود "مبادئ خلقية كونية للإيمان" متقاسمة بين العقول كافة، لن تكون العقائد النظامية غير مجرد "تمثيل رمزي" لها. لكنّ ذلك لا يعني أنّ كانط يدعو إلى محاربة العقائد النظامية. بل على العكس من ذلك هو يقصد إلى العمل الدءوب على تقريب كل دين شعبي من "نظرية خلقية مفهومة للناس كافة" هي وحدها تكون "ذات جدوى". بل هو لا يتردّد في الدفاع عن أيّ إيمان شعبي بأنّه شيء لا يجب التلاعب به قائلا: "إنّه ليس من الفطنة القضاء عليه لأنّه يمكن أن ينبثق من ذلك إلحادٌ أشدّ خطرا على الدولة" .
ولذلك نجد أنّ كانط يثني على جميع الأديان التي نعرفها بقدر ما تتأوّل العقائد الإيمانية "من أجل غايات حسنة وضرورية بالنسبة إلى كل الناس" . وفي هذا الصدد بالذات يأتي كلام جميل لكانط عن الإسلام، حيث يقول: "إنّ المحمّديين إنّما يعرفون...كيف يمنحون وصفَ فردوسهم، المرسوم بكل شهوة حسية، معنى روحيّاً جدّا حقّا" . وذلك أمرٌ مطلوب أخلاقيا ويمكن أن يحدث، حسب كانط، "من دون أن نصدم كثيرا مرة أخرى المعنى الحرفي للإيمان الشعبي"، لأنّ القصد الكبير ليس نقد الدين أو هدمه بل فقط بيان "الاستعداد للدين الخلقي المطمور في صلب العقل البشري" .
لا يعني تأويل الكتاب المقدس بشكل خلقيّ العثور على المعنى الوحيد المقصود من قبله، بل فقط فتح المجال أمام "إمكانية أن نفهمه على هذا النحو"، وذلك أنّ الغاية الأخيرة من الكتب المقدسة ليس أكثر من "تحسين بني الإنسان وجعلهم أفضل حالا"؛ وهذا الأمر لا يتمّ بشكل تاريخي، لأنّ الإيمان التاريخي هو "ميّت في ذات نفسه" لأنّه مجرد "شهادة" على الإيمان، قد يقوم بها أيّ إنسان من دون أيّ جهد أخلاقي يُذكر . إنّ معرفة الكتاب المقدّس ضرورية جدّا من أجل تأويله بشكل صحيح؛ لكنّ الدين العقلي المحض هو الطرف الوحيد الذي يمكن أن يقدّم تأويلا مناسبا للطبيعة البشرية بعامة، ومن ثمّ هو يصلح بشكل حقيقي للناس كافة. ولذلك فإنّ حرية المعتقد لا تكفي كي يقوم هناك فهم أخلاقي حقيقي للدين؛ بل إنّ "حرية التفكير العمومية" هي الضمان الأكبر لإصلاح أيّ استعمال غير مفيد لعقولنا في مسائل الدين. وهذه الحرية هي مبررة تماما ليس فقط للفلاسفة بل حتى لعلماء الدين أنفسهم حتى يكونوا دوما منفتحين على الرأي الأفضل في فهم أي مسألة ويمكن عندئذ "أن يعوّلوا على ثقة الجماعة في قرارهم" .
من أجل ذلك يفترض كانط أنّ كلّ خطوة يخطوها الناس من الإيمان الكنسي والدين النظامي إلى الإيمان العقلي المحض هي ليست حيادا عن الدين الحقّ بقدر ما هي خطوة تقرّب النفوس أكثر فأكثر من ملكوت الله في الأرض ، أي من الجماعة الأخلاقية المنشودة وإن كانت محكوما عليها بأن تبقى دوما جماعة غير مرئية، لأنّه لا يسعها إلاّ العقل بعامة، ولا تطيقها أيّة عقيدة نظامية بعينها. وإنّ الشعار الحقيقي لهكذا جماعة أخلاقية تحت لواء الإيمان العقلي المحض هو فقط "كونيتها". لكنّ الكونية ليست معطى كسولا للعقول، بل هي ضرب عال ورائع من النضال من أجل ضرب مخصوص من الإيمان المحض يسمّيه كانط تسمية رشيقة، هي "الإيمان الحر"، حيث يقول:
"إنّ إيمان الشعائر هو إيمان السُخرة والأجر (إيمان المرتزقة، الذليل)، ولا يمكن أن يُنظر إليه بوصفه إيماناً مخلّصا، لأنّه ليس خلقيّا. وذلك أنّ الإيمان المخلّص ينبغي أن يكون إيماناً حرّا، مؤسّسا على نوايا من القلب خالصة (فهو إيمان الحرّ)" .
لا يعني الإيمان الحرّ رفضا لأيّ معتقد بعينه. لأنّه يقع عقلاً ما وراء الإيمان والكفر بهذا الدين أو ذاك. إنّ الإيمان الحرّ لا يحتاج إلى أيّ طقوس حتى يقنع رجال الدين النظامي بجدارته. إنّه يحمل الله في قلبه بوصفه فكرة الخير القصوى الممكنة لنا، والمشرّع الخلقي الباطني النهائي لضمائرنا، نحن الكائنات المتناهية، على الأرض. ولذلك فإنّ عديد المناسك "هي (على مشقتها) لا تمتلك أيّة قيمة خلقية" .
أن نؤمن بشكل حرّ يعني أن نؤمن كالإنسان الحرّ وليس كالمرتزق، أي مثل طلاّب النعيم الأخروي بالتملّق المنظّم للشعائر. وكانط يؤكّد بشكل حادّ على هذه الفكرة: إنّ العقائد النظامية هي كلها قائمة على مجاز تجاري فظيع، بحيث لا يُفهم غالبا من "الرحمة" الإلهية غير "النعمة" التي تمنحها لهم (die Gnade مصطلح يعني تحت قلم كانط "الرحمة" و"النعمة" في نفس الوقت ) ، ومن ثمّ يضيع الفرق بين "الخدمة" و"العبادة" على نحو مخجل ( der Dienst مصطلح يعني لدى كانط "الخدمة" و"العبادة" في نفس الوقت )، إلى حدّ أنّ اللغات الغربية لا تفرق بينهما إلاّ بتنبيه خاص.
وإنّ أبرز تعبير عن حرية الإيمان كونه لا يتمّ من أجل أيّ غاية أخرى غير ذاته. أن يؤمن المرء بشكل حر لا يعني سوى "أن يغيّر حياته إلى حياة جديدة مطابقة لواجبه" . الإيمان الحرّ ليس "إيمان كفّارة" ، لأنّه لا يمكن التكفير عن الذنب بأيّ نوع من الطقوس. إنّ العقل وحده يمكن أن يحرّرنا من أيّ شعور بالذنب. وذلك لأنّه ليس ثمة واجب على الأرض أقدس من سيرة حسنة وفقا لقوانين الحرية. وهو موقف لا نحصل عليه بالقيود الرهبانية المسرفة بلا جدوى، بل باستعمال حريتنا وطبيعتنا البشرية بشكل مناسب، أي بالاعتماد على "جملة القوة التأمّلية لعقلنا" بمجرده.
لطالما عانى البشر من فقدانهم لنموذج أعلى يعتمدون عليه في خلاصهم. وهم قد بحثوا عنه في كل مكان، إلاّ في أنفسهم. وقد آن الأوان ليفهم الإنسان أنّ هذا النموذج ليس سوى فكرة "الإنسانية التي يرضى عنها الله" نفسها، وحسب كانط فإنّ فكرة "ابن الله" المسيحية تستجيب بوجه ما إلى هذا الشرط الأخلاقي . إنّ القبول بإمكانية وجود إنسانية يرضى عنها الله هي فكرة عقلية تشير إلى إيمان عقلي صرف، وليس إلى معتقد بعينه. ومن ثمّ لا يتعلق الأمر بمسألة "نعمة" بل بمسألة "سيرة" .
وكلّ من يواصل اختزال الدين في إقامة الشعائر ينبغي أن يعلم الأصل السياسي لكل ضرب من الطاعة في مسائل الآخرة. فإنّ "أداء الشعائر" هو عقيدة نظامية "قد تمّ إدخالها بهدف مصالحة الشعب مع السماء، وإبعاد البلاء عن الدولة" . ما وقع هو نقل مصدر الديون من الأرض إلى السماء. وصار الإيمان تجارة أخروية قائمة على تسديد الديون التي لا يمكن أن يقع تسديدها أبدا، لأنّها تتعلق بوجودنا بما هو كذلك. ومن ثمّ لا حلّ سوى معاملة الديون على أنّها نعمة إلهية تقتضي منّا الطاعة النهائية لسلطة مستبدّة بكرمها.
لكنّ من يختزل الإيمان في تجارة النعم ينتهي لا محالة إلى التضحية بشرف الطبيعة الإنسانية وكبرياء العقل البشري، نعني قدرته على التشريع لنفسه فيما يجب ولا يجب أن يؤمن به بكل حرية. ولذلك يعتبر كانط أنّ الإيمان الحرفي بأنّ الله يفعل بنا ما يشاء هي بمثابة "القفزة المميتة للعقل البشري" . ماذا يبقى من العقل، وهو أقدس المقدّسات على الأرض، بما هو القوة التي تمكّن البشر من معرفة الله نفسه، إذا نحن ألحقناه بسلطة غريبة عن طبيعتنا تعاملنا كمجرد وسائل لنعمة لا نفقه كنهها ؟
إنّ الله يشرّع فينا، ولكن بما فينا من قوة عقلية على التشريع لأنفسنا. وذلك أنّه لا معنى لأيّ ألوهية تعطّل "الاستعداد الخلقي فينا، الذي هو الأساس وفي نفس الوقت المؤوّل لكل دين" . ولن يوحّد البشر إلاّ قدرتهم على التأويل الحر لأنفسهم. بل ليس التاريخ غير مسار يتدرّج من التوحيد المؤقت تحت راية هذا المعتقد أو ذاك من أجل تحقيق الخير، إلى ضرب أعلى من التوحيد النهائي، حيث "يسود دين العقل آخر المطاف على الكلّ، ’’حيث يكون الله كل شيء في كل شيء’’" .
ولا يكون الله كلّ شيء لأنّه معبود خارجي تُقام له الشعائر، بل لأنّه أنبل فكرة في أفق أنفسنا، ومن ثمّ أكثر الأفكار العقلية حرية بالنسبة إلينا. ومتى بلغنا إلى الإيمان الحر به بوصفه فكرة حرة، يختارها الأحرار طواعية بوصفها الشكل الأقصى من مطابقة حياتهم لواجبهم بناءً على قوانين الحرية، "عندئذ يزول الفرق المهين بين اللائكيين والقساوسة، فتنبثق المساواة من الحرية الحقيقية" . وعندئذ يسقط الفرق الاستبدادي بين عامة جاهلة وخاصة عالمة، وكلّ من يواصل التعويل على معجم الدين النظامي الذي يحوّل الدين إلى كهنوت والشعب إلى رعية محتاجة إلى حماية من خطر الآخرة على الضمير البشري، هو يؤجّل كلّ تنوير حقيقي من أجل الانتقال نحو عصور الحرية.
بذلك فإنّ الإيمان الحر لا يهدف إلى إبطال دين الشعائر أو دين المعتقدات، بل فقط التعامل معه وكأنّه "إرادة حاكم العالم كما أوحيت إليه عن طريق العقل" . ذلك يعني أنّ الأمر لا يتعلق بالفصل بين الإيمان وعدم الإيمان، بل بتصوّرين مختلفين للوحي: هل هو بضاعة عقدية متناقلة بشكل وضعي وتاريخي، أم هو وحي العقل المحض، لأنّه أقدس ما يمكن أن يخطر على بال البشر بعامة ؟
لا يخلو أيّ وحي من معاني عقلية صرفة. ولذلك ليس مطلوبا سوى الإنصات إلى ما هو عقلي في كل وحي، وتخريجه بشكل مناسب لطبيعتنا الأخلاقية، أي لحريتنا. إلاّ أنّ هذا موقف جليل، و"لا ينبغي انتظاره من ثورة خارجية، تأتي بشكل عاصف وعنيف...وحيث أنّ ما يُقترف من الأخطاء عند تأسيس دستور جديد يوما ما، سوف يتمّ الإبقاء عليه مع الأسف قرونا طويلة، من أجل أنّه لم يعد يمكن تغييره إلاّ عبر ثورة جديدة" .
إنّ الإيمان الحرّ موقف أخلاقي باطني خاص بتغيير ما بأنفسنا. ولذلك لا معنى لأيّ عنف ديني بعامة. بين الدين والعنف لا توجد أيّة رابطة ضرورية، اللّهمّ إلاّ تحوّل الدين إلى سياسة والإيمان إلى استبداد روحي. وحدها الدولة التي تعامل الدين بوصفه مؤسسة رسمية للطاعة، هي من شأنها أن تحوّل الدين إلى جهاز عنف قابل للاستعمال بين أو ضد الجموع. لكنّ الدين ليس مؤسسة بالضرورة. وحده دين العبادات يقبل هذا النوع من الاستعمال العمومي. وذلك طالما يستخدم الوحي بوصفه جهازا مفارقا يمتلك المسئولون عنه سلطة رجعية لا مشروطة على غيرهم. ولذلك فإنّ رأي الفلسفة هو أنّ الوحي ليس جهازا لأحد؛ بل هو الإمكانية الإلهية القصوى الكامنة في عقولنا.
وهاهي الأطروحة العالية في تفكير كانط عن الدين: " إنّه في مبدأ الدين العقلي المحض، بما هو وحي ربّاني...يحدث باستمرار في البشر كافة، إنّما ينبغي أن يكمن أساسُ هذا الانتقال إلى نظام جديد للأشياء...يأخذ في التحقق شيئا فشيئا بواسطة إصلاح متدرج، بقدر ما يجب ومن جهة ما يجب أن يكون عملا بشريّا" .
لا معنى لأيّ ثورة دينية طالما أنّها لا تستطيع أن تحدث إلاّ في شكل ثورة خارجية، أي في شكل ثورة سياسية. والحال أنّ الثورة على الدولة ليست مشكلا دينيا في شيء؛ إنّها بالأساس مقاومة مدنية لنمط فاسد من الشرعية لا علاقة لها بأيّ إيمان. معارك الدول كلها معارك تتعلق بالشرعية؛ أمّا الجماعة الأخلاقية التي ينشدها أيّ إيمان حرّ فهي في جوهرها ثورة روحية من أجل انتماء غير مرئي، غير قابل للترجمة في أيّ جماعة مدنية إلاّ عرضا.
لذلك ليس "دين العقل الكوني" الذي يصبو إليه كل مؤمن حرّ سوى ضرب من الاستعمال العمومي لحريتنا وفقا لواجبات أخلاقية نريد لها أن تُعامل بوصفها أوامر إلهية، وبالتالي مقدّسة. أمّا "الدولة الأخلاقية" أي "الدولة الإلهية على الأرض" فهي مطلب بعيد عنا على نحو لامتناه .
إنّ معركة التنوير الحقيقي هي تلك التي تناضل من أجل مساعدة الإنسانية على الانتقال المتدرج من "الإيمان النظامي" إلى "الإيمان الحر" تحت هدي فكرة "وحدة دين العقل المحض" بين بني البشر، وذلك بناءً على طموح شديد إلى بلورة ملامح "قانون دولي للشعوب، يكون كونيا وصاحب سلطة" يجمع "الجنس البشري تحت جماعة مشتركة واحدة وفقا لقوانين الفضيلة" ، مثل ذاك الذي تصبو إليه الدول من أجل تحقيق السلم العالمية.
ومن ثمّ ليس ثمّة بالضرورة صراع بين الإيمان العقلي والإيمان التاريخي. لكنّ كلّ إيمان تاريخي مطالب بالانفتاح على أفق الإنسانية. وهو ما لا تفعله عديد العقائد إلاّ مضطرّة. وأفضل مثال على ذلك هو المعتقد اليهودي. فإنّ اليهودية "قد أقصت الجنس البشري برمّته من جماعتها" . وإذا كانت المسيحية تمتاز بشيء رائع واحد فهو طموحها إلى بناء "كنسية كونية" وذلك "بإدخال دين خلقي محض بدلا عن شعائر قديمة"، قائم على أنّ "الإيمان الجديد غير المرتبط بشرائع الإيمان القديم، ولا بأيّة شرائع بعامة، إنّما ينبغي أن يتضمّن ديناً يكون صالحا للعالم، وليس لشعب وحيد بعينه" .
لا يصلح من الدين إلاّ ما يوجبه العقل. ولذلك لا يمكننا أن نقبل من قصة المسيح إلاّ "تاريخه العمومي"، ثورته وموته، أمّا "تاريخه السرّي...نعني تاريخ انبعاثه وصعوده إلى السماء،...فلا يمكن أن يُستعمل، من دون المساس بمكانته التاريخية، في نطاق دين في حدود مجرد العقل" .
ذلك بأنّ الاستعمال العمومي للدين في ظل دولة قانونية لا يحتاج في واقع الأمر إلى أكثر ممّا يوجبه العقل من أشكال الإيمان. ولذلك بخاصة تحتاج كل عقيدة تاريخية إلى علماء دين وإلى "جمهور عالم" يفهمها. أمّا إيمان العقل فهو في غير حاجة إلى أيّ "توثيق، بل هو يبرهن على نفسه بنفسه" .
وأمّا الشطحات الصوفية وكلّ أشكال الترهّب والتعصّب والهوس الديني فهي لا تفعل سوى أن تجعل "عددا كبيرا من الناس غير ذي جدوى لهذا العالم"؛ وأمّا المعجزات المزعومة فهي لم تؤد إلاّ إلى إرهاق "كاهل الشعوب بقيود ثقيلة تحت تأثير خرافة عمياء"؛ وأمّا السلفية أو الأرثوذوكسية التي تدّعي احتكار تأويل الكتاب المقدس فهي لا تفعل سوى خلق "تراتبية" كاذبة في الفهم وفرضها على "أناس أحرار" ومن ثم فتح الباب أمام الانشقاقات والفتن، وهو بالفعل ما أصاب العالم المسيحي .
هاهنا أدّى الاستبداد الديني إلى معاملة الملوك ومعاقبتهم "مثل الأطفال، بواسطة العصا السحرية للتهديد بالخلع من الجماعة، ودفعهم إلى خوض حروب خارجية (صليبية) للقضاء على شعوب الجزء الآخر من العالم...والكره الدموي ضد معاصريهم الذين يفكّرون على نحو مغاير، وينتمون إلى نفس المسيحية ذاتها التي تدّعي الكونية" .
إنّ العدوّ الحقيقي ضد فكرة الدين ليس العقل بل "عقيدة كنسية استبدادية" . وذلك أنّه من مصلحة العقل، على المستوى المدني، أن يبقى الدين صالحا على الصعيد الأخلاقي. ولذلك لا يتردد كانط في الدعوة إلى مواصلة استعمال الكتاب المقدس، وبخاصة "ألاّ نضعف قيمته عبر هجمات غير مفيدة أو عابثة، ولكن أيضا من دون أن نفرض على أيّ بشر الإيمان بذلك بوصفه أمرا مطلوبا للخلاص" .
أمّا المسئول الأوّل عن حماية الدين فهو الدولة. لكنّ هذه الحماية هي مضاعفة: حماية الكتاب المقدس من تحويله إلى جهاز استبدادي، مسلّط على عقول الناس؛ ولكن أيضا حماية عقول الناس حتى تستطيع أن تؤمن بذلك الكتاب المقدس إيمانا حرّا تماما. ولذلك على الدولة ألاّ تتدخل في مسائل الضمير، لأنّ المعتقد ليس مشكلا قانونيا تابعا للشرعية؛ وأن تسمح للبشر بأن يواصلوا "التطوّر الحر للاستعدادات الإلهية لما هو الأفضل للعالم" في أنفسهم.
إنّ الخطير في سياسة الدولة ليس عدم دفع الناس إلى تغيير معتقدهم أو تركهم يعتنقون دينهم الموروث، بل في منع المرء من "أن يقول رأيه الديني على نحو عمومي"، لأنّ منع التفكير ذاته هو يعني في الحقيقة "منع المرء من أن يفكّر على نحو مغاير لما قامت هي بضبطه" . لكنّ معركة الإكراه ومنع العقول من التفكير هي معركة خاسرة دوما. إنّ الدولة في الحقيقة "لا تمنع أحدا من أن يفكّر سرّاً" وبالتالي متى ما سمحت له بذلك " هي لا تمنح أيّة حرية من عندها أبدا" . وذلك أنّ الذي يريد أن يكون حرّا، لن يمنعه أيّ مانع، إذ أنّ الحرية هي قدرة عملية جذرية في صلب عقولنا، وليست منّة من أحد. ولذلك لا يفعل الاستبداد في واقع الأمر غير "إعاقة الحرية الخارجية للمعتقد" ، في حين أنّ حرية الإيمان الباطنة فهي تظلّ دوما سليمة تماما، ولا يدري أحد متى تنفجر منها حركات متسارعة للحرية.
أمّا الدولة التي تقوم "بإغراء مشاعر الضمير لدى المحكومين" لئن كانت لا تخجل من الإضرار بالحرية المقدّسة للبشر فهي لا يمكن أن تخلق "مواطنين صالحين إلاّ بصعوبة" . وليس أكثر مفسدة لحكم ما مثل مواطنة منقوصة تنتهي غالبا إلى التحوّل إلى تملّق عمومي لسلطة لا يؤمن بشرعيتها أحد. وهكذا بدلا من "إعطاء الأفيون (Opium) إلى الضمير" ، على الدولة أن تمتنع عن التدخّل في حرية الضمير، وتركها ملكا خاصا للمواطن الحر. لا ينتج أفيون العقائد المستبدة إلاّ كفّارا جددا.
من أجل ذلك لا يجب أبدا فرض أيّ ضرب من المعتقد على الناس والطمع في إدخال دين جديد عليهم. كل معتقد هو مجرد "تمثيل رمزي يهدف فقط إلى أكبر إحياء للأمل" في البلوغ يوما ما إلى "ملكوت الرب" . وهكذا فإنّ كل حروب الأديان حمقاء. وذلك أنّها تدافع عن مجرد تمثيلات رمزية باعتبارها هي "التشييد التام للدولة الإلهية" في حين أنّها لا تتورّع عن الحكم على أعدائها بوصفهم سكان "دولة الجحيم" . ولكن "من هو الكافر أو غير المؤمن عندئذ" ؟ من يحتاج إلى "ألاعيب تقوية كسولة" وإلى "إيمان مشعوذ" حتى يكون له رجاء في حياة في المستقبل أم من تعلّقت همّته بتمجيد كوني للربّ بمجرّد "دين السيرة الحسنة" فحسب ؟
أمّا أنسب طريقة لاستعمال الكتب المقدسة في تخريج الإيمان الحر بملكوت الربّ فهي الاستعمال السردي لها من أجل غايات أخلاقية محضة، بوصفها "مثلا أعلى جميلا عن عصر خلقي للعالم منتظَر بالإيمان ومتحقق بواسطة إدخال الدين الكوني الحقيقي"، وبالتالي هي "يمكن أن تأخذ أمام العقل دلالتها الرمزية الجيدة" . وحده دين سردي مناسب لعقولنا يمكن أن يكون "معترفا به على نحو عمومي، نعني يُتواصَل ويُتقاسم على نحو كوني" . لا ينبغي أن يكون ثمّة أيّ تناقض بين الشيء المقدّس والشيء الخلقي. ووحده ما هو خلقي يمكن أن يساعد ما هو مقدس على البلوغ السردي إلى الناس وذلك بقدر ما يحرره من الخرافة ويحوّله إلى قصة جيدة عن إمكانية التألّه في أنفسنا، تساعد البشر على المرور من إيمان الشعائر إلى إيمان الحرية. وإنّه عندئذ فحسب تكفّ العبادة عن الظهور في مظهر "وعظ" تجاري بالخلاص وتتحوّل "الصلاة العمومية" إلى ضرب من "الاحتفال الإتيقي" .
كثير من الناس يعتقدون أنّ الدين شعور بلغز أو سرّ خفي لا تدركه عقولنا البشرية. لكنّ "المشاعر ليست معارف" . وبالتالي هي لا يمكن أن تكشف لنا عن أيّ سرّ لا نعرفه. وعلى العكس من ذلك فإنّ أصل الدين ليس المشاعر السرية التي تفرقّ بين الناس بحسب تباين المعتقدات، بل قدرة البشر على استعمال الحرية بشكل كوني في ما يتخطى كل معارفهم النظرية عن الطبيعة من حولهم. وإنّه من المفيد جدّا في مسائل الدين أن نعرف أنّ الحرية "ليست سرّا خفيّا، لأنّ معرفتها يمكن أن يتمّ تواصلها وتقاسمها مع أيّ كان" وبخاصة أنّها "هي وحدها أيضا الشيء الذي يقودنا على نحو لا مرد له إلى الأسرار المقدسة" .
كل من يفكّر بطريقة حسنة هو مؤمن بدين العقل. ولا يحتاج إلى أيّ معتقد بعينه حتى يصبح من محبّي الله والراغبين في مرضاته. إنّه "ليس ثمّة واجبات خاصة تجاه الله ضمن دين كوني؛ وذلك أنّ الله لا يمكن أن يتلقى منّا أي شيء؛ فنحن لا نستطيع أن نفعل فيه ولا من أجله" . ليس مشكل الدين متعلقا بمدى إيماننا بما نظنّ أنّه مقدّس بالنسبة إلينا وحدنا، بل بمدى قابلية ما نؤمن به لأن يكون مفكّرا فيه بوصفه "يكون أو لا يكون قابلا للتواصل على نحو كوني" بين البشر كافة. ولن يقبل أيّ دين أن يصبح دينا كونيا إلاّ بقدر ما يقبل أن يعبّر عن نفسه من خلال مفاهيم العقل، أي بقدر ما يستطيع التعبير عن نفسه بوصفه "إيمانا حرّا" مفتوحا أمام أيّ كان. ولذلك فإنّ المعرفة المتبحّرة بالكتاب المقدس لا تفيد شيئا إذا كان رهانها هو إنتاج أكبر مساحة من الهيمنة على أناس "امتلأت رؤوسهم بالعقائد الإيمانية النظامية فصارت عديمة الإحساس بدين العقل أو تكاد" . إنّ رجال الدين المسيحيين مثلا قد تحوّلوا إلى "موظّفين" كنسيين، يقدّمون أنفسهم على أنّهم "المؤوّلون الوحيدون المخوّلون للكتاب المقدس، بعد أن كانوا اغتصبوا من دين العقل أهليته لأن يكون على الدوام المؤوّل الأعلى له...وبهذه الطريقة هم حوّلوا خدمة الكنيسة إلى هيمنة على أعضائها" . لكنّ الهيمنة لا تنتج في مسائل الدين سوى "عبادة العبيد" ، وليس إيمان الأحرار. إنّ عبادة العبيد تحوّل الدين في كل مكان إلى وهم وعبادة الله إلى مجرد تعاويذ وطلاسم. ومن ثمّ لن ينقذ الدين الحق من المعتقدات الباطلة سوى "التنوير الحقيقي، فبذلك فحسب تصبح عبادة الله عبادة حرة" . ولذلك بقدر ما يخلو الدين من الحرية هو يتقهقر من حيث لا يدري إلى براثن "الوثنية" ، حيث يتمّ الاستغناء في آخر المطاف ليس فقط عن "العقل" بل عن "المعرفة بالكتاب المقدس ذاتها" .
كيف نرجع إلى الدين الأصيل قدرته على الحرية ؟ كيف يمكن "إحياء الروح الدينية المحضة" ؟ - وحده "الإيمان الحر" هو له "قيمة خلقية محضة"، وذلك لأنّه "لا يمكن أن يُغتصب منّا بواسطة أيّ ضرب من التهديد" . إنّ الفضيلة قبل التقوى، والتقوى ليست بدلا عن الفضيلة، لأنّ القداسة لا معنى لها إذا كانت شيئا غريبا عن طبيعتنا، نضطر إلى الخضوع له. بل إنّ التطلّع إلى القداسة ينمّ عن شجاعة ما. ولذلك وحده الكبرياء يمكن أن يكون مقاما مناسبا للإيمان الحر.
قال كانط: "أمّا دين محمّد فهو يتميّز بالكبرياء، إذ بدلا من المعجزات، هو قد وجد التأييد الخاص بإيمانه في الانتصارات وفي قهر الشعوب الأخرى، وطقوس عبادته كلها من نوع شجاع" .
وعلينا أن نسأل: إلى أيّ حدّ يمكن لشجاعة ما أن تحافظ على حريتها إلى النهاية ؟ وهل ثّمة نضج معيّن ينبغي أن تبلغه الشعوب حتى تصبح أهلا لحريتها ؟ يقول كانط: " لا يمكن للمرء أن ينضج لهذه الحرية إذا هو لم يوضع قبلُ في حالة حرية" .

زبالة

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 23/11/2012

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف زبالة في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:32 am

تسلم ايديك

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف بدون في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:33 am

حوار خاص مع الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني
ـ حاوره : نورالدين علوش

بداية من هو الفيلسوف فتحي المسكيني؟
عجيب أمر السؤال “من؟” كيف يختزلنا إلى هذا الحدّ. كأنّه يمكن فعلا لأيّ شخص أن يعرّف “نفسه” بهذا اليسر والصرامة أو الاطمئنان. أنا من مواليد سنة 1961 في مدينة جميلة تقع في الشمال الغربي من تونس، اسمها “بوسالم”. كما ترى أنا من مكان مسالم، والسؤال “من ؟” يتطلب أكثر من ذلك. يقول نيتشه إنّه نادرا ما يكون المرء شخصا. فما بالك بالذي يحمل تهمة أو وزر “الفيلسوف”. وهذه تهمة ثقيلة. أنا ناصفت القرن منذ سنة وصرت إذن من قدماء البشر. أحمل دكتوراه الدولة في الفلسفة، وأخجل من تصنيف الناس حسب شهائدهم. لأنّ من تمدرس في قلبه، وهذا شيء عرفناه بفضل الثورة، ربما كان أقرب من جميع الأستاذين إلى محبة الحقيقة وحمايتها بجسمه الكريم. أنا حضري مؤقت أو مزيّف، بوجه ما، لأنّ طباع جبال الشمال وآداب مجاورة الوادي الكبير (مجردة) لا تزال تحت أنفاسي كأوّل مرة. وإن كنّا نعود إلى القرية، كما قال سلوتردايك، بشكل “ما بعد تاريخي”. لم نعد جزء منها، لكنها لا تزال جزء منّا.
في واقع الأمر أنا لا أملك سيرة فلسفية خاصة. أنا جزء من الجامعة التونسية. وهي التي مرّت بسلسلة من الاهتمامات الحاسمة، وكان هيدغر واحدا منها. لكنّ مقاعد الدراسة لا تكفي لتبرير طبيعة الحياة الفكرية التي تختارنا ذات مرة. وبصراحة، ظلت الجامعة التونسية تابعة للتقليد الفرنسي، ونحن جزء من هذا التقليد، حتى الذين يرفضون ذلك. لكنّ بعض الشرف الذي حصل في الأثناء هو ظهور نوع من المقاومة الرمزية لهيمنة التقليد الفرنسي، مثل التجرؤ على كتابة الأطروحات الجامعية بالعربية، وخاصة حول الفلسفة الغربية، لأنّ الكتابة بالعربية عن الفلسفة العربية هو أمر طبيعي.
أنا جزء من جيل حاول – ربما تحت وحي حدث تاريخاني كبير هو حرب الخليج الأولى سنة 1990- أن يغيّر قبلة الفلسفة في تونس، وذلك بالانخراط في خطة متكاملة للإنتاج النظري الجامعي بالعربية، ونعني خاصة أطروحات الدكتوراه والتأليف ما بعد الدكتوراه والتدريس المختص. كان ذلك الحدث حافزا حاسما، رغم أنّ هناك من سبقنا بشكل شخصي نحو هذا الاتجاه منذ الثمانينات. ما قمنا به نحن هو مأسسة هذا الاختيار وفرضه بطرق رسمية وعامة.
المطلع على كتاباتكم يلاحظ ارتباطكم الكبير بالفلسفة الألمانية وخاصة فلسفة هيدغر, فلماذا هذا الاهتمام؟
كنت أبحث عن فيلسوف قادر على أن يوفّر لي أدوات تجريب نظري على مسائل محددة سلفا، وتتعلق أساسا بمشاكل وجودية وتأويلية. أنا لم آت إلى الفلسفة (بعد الباكلوريا) فارغ اليدين من أيّ آفاق انتظار خاصة. فأنا قبل ذلك، وربما بعد ذلك، أنا شاعر. وكتبت الشعر منذ وقت مبكّر جدّا (في الثالثة عشرة من العمر). ولا زلت أكتب الشعر بشكل مستمر. وإن كنت لا أهتمّ بالنشر كثيرا. هيدغر استجاب إلى تطلّعاتي، ولم يفرض عليّ شيئا من خارج أفق انتظاري. وتجربة الشعر وضعتني في ورشة جبران بشكل مبكّر، ممّا يعني أنّني دخلت إلى ورشة نيتشه دون أن أدري. وهذا ما وقع: فقد قرأت كتاب زرادشت وكتاب النبي في نفس الوقت، في الخامسة عشرة من العمر. وهذه أحداث خاصة وضعتني على الطريق نحو هيدغر بشكل لم أستطع مقاومته. وهو ما تواصل بعد ذلك مع بعض تلاميذ هيدغر مثل دريدا أو سلوتردايك. وكل الذين يزورون ورشته على نفقة فلسفية أو تأويلية خاصة مثل نغري أو رورتي، …
كنت أشعر دوماً أنّ بين العرب والألمان أواصر قرابة مثيرة وغامضة. كلّ منهما له لغة صعبة وذات أصالة خاصة. وله مجد ضائع. ودين خطير قادر على ترجمة مضامينه الدلالية إلى آداب مدنية صارمة وكونية. وله حسّ انتماء عميق جدّا ولا يقبل التفاوض أو الانصهار في أيّ قومية أخرى. لكنّ القومية العميقة في لغة الألمان لم تمنعهم من تطوير أخطر وأعظم القيم الكونية في تاريخ العقل الفلسفي. وهذا ما دفعني على اعتبار تقليد الفلسفة الألمانية من كانط إلى سلوتردايك هو ببساطة مجال التجريب المناسب لتفكيري الخاص. ولذلك اعتبرت العمل على هيدغر في أطروحة الدكتوراه، اختيارا موفّقا، ليس فقط لأسباب أكاديمية، بل خاصة لأسباب شخصية: التدرّب من الداخل على التفكير المعاصر ولكن باللغة العربية. وهو ما جعل مشاكل الانتماء والهوية والقومية والدين مشاكل مطروحة من داخل المدونة الفلسفية العريقة وليس مجرد نقاش هووي أو دعوي لا صلاحية كونية له.
هيدغر علّمني كيف أفكّر بشكل خاص وكوني في نفس واحد. والاشتغال عليه وفّر لي فرصة امتحان إمكانية التفلسف بالعربية ولكن بشكل كوني. وذلك أنّه ليس أكثر كونية من السؤال عن معنى الكينونة. وكيف عمل في لحم اللغات الميتافيزيقية الكبرى – والعربية إحداها- وأنتج العالم كما نعرفه اليوم، عالم عصر التقنية.
سيدي الكريم هناك الكثير من الباحثين العرب يجتنبون هيدغر بسبب الصعوبات التي تواجههم أثناء الاشتغال على المتن الهيدغري , وخاصة كتابه العمدة” الوجود والزمان” كيف تتمكنون من تجاوز هذه الصعوبات؟
علينا التمييز بين الصعوبة النبيلة والعسر الأحمق. كل النصوص الفلسفية متى قُرئت بشكل عميق وجذري هي صعبة، وتملك غموضها الخاص. وهو أمر ناجم عن كونها في جوهرها تمرينا كونيا لا يقف عند ثقافة هذا الشعب أو ذاك. قلت “كوني” ولم أقل “كلّي”: ليس المقصود هو محاكاة اللغة الصورية أو الرياضية الكلية للعلوم. إنّ المشكل الرياضي صعب، لكنّ صعوبته تقنية ويمكن حلّها وتعليمها للناشئة في شكل تطبيقات وقواعد آلية صارمة. أمّا المشكل الفلسفي فليس تقنيا في أساسه. ولا قواعد له يمكن تطبيقها بشكل آلي. وهيدغر دفع بهذه الخاصية في التفكير الفلسفي إلى أقصاها: أنّ المفهوم الفلسفي ينبت دائما في تربة قومية. ومع ذلك هو كوني إلى حدّ المستحيل. لا يمكن التفلسف في شكل قائمة من المشاكل المنطقية أو الرياضية التي لا حلّ لها. فهذا علم سيّء أو إبستيمولوجيا كسولة بلا فلسفة. الفلسفة شيء لا علاقة له بالعلم. وبعبارة واحدة لهيدغر: العلم لا يفكّر. والقصد هو لا يفكّر بشكل كوني في الكينونة. رغم أنّه ينتج معرفة كلية بالكائن.
كل الصعوبة مع هيدغر تكمن في لغته. لكنّ أفكاره ليست صعبة إلاّ لمن لا يعتبرها مشاكله الخاصة كفيلسوف. هيدغر لا يقبل في ورشته مناطقة فرحين بما عندهم ولا نقادا يداوون عجزهم عن العلم بشتم الميتافيزيقا. ينبغي أن نحبّ ما يفعله هيدغر حتى نفهمه. وأن ننخرط معه في تجريب واسع النطاق لنفس المشاكل التي طرحها، ولكن بالإمكانات الثاوية في لغتنا. وحسب تقديري، هيدغر هو توحيدي يتكلم معجما يونانيا. وهذا أحد أسرار صعوبته. ولأنّ لغتنا كانت وثنية ثم صارت توحيدية فهي توفّر مخازن اصطلاحية لم نستفد منها إلى حدّ الآن بالشكل الكافي أو المناسب، ليس فقط في استجلاء غوامض لغة هيدغر ومتنه الكبير، بل في استنطاق كل تلاميذه، وخاصة دريدا أو ليفناس.
لقد اشتغلت على ترجمة كتاب “الكينونة والزمان” من جويلية 2003 إلى جانفي 2010. ولم يكن عملا سهلا أبدا. ولقد اضطررت إلى تغيير اختياراتي الاصطلاحية عديد المرات، حتى أظفر بالتوازن أو بالاقتصاد المناسب في المصطلح، الذي يضمن لي إخراجا متكاملا لشروط إمكان فهم محمود لمقاصد هيدغر على مدى مئات الصفحات. وهو يبني مسائل متراكبة ومترابطة ومتساوقة بشكل منقطع النظير.
لكنّني عدت إلى نيتشه سنة 2010 وترجمت في جنيالوجيا الأخلاق، ثم سنة 2011 إلى كانط وترجت الدين في حدود مجرد العقل. ليس هيدغر مهمّا بحدّ ذاته بل بقدر ما يرمي بنا بكلّ جذورنا في حلبة تأويلية قاسية ولكن عميقة وكريمة بشكل فظيع. وليست تلك الحلبة غير نمط كينونتنا الخاصة وقد انفجرت بين أيدنا في شكل نصوص بكر ووضعيات قصوى ولغات شبقة واختلافات لم يعد يمكن إرجاؤها حتى تتكوّن أيّة هوية مريحة. هيدغر لا يُحَبّ من طرف واحد. ولا يُحَبّ معزولا. بل ينبغي أن نتلطّف معه حتى نرى فيه أنفسنا القديمة والجديدة على حدّ سواء.
مع العودة قوية للفيلسوف الألماني هيدغر في الفلسفة المعاصرة خاصة من طرف فلاسفة ما بعد الحداثة( اغامبين…) , هل ممكن الحديث عن ما بعد العقل التأويلي؟
نحن نحاول الخروج من العصر التأويلي للعقل منذ مدّة ليست بقصيرة. لبعض الوقت بدا وكأنّ تجارب المعنى يمكن أن تكون بديلا مفيدا عن جفاف العلم وصحراء التحليل المنطقي للغة. لكنّ من يعرف ماضي التأويلية – وكلّ ماض يظلّ قاعة انتظار رهيبة تحاصر كلّ تكفير حرّ لأنّ التفكير الحرّ يتمّ دائما انطلاقا من المستقبل- هو يعرف أيضا بنفس القدر أنّ حماية حقول المعاني، مثل حماية الكتب المقدّسة والآثار الفلسفية والروائع الأدبية والفنية…، هي مهنة عتيقة وبلا أفق. والتأويل الذي لا يسخر من نفسه ولا يملك دائما فرصة وضع حدّ لأطماعه في التحول إلى عقل كسول ومريح، هو تأويل سيّء، ولا يصمد كثيرا أمام الانتظارات الهووية التي تؤرق كل الثقافات. هناك دوما “ما بعد” مما. شريطة أن نفهم ذلك في معنى طوبيقي وليس في معنى زماني بالضرورة. نحن “بعد” أنفسنا دائما. و”قبلها” أيضا بمعنى ما. لا أحد يقبل اليوم أن يظلّ مجرد “مؤوّل” لنصوص ميّتة أو فقدت علاقتها بهواجس الإنسانية الحالية. لم يعد مناسبا للعقل التأويلي أن يكتفي بتوفير تخريجات مرضية أو محترمة أو علاجية لمشاكل ماتت. التأويل يمكن أن يكون تملّكا بائسا للعقول الكسولة، مهما كان حجمها، فردا كانت أم دولة. ولذلك فإنّ مهمّة المستقبل لن تكون تأويلية إلاّ عرضا أو بشكل مؤقت. مهنة المستقبل هي التفكير الحرّ. وهو موقف لا يزال صعبا جدّا على الأجيال الحالية.
سيدي الكريم تطرح في كتابتكم الفلسفة, إشكاليات عديدة منها إشكالية الحرية والهوية , فكيف يمكننا معاجلتها فلسفيا؟
في الغرب الحديث ظلّ مشكل الحرية يتراوح بين “فهم الضرورة” (في الطبيعة) أو “الوعي بالضرورة” (في التاريخ)، أي بين سبينوزا وهيغل. لكنّ المجتمعات المركّبة الحالية، لم تعد تُفهَم لا بنموذج الطبيعة ولا بنموذج التاريخ. هي أوّل مجتمعات بلا طبيعة مستقرة. وأوّل مجتمعات ليس لها تاريخ واحد. إنّ الحداثة نفسها، كما بدأنا نفهم بشكل واسع، هي الطور الأخير من التوحيد، بعد ترجمة قيمه في قوالب المعجم اليوناني والروماني. لا يعني ذلك أنّها مجرّد “علمنة” لضرب من المضامين اللاهوتية الخجولة، كما شاع منذ كارل شميت. وبالتالي أنّ اللاهوت السياسي هو مفتاح تفسيرها. بل قد أثبت بلومنبورغ أنّ “العصور الحديثة” هي “أزمنة جديدة” لها “مشروعيتها الخاصة”. ونعني بذلك أنّها نابعة من تجارب حرية من نوع جديد تماما، وساهم فيها رجال دين إلى جانب أجيال من غير المتدينين. التقابل بين العلمي والديني تقابل كسول ولا يساعدنا كثيرا على تغيير طبيعة المشكل.
ما قصدت تبيانه هو أنّنا نشهد اليوم نهاية العصر الهووي على كامل الأصعدة. وفي المقابل فإنّ معجم الحرية لا يزال لدينا فقيرا وهشّا. لكنّنا لا نعني بذلك نهاية الهويات أو فسادها أو قرب انقراضها. ليس الخطر في الهوية بل في الهووي. الهووي هو كلّ شعور متسلّط يريد أن يفرض تأويلا واحدا وغالبا لأنفسنا باسم هذا الوثن أو ذاك. وهذا المركب الهووي ليس حكرا على المتدينين أو السلفيين. ففي كل حزب من أحزاب الحداثة هناك هوويون، أي سلفيون مناضلون لفرض سلطة روحية أو معيارية باعتبارها هي إرادة الخطاب التي تحرك الجميع أو يجب أن تحركهم.
ولذلك فإنّ الجديد في المقابل هو ولادة مفهوم جديد للحرية: لم تعد الحرية توقيعا خاصا بهذا الحزب أو ذاك. فقد يمكن أن يكون التنوير مستبدّا. كما يمكن لحركة روحانية أن تكون شكلا متقدّما من النضال من أجل حرية الضمير. الحرية أفق لكل ما هو حيوي. والاستبداد هو سقف قاهر لكل ما هو هووي. ولكلك يمكن أن توجد هوية نشطة وحرة، كما يمكن أن توجد حرية غير حرة وتابعة وكسولة. والحداثة نفسها دخلت في أفق أنفسنا الحديثة بشكل غير حر. كذلك التنوير. وآن الأوان لتحرير الحرية نفسها من سياسات الاستيراد وحاجات الاستهلاك التنويري. كما آن الأوان لتحرير الهوية نفسها من سياسات الاستبداد وحاجات الاستهلاك الدعوي. نحن نقدّر أنّه هناك إله فاعل وموجب وإثباتي، كما أنّ هناك إلهاً انفعاليا وسالبا وعدميا. وهذا يعني أنّ خصومة الإلحاد هي مزيفة وقاصرة عن أفقها الأخلاقي، أي أفق الحرية الموجبة.
سدي الكريم توظف الكثير من المفاهيم الفلسفية السياسية المعاصرة: كالإمبراطورية والجمهور لنغري والريزوم والمسطح لدولوز , فكيف يمكن توظيفها في قراءة واقعنا السياسي والثقافي ؟
من يفكّر يبحث دوما عن أدوات تفكيره في أي مكان. وفي الحقيقة ما كنت أعوّل عليه في فترة طويلة هو استدعاء العقول المعاصرة إلى مشاكلنا، ومحاولة الاستضاءة بهم في بناء ورشات عمل داخلية تساعد ثقافتنا على الانخراط في سياسة حقيقة من نوع جديد. وهذا كان اختيارا مؤقتا وعرضيا. لأنّه ما كان لنا أن نستفيد من فكرة “الإمبراطورية” لم لم يكن لها أنساب مفهومية في مدوّناتنا القديمة، مثل “الدولة العامة” أو “الخلافة”، الخ…والأمر نفسه يصدق على الريزوم والمسطّح أو الصعيد،…ونعني بذلك مفهومات من قبيل “النوابت” و “العصبية” و”الصحراء”،…في الواقع ليس لنا “واقع سياسي وثقافي” خاص بنا. نحن جزء لا يتجزأ من مشاكل معولمة، تخترقنا ونخترقها. ولذلك نحن نظل في حاجة إلى اقتباس أدوات التفكير في أنفسنا الحالية من أي مكان.
- سيدي الكريم انتم تدرّسون الفلسفة المعاصرة, فلماذا لا تهتمون باكسيل هونيث وسيلا بنحبيب وانطوني نغري واغامبيو؟
هؤلاء كتبوا في مسائل تهمني، نعني مثلا قضية سياسات الاعتراف و الهوية والاختلاف وحقوق الآخر والجمهور والحيوي،…وهذه كلها مسائل في فم الزمان، ولم يخترعها أحد، بل أفضل ما يقوم به أحدهم هو اختراع لعبة لغوية مناسبة للتفكير بشكل أكثر حدّة أو طرافة في نفس المشاكل. وهؤلاء مؤلفون أهتمّ بهم وأقتبس منهم وأحوال أن أجرّهم إلى التفكير معهم من داخل مشاكلنا، ولي برامج عديدة لترجمتهم…
- باعتباركم من المترجمين الكبار في مجال الفلسفة المعاصرة ,لماذ لا تهتمون بترجمة كتابات انطونيو نغري واغامبيو و كارل شميت و ليو استراوس.؟
ثمة تفكير جدّي في ترجمتهم ونحن نعمل على تكوين جماعة من المترجمين الشبان القادرين على تأمين استدعاء مناسب لكتابات هؤلاء وامتلاك جزء محمود من المكاسب النظرية والفلسفية التي حققوها. لكنّ الترجمة تختلف عن مجرد القراءة. إنّها عمل يتطلب التزامًا شبهَ نسكي فظيعا، ونادرا ما يتمّ الإيفاء به بشكل مرضي أو كاف. وفي الحقيقة أنا لست مترجما محترفا. بل لي غيرة كبيرة على النصوص الفلسفية وعلى الفلسفة كفن عزيز لا ينبغي على هذا الجيل أن يفرّط فيه. واهتديت آخر المطاف إلى أنّ الترجمة الفلسفية هي أيضا عمل فلسفي له أصالته الخاصة ولا يجب الخجل به أو الخوف منه. والمترجم لن يكون أو يصير عقيما من ناحية التفكير إلاّ إذا كان مترجما سيّئا.

عن موقع "حكمة".

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف بدون في الثلاثاء يناير 29, 2013 4:42 am

فتحي المسكيني يترجم «الكينونة والزمان»

يجمع المهتمون بالشأن الفلسفي على أن كتاب «الكينونة والزمان» للفيلسوف الأماني «مارتن هيدغر» يعد أكبر مدونة فلسفية في القرن العشرين، نظرا إلى الدور الذي لعبه في توجيه الفكر الفلسفي المعاصر. إذ طرح هذا العمل إثر صدوره مشكلة كبرى تتعلق بتلقي مضامينه الفلسفية في لغات أخرى، خاصة أن «هيدغر» كتبه بلغة فلسفية شديدة الخصوصية يصعب معها نقله إلى ألسن أخرى، بل أكثر من ذلك فالألمان أنفسهم طالبوا بترجمة النص إلى لغتهم الألمانية حتى يتمكنوا من فهمه والتواصل معه. فما بالنا بترجمته إلى لغة الضاد؟
تجرأ الباحث التونسي الدكتور فتحي المسكيني على ركوب هذه المغامرة، وخرج الكتاب بصورة كاملة مع مراجعة الباحث المغربي الدكتور إسماعيل المصدق عن دار الكتاب الجديد بيروت 2012.

عرف «هيدغر» بأنه فيلسوف الوجود، حيث كرس حياته الفكرية لتأسيس أنطولوجيا جديدة يسعى من خلالها الفكر الفلسفي إلى البحث عن حقيقة الوجود ومعناه، ليصبح «الدازاين» هو الموضوع الرئيس للفكر الفلسفي المعاصر ومحور تساؤلاته. إن دفاع هيدغر عن الوجود كان من منطلق أن الميتافيزيقا الغربية عبر تاريخا قد كرست فكرة نسيان الوجود لصالح الموجود منذ أن قال سقراط «أيها الإنسان اعرف نفسك» حيث كان ذلك بمثابة إعلان عن بداية غرق التراث الفلسفي في مياه نسين الوجود. ولما جاءت اللحظة الديكارتية التي أعطت للفكرة بعدا جديدا وحولت هذا التصور إلى نزعة إنسانية تعتبر أن الأساس والمركز هو الذات الإنسانية كما عبر بذلك ديكارت نفسه عبر الكوجيطو: أنا أفكر..، لذلك أعلن «هيدغر» الحرب على هذه النزعة وحشد كل أدواته النظرية والمعرفية واللغوية من أجل تفكيك هذه المركزية لإعادة الاعتبار إلى الوجود بدل التركيز على الموجود.

عن "فبراير كوم".
Redouane Belmejdoul في الاربعاء 2 يناير 2013



محمد ثامر علي ربيع

عدد المساهمات : 570
تاريخ التسجيل : 30/12/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف محمد ثامر علي ربيع في الثلاثاء يناير 29, 2013 5:02 am

ألف ألف شكر... ياجميل

المدني

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 29/11/2010

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف المدني في الثلاثاء يناير 29, 2013 5:20 am

شكرا أستاذي
اختيارات تدل على سعة صدر لا حدود لها

rafy

عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 30/01/2011

رد: الكينونة والزمان - مارتن هيدجر . ( الترجمة الكاملة : ترجمة فتحي المسكيني المكونة من 860 صفحة من القطع الكبير ) .

مُساهمة من طرف rafy في الثلاثاء يناير 29, 2013 5:59 am

شكرا على هذا الاسهام المميّز
ألف تحيّة


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 8:44 am