• إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

جورج طرابيشي

شاطر

علي مولا
باحث عن المعرفة

عدد المساهمات: 2750
تاريخ التسجيل: 21/12/2009
الموقع: بودابست

جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف علي مولا في السبت مايو 12, 2012 12:38 am




مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري. من مواليد مدينة حلب عام 1939، يحمل الإجازة باللغة العربية والماجستر بالتربية من جامعة دمشق. عمل مديرا لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيسا لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984), ومحرراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام فترة في لبنان، ولكنه غادره، وقد فجعته حربه الأهلية، إلى فرنسا -التي يقيم فيها إلى الآن متفرغا للكتابة والتأليف.

تميز بكثرة ترجماته ومؤلفاته حيث انه ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين. بلغت ترجماته ما يزيد عن مئتي كتاب في الفلسفة والايديولوجيا والتحليل النفسي والرواية. له مؤلفات هامة في الماركسية والنظرية القومية وفي النقد الأدبي للرواية العربية التي كان سباقاً في اللغة العربية إلى تطبيق مناهج التحليل النفسي عليها. من أبرز مؤلفاته: "معجم الفلاسفه" و"من النهضة إلى الردة" و"هرطقات 1 و2 " ومشروعه الضخم الذي عمل عليه أكثر من 20 عاما وصدر منه خمسة مجلدات في "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها الجزء الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (دار الساقي، بيروت، 2010)، أي في نقد مشروع الكاتب والمفكر المغربي محمد عابد الجابري، ويوصف هذا العمل بأنه موسوعي إذ احتوى على قراءة ومراجعة للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي ليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً الكلامي والفقهي والصوفي واللغوي، وقد حاول فيه الاجابة عن هذا السؤال الأساسي: هل استقالة العقل في الإسلام جاءت بعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير، أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟

أهم نقاط المسار الفكري لطرابيشي هو انتقاله عبر عدة محطات أبرزها الفكر القومي والثوري والوجودية والماركسية. انتهى طرابيشي إلى تبني نزعة نقدية جذرية يرى أنها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعية العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤمثلة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.


****

مجموعة الكتب على رابط واحد


*****


عقدة أوديب في الرواية العربية - جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/dDD8o1m9/_____-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?5q5f59zboymftl7
من اسلام القرآن الى اسلام الحديث -جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/1-pRXH4f/______-_.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?bys6g2c2wnoym22
معجم الفلاسفة - جورج طرابيشي

4shared.com/office/_GQUCyPW/__-__.html

أو
http://www.mediafire.com/download.php?x64jif1ew3q857l
شرق وغرب - رجولة وأنوثة - جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/Z_aBhIul/__-___-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?6qknqfxnyknvk3d
المثقفون العرب و التراث..التحليل النفسى لعصاب جماعى

http://www.4shared.com/office/dSszLg0s/______.html

أو
http://www.mediafire.com/download.php?l3ix58xverskg6i
الله في رحله نجيب محفوظ
http://www.mediafire.com/download.php?2sh2z3folo4dmds
اشكاليات العقل العربي

4shared.com/office/qMBT3ez3/___online.html

أو
http://www.mediafire.com/download.php?cs8gs4o5d47m0a8
المعجزة -او سبات العقل في الأسلام-طرابيشي
http://www.4shared.com/office/9qRoSyH0/_-____-.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?vz0q8g4wwc6w0jv
مصائر_الفلسفة_بين_المسيحية_والاسلام-_جورج_طرابيشي
http://www.4shared.com/office/6DhHTd2K/____-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?6wv7k03yjou29nf
نقد نقد العقل العربي - نظرية العقل - جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/cEgwlttC/____-___-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?kvme7ridcs6oby9
نقد نقد العقل العربي - العقل المستقيل في الاسلام - جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/isIDjk1l/____-_____-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?xoh4s534bz8y7sp
من النهضة الى الردة - جورج طرابيشي
http://www.4shared.com/office/0k5V4VPN/____-__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?1cijot1n5u12siz
هرطقات 2 عن العلمانية
http://www.4shared.com/office/hEX95n9h/_2__.html
أو
http://www.mediafire.com/download.php?aa7i6csd71lk3w0
هرطقات - جورج طرابيشي

4shared.com/office/mxe7NICt/__-__.html

أو
http://www.mediafire.com/download.php?oltx16lbkpcws6b
نقد نقد العقل العربي _ وحدة العقل العربي الاسلامي - جورج طرابيشي

4shared.com/office/1PWsTDYe/__________-__.html

أو
http://www.mediafire.com/download.php?p1emfo8419eozm2


 





mokhtar mostafa

عدد المساهمات: 115
تاريخ التسجيل: 09/07/2011
العمر: 24

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف mokhtar mostafa في السبت مايو 12, 2012 1:33 am

شكرا جزيلا ا استاذ على
ولي رجاء بمناسبة ان هذه المجموعة تخص ناقد ناقد العقل العربي
ورجائي هو توفير كتاب محمد عابد الجابري العقل الساسي وهو الجزء الثالث من سلسة نقد العقل العربي ان امكن توفيره
شكرا مرة اخرى

إينانا

عدد المساهمات: 1772
تاريخ التسجيل: 21/06/2011
العمر: 26

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف إينانا في السبت مايو 12, 2012 6:47 am

شكراً للمجموعه استاذ علي .. عمل فني رائع


________________________





بدون

عدد المساهمات: 1201
تاريخ التسجيل: 05/09/2010

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة يونيو 01, 2012 9:11 pm




هرطقات جورج طرابيشي

هاشم صالح
الحوار المتمدن - العدد: 2748 - 2009 / 8 / 24

تضفي الاعترافات الذاتية على الكتب عادة طابعا محببا يقربها من قلوب قرائها. وذلك على عكس الكتب الأكاديمية الجافة التي لا ينضح منها أي شيء شخصي فتبدو كتيمة، بعيدة عن القلب، مملة. لقد تحولت بعض كتب العلوم الإنسانية مؤخرا إلى كتب "لا إنسانية" كما يقول روجيه غارودي من كثرة طابعها التجريدي وغوصها في نوع من الموضوعية الباردة التي تقضي على رطوبة الفكر وجمال الإبداع. أقول ذلك وأنا أفكر في العديد من الكتب الفرنسية وليس فقط العربية. هذا لا يعني بالطبع أن كتاب جورج طرابيشي الأخير ليس أكاديميا ولا موضوعيا على الأقلّ في بعض أقسامه. على العكس تماما. فالرجل ذو تبحّر علميّ واسع في كلتا الثقافتين العربية والفرنسية. ولكنّ كتابه الأخير فاجأني بمسحة من فيضان الذاتية وأكاد أقول الشاعرية وجمال الأسلوب إلى درجة أنّي قرأته بسهولة وعذوبة أكثر. لقد مللنا من الكتابات ذات الأسلوب الركيك التي لا تستطيع أن تقرأ منها أكثر من صفحتين أو ثلاث إلا بشقّ الأنفس هذا إذا استطعت أن تتقدّم ثلاث صفحات!..لا داعي لذكر الأسماء..

منذ البداية يفاجئك المؤلف باستشهاد رائع من شكسبير وتساؤل شخصيّ لا يقلّ روعة:
ليس الهرطوقي من يحترق بالنار، بل الهرطوقي من يشعل المحرقة.
ينبغي أن تكون شكسبير كي تستطيع أن تأتي بعبارة كهذه..
وينبغي أن تكون جورج طرابيشي كي تعرف كيف تطرح سؤالا بليغا كهذا:
كثيرا ما تساءلت لماذا يغلي في دمي حبّ الهرطقة؟

ولكن يا صديقي لا يوجد مفكّر واحد في العالم له معنى إلاّ وهو مهرطق بشكل أو بآخر. إذا لم تكن مهرطقا فهذا يعني أنّك كاتب امتثاليّ تكرّر ما تقوله الجماعة لا أكثر ولا أقلّ..ألم يكن سبينوزا مهرطقا وخارجا على دين آبائه وأجداده اليهود؟ ألم يحاول متعصّبوهم اغتياله بضربة خنجر؟ وجان جاك روسو ألم يكن مهرطقا وخارجا على كلتا الأرثوذكسيتين الكاثوليكية والبروتستانتية؟ وفولتير ألم يطرح مشروعه الجنونيّ في وقته: تدمير المسيحية؟ المقصود بالطبع هنا المسيحية في صيغتها البابوية الرومانية الأصوليّة شديدة التعصّب آنذاك وليس المسيحية في المطلق. فمن الواضح أنه لو نهض فولتير من قبره الآن ورأى كلّ هذه الحريات التي تنعم بها فرنسا بفضل نضاله ونضال أمثاله لما فكّر لحظة واحدة في محاربة المسيحية لسبب بسيط: هو أنه لا أثر قمعي لها الآن. والفارابي؟ وابن سينا؟ والتوحيدي، وابن رشد؟ والمعرّي؟ وابن عربي؟ وطه حسين؟ وكلّ عظمائنا ألم يكونوا هراطقة ومغضوبا عليهم من قبل الإجماع الامتثاليّ والتيّار العام والفقهاء الشعبويين السابقين واللاحقين؟ كلّهم كانوا يسبحون ضدّ التيار لأنّهم يفتحون الآفاق ويشقون طريق المستقبل. الهرطقة إذن هي الخطوة الأولى نحو الفكر الجديد، الحرّ، المبتكر..

الجزء الأول والأساسي من الكتاب مخصّص للدفاع وبقوّة عن الأطروحة التالية: وهي أنّ العلمانية علاج ليس فقط للانقسام الإسلامي- المسيحي داخل العالم العربي كما يزعم الكثيرون، وإنّما أيضا للانقسام المذهبي داخل الإسلام نفسه. وهذا صحيح بل وأكاد أقول تحصيل حاصل. من يستطيع أن ينكر خطورة الانقسام السنّيّ- الشيعي وتهديده للوحدة الوطنية ليس فقط في العراق وإنما أيضا في سوريا ولبنان والسعودية والبحرين والكويت بل وحتى اليمن؟..بل وسأزايد على أطروحة طرابيشي أكثر وأقول بأنّ العلمانية هي دواء حتى داخل الإسلام السنّيّ نفسه وكذلك داخل الإسلام الشيعيّ هذا ناهيك عن المسيحيين العرب. وذلك لأنّ التحديثيين العرب من رجال ونساء باتوا يضيقون ذرعا بالقيود الدينية الخانقة حتى داخل طوائفهم. ولذا يمكن منذ البداية استخلاص نتيجة عامّة وهي: أنّ العلمانية، أي الحداثة الفكرية، سوف تخترق كلّ الطوائف والمذاهب دون استثناء. وعندئذ يمكن أن يصف المسيحيّ العربيّ مع المسلم ضد المسلم الأصوليّ أو المسيحي الأصوليّ، الخ..وبالطبع فان السنّيّ سوف يصف إلى جانب الشيعي إذا كان تحديثيا ليبراليا والعكس صحيح أيضا..ولكن ذلك لن يحصل بشكل قويّ إلا بعد تفكيك العقائد القديمة والعصبيات الطائفية والمذهبية كما فعل فلاسفة التنوير في أوروبا..
هناك فكرة يطرحها جورج طرابيشي وهي أن الأقلّيات اقرب إلى العلمانية لأنها تتيح لها التساوي مع الأكثرية أمام القانون. وهذا صحيح إلى حدّ كبير. والدليل على ذلك هو أن العديد من مبلوري العلمانية الفرنسية كانوا ينتمون إلى الأقلّية البروتستانتية. ولكن لولا انضمام العديد من قادة الرأي العام الكاثوليكي إليها لما نجحت وترسخت في الدساتير والممارسات العملية والقوانين. اكبر مفكر فرنسي حارب الأصوليّة الكاثوليكية بكل عنف وضراوة وشق الطريق أمام العلمانية كان كاثوليكيا ينتمي إلى مذهب الأغلبية: انه فولتير. ولكن كان يمكن أن نذكر ديدرو أيضا وآخرين عديدين. وحده جان جاك روسو كان ينتمي إلى الأقلّية البروتستانتية المعتبرة مهرطقة وخارجة على الطريق المستقيم للديانة المسيحية. واكبر سياسي رسخ العلمانية في فرنسا هو جول فيري الكاثوليكي المنتمي أيضا إلى الأغلبية المذهبية لا إلى الأقلّية. وقد خاض حربا ضروسا ضد زعماء طائفته. وعلى سبيل النكتة فانه تزوج فتاة بروتستانتية من عائلة كبيرة. ولكن أخته المتدينة جدا والمتعصبة كاثوليكيا رفضت مصافحتها عندما دخلت إلى البيت لأنها مهرطقة كافرة وقد تنجسها! وهذا حصل بعد التنوير والثورة الفرنسية بقرن كامل لا قبلهما..فما بالك بالأمور عندنا حيث لا يوجد تنوير ديني او فلسفي ولا من يحزنون؟
ومعلوم أن أخ ديدرو الكاهن أوليفييه كان يرفض أن يسلم عليه او يصافحه لكيلا ينجسه بحسب تعبيره. وكان يتهمه بالإلحاد، وهي تهمة لا يتبرأ منها ديدرو كثيرا على أي حال..فما أحلى الإلحاد في عصر الأصوليّات الخانقة! ولكنه يصبح شيئا عاديا جدا وربما مبتذلا في مجتمعات الحداثة الحالية التي فرغت من الدين والإيمان والروحانيات تفريغا كاملا تقريبا.

انه لشيء مخيف قصة النجاسة والطهارة لدى المتدينين عموما والمتعصبين على وجه الخصوص. كل واحد يتهم الآخر بالنجاسة! فمثلا أثبت طرابيشي عن طريق أمثلة عديدة مأخوذة من التراث أن السنّيّ يعتبر الشيعي نجسا لا تجوز معاشرته أو التزاوج منه أو الأكل من ذبائحه الخ. والعكس صحيح أيضا. فأئمة الشيعة ينصحون أتباعهم بالحذر من السنّيّ النجس.. وكلاهما ينجّس اليهودي والمسيحي وهكذا دواليك.. انه لشيء مخيف حقا: كل واحد يعتبر نفسه طاهرا والآخرين أنجاسا! عندما تقرأ هذه الصفحات تكاد تكفر بكل شيء وتقول: ليذهب إلى الجحيم كل المتدينين وأديانهم..إذا كان التدين هكذا فلا حاجة لنا به. ولكننا نعلم أن هناك تدينا آخر جميلا، عظيما، على طريقة الجنيد والحلاج والمحاسبي وابن عربي وابن سينا والفلاسفة هذا ناهيك عن التدين الحر في عصر الحداثة وما بعد الحداثة الأوروبية.
ولكن أحيانا يبدو لي وكأن جورج طرابيشي يقلل من خطورة الصراع المذهبي داخل المسيحية الأوروبية قياسا إلى الصراع المذهبي داخل الإسلام نفسه. وهنا أختلف معه تماما. أعتقد شخصيا أن الصراع الكاثوليكي- البروتستانتي بل وحتى الكاثوليكي- الأرثوذكسي لا يقل خطورة عن الصراع السنّيّ- الشيعي. صحيح أنه أحدث عهدا فيما يخص البروتستانتية لأنها لم تظهر إلا في القرن السادس عشر. ولكنه كان في نفس العنف والضراوة وسبب ملايين الضحايا قبل أن ينحل نهائيا. ثم انه استمر أكثر من ثلاثين سنة أو حتى مائة سنة ولا يمكن اختزاله إلى حرب الثلاثين عاما 1618. 1648. نقول ذلك على الرغم من أن هذه الحرب المذهبية الوحشية اجتاحت كل أوروبا تقريبا وقتلت ثلث سكان ألمانيا! هذا ناهيك عما حل بالدول الأوروبية الأخرى وبخاصة في شمال وشرق ووسط القارة. وكم قتل كرومويل وارتكب من مجازر مرعبة في ايرلندا التي ظلت تعاني من الحرب المذهبية المدمرة حتى أمس القريب؟ وكيف صفى لويس الرابع عشر أقليته البروتستانتية عن بكرة أبيها تقريبا؟ حتى الآن لا يزال الفرنسيون يخجلون بتلك الجريمة ويعتذرون عنها. هذا ناهيك عن مجزرة سانت بارتيليمي الشهيرة التي اعتذر عنها البابا الكاثوليكي يوحنا بولس الثاني بعد مرور عدة قرون ..يضاف إلى ذلك أن الانقسام الأرثوذكسي- الكاثوليكي أقدم بكثير. انه يعود إلى القرون الأولى للمسيحية. ولا نستطيع أن نمر مرور الكرام على الصراعات المذهبية في روسيا وصربيا وأوكرانيا والمسيحية الشرقية عموما. ينبغي العلم بأن المسيحية الشرقية لم تقم بثورتها اللاهوتية التجديدية كما فعلت المسيحية الغربية تحت ضغط الحداثة العلمية والفلسفية. بهذا المعنى فإنّ تديّنها أقرب إلى العصور الوسطى وبالتالي اقرب إلى التدين الإسلامي منها إلى التدين المسيحي الأوروبي الغربي المنفتح والمتطور. ومؤخرا قرأت أن الكاثوليك في روسيا يشتكون من تعصب الأغلبية الأرثوذكسية ضدهم. فهي تمنعهم من ممارسة طقوسهم وتحاصرهم وكـأنهم ينتمون إلى دين آخر! وفي أوكرانيا أيضا توجد أقلّية كاثوليكية تحاذي الخمسة ملايين تقريبا وهي تحلم بالانفصال عن الأغلبية الأرثوذكسية والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي..وقد حصلت مجازر بين الأرثوذكس الصربيين والكاثوليك الكرواتيين وكذلك حصل ذبح على الهوية أثناء الحرب الأهلية الحديثة العهد. بل ووصل الأمر ببعض المؤرخين إلى حد القول بأن هدف الحملات الصليبية لم يكن المسلمين بالدرجة الأولى وإنما القضاء على الكنيسة الأرثوذكسية! ربما كان هذا الكلام مبالغا فيه ولكنه يعطينا فكرة عن حجم الصراع المذهبي الضاري داخل المسيحية. انه على عكس ما يتوهم جورج لا يقل خطورة عن الصراع المذهبي داخل الإسلام نفسه. وهل من قبيل الصدفة أن يكون البابا يوحنا بولس الثاني قد جاب العالم طولا وعرضا ولم يترك عاصمة إلا زارها ولكنه لم يتجرأ على أن يضع قدمه في موسكو عاصمة الأرثوذكسية؟ مهما يكن من أمر فان كل هذا يدفعنا دفعا لأن نؤسس علم الأصوليّات المقارنة أو علم التنوير المقارن من اجل فهم الأمور بشكل أفضل. وهما متكاملان في الواقع ويساعداننا على توضيح الصورة وفهم ما يجري حاليا في العالم الإسلامي. وكنت قد دعوت إلى ذلك منذ بضع سنوات. فبضدها تتبين الأشياء. والمقارنة هي أساس المعرفة والنظر. وقد وصل الأمر بالمثل الصيني إلى حد القول بأن من لا يقارن لا يعرف..

بعد بحثه الطويل عن الصراع السنّيّ- الشيعي على مدار التاريخ يتوصل جورج طرابيشي إلى خلاصات مؤقتة وفي طليعتها أن العلمانية تفرض نفسها كحل وحيد للمشاكل الطائفية في المنطقة. وهذا صحيح. ولكن المشكلة هي أن العلمانية بحاجة إلى تمهيد طويل عريض ولا يمكن فرضها عن طريق القوة أو قبل أن تنضج الظروف. ينبغي أن يسبقها تنوير فكري كما حصل في أوروبا. بعدئذ تجيء كتحصيل حاصل تقريبا. وهذا ما لم يحصل حتى الان في عالمنا العربي الذي يعيش عصور وسطى جديدة بحسب التعبير الناجح للمؤلف لا عصور تنوير. بالمناسبة وبين قوسين لم يعجبني اشتقاقه لمصطلح دقرطة. أعتقد أن الأفضل أن نقول دمقرطة المنطقة مثلا وليس دقرطتها. بالطبع فاني أتفق معه بأنه لا ديمقراطية بدون علمانية. هذا شيء مفروغ منه وإلا فإننا سنعيد إنتاج الطائفية وهيمنتها إلى أبد الآبدين، وهذه المرة عن طريق صناديق الاقتراع!
ولكني لم أفهم قوله: ففي التجربة الغربية كانت العلمانية مبسوطة اليد في مجال الدولة، مكفوفتها في مجال الدين نفسه. أما في الساحة العربية الإسلامية فلا بد أن تكون العلمانية مبسوطة اليد في المجالين كليهما. الكتاب ص.93

هذا كلام غريب الشكل اذا ما تذكرنا أن العلمانية في فرنسا مثلا لم تنجح إلا بعد أن نقدت العقائد الدينية المسيحية نقدا صارما لا هوادة فيه وإلا بعد أن تعلمن المجتمع نفسه. بل إن علمنته كانت المقدمة التمهيدية لعلمنة الدولة أو لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905. العلمانية هي محصلة لصيرورة طويلة عريضة، إنها تتويج لمسار التنوير والحداثة، إنها لبّ الحداثة وجوهرها. لا حداثة بدون علمانية. ولكنها نهاية او تتويج لصيرورة طويلة عريضة وليست بداية. وكل المعارك الخاصة بحرية التفكير والنشر والتعبير وكذلك من اجل المدرسة العامة المجانية الإجبارية وبرامج التعليم المفرغة من اللاهوت الطائفي المسيحي دارت حولها. انظر كتاب إميل بولا المختص بالموضوع: الحرية، العلمانية: حرب شطري فرنسا ومبدأ الحداثة.
لاحظ أنه قال: حرب شطري فرنسا، أي الشطر الكاثوليكي والشطر العلماني. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي دار على مدار ثلاثة قرون قبل أن يحسم لصالح العلمانية والحداثة.

كل تاريخ فرنسا منذ القرن الثامن عشر وحتى بدايات العشرين هو عبارة عن حرب طاحنة بين الشطر الكاثوليكي الرافض للعلمانية والجمهورية والذي يحن رجعيا إلى العهد الملكي القديم الذي أطاحت به الثورة الفرنسية، والشطر العلماني الرافض للأصوليّة المسيحية والعهد الملكي القديم. وبعد أن تحرّر المجتمع في شرائحه العريضة من هيمنة الكنيسة ورجال الدين انتصرت العلمانية في فرنسا. وبالتالي فلا أرى أي فرق بين تجربة العلمانية في الغرب وما قد يحصل عندنا أو ما نرجوه أن يحصل من تقدم وحداثة وعلمانية. العلمانية إما أن تكون كاملة متكاملة تشمل الدولة والمجتمع أو لا تكون..ولأنها لم تشمل المجتمع في تركيا حتى الآن أو قل لم تتغلغل في الشرائح الشعبية بما فيه الكفاية فان الأصوليّة عادت إلى المسرح من جديد. أما في فرنسا فهل يعقل حصول نفس الشيء: أي عودة رجال الدين إلى الساحة وانتكاسة العلمانية؟ من رابع المستحيلات. وذلك لأن العلمانية أصبحت مترسخة في كافة شرائح الشعب الفرنسي والمعركة حسمت تماما.
بالمقابل لا يسعنا إلا نوافق المؤلف كل الموافقة على نهاية خاتمته حيث يقول كلاما موفقا في الصفحتين 95.96 عن الإسلام الجميل المروحن على صعيد التجربة الفردية الشخصية، والإسلام غير المؤدلج على صعيد المؤسسة الدينية المجتمعية. وحيث يقول أيضا بأن العلمانية، كالديمقراطية، ليست "ثمرة برسم القطف، بل هي بذرة برسم الزرع". والتربة الأولى التي يمكن أن تزرع فيها هي التربية العلمانية..ثم يدعو المؤلف، بحق، إلى ضرورة إحداث ثورة في العقليات. وذلك لأنه في "صندوق الرأس" وليس في "صندوق الاقتراع"، يمكن أن نشق الطريق إلى الحداثة بركيزتيها الأخريين: الديمقراطية والعقلانية. كلام جميل ولا زائد لمستزيد. لاحظ هذا المصطلح الناجح: صندوق الرأس مقابل صندوق الاقتراع.
لا ينبغي أن نستهين باختراع المصطلحات لدي المفكرين. فكل مفكر مهم أو له معنى يخترع مصطلحاته الخاصة لأن الفكر الجديد بحاجة إلى عكازات يتكئ عليها: أي إلى لغة جديدة ومصطلحات جديدة. وهنا أيضا يثبت طرابيشي انه مفكر أصيل ومقتدر.

ولكني لست موافقا على التقعر اللغوي لأحد أساتذته في الجامعة والذي اعترض على ترجمته لكتاب سارتر: ما هو الأدب. انظر الصفحة 150. فإذا كان هذا غلطا بحسب المقاييس النحوية القديمة فانه غلط شائع جدا وبالتالي فقد أصبح مشروعا من كثرة الاستخدام. والغلط الشائع أفضل أحيانا من الصح المتقعر. يمكن بالطبع أن نقول: ما الأدب؟ ولكني لا أرى أي حرج في استخدام الترجمة الأولى: ما هو الأدب؟ كلتاهما صحيحة. لقد آن الأوان لكي نعترف بالتطور اللغوي للعربية ولأن نقترب بها قدر الإمكان من لغة التخاطب، من نبض الحياة وإلا فإننا سنحكم عليها بالموت. أنا هنا من جماعة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة لا من جماعة العقاد الذي اعترض على بيت جبران من قصيدته الرائعة الشهيرة:
هل تحممت بعطر وتنشفت بنور؟

العقاد يريد له أن يقول: هل استحممت لأنها الأصح لغويا ولكن عندئذ يفقد البيت شاعريته وعبقريته..ثم إننا لا نقول في اللغة اليومية استحممت وإنما تحممت. فلتتغذَّ الفصحى من العامية إذن فعلى هذا النحو تظل اللغات حية ولا تموت. ولذلك فاني انزعج جدا جدا من المتقعرين لغويا، من أولئك الذين يمارسون دور البوليس اللغوي عليك بمناسبة وبدون مناسبة. بسّطوا اللغة أيها الإخوان قبل أن تصبح جافة ميتة وينصرف عنها الناس من كثرة القيود والتقاليد الخانقة. اللغة العربية إذا ما أرادت أن تستمر بحاجة إلى تبسيط كبير في نحوها وصرفها وأساليبها وكل شيء..نريد لغة قريبة من الحياة لا بعيدة عنها ولا مفصولة عنها. يضاف إلى ذلك أن لغتنا بحاجة إلى عشرات الآلاف من المصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة لكي تستطيع أن تستوعب علوم العصر في كافة المجالات، لكي تكون قادرة على التعبير عن أعقد الأفكار والفلسفات والنظريات. وبالتالي فحلوا عنا أيها المتقعرون واتركونا نشتغل ونتنفس ونبدع ونعبر بكل حرية عما يجول في خواطرنا!.. اتركونا نشتق ونخترع الآلاف والآلاف من المفاهيم والمصطلحات والتركيبات اللغوية الجديدة. إنهم من كثرة حبهم لها سوف يخنقونها: ومن الحب ما قتل.هذا ما أريد أن أقوله لأستاذ جورج طرابيشي في جامعة دمشق وكذلك لأساتذتي الذين كانوا ينظمون لنا لوائح بوليسية طويلة عريضة بعنوان: قل، ولا تقل! هل سنعود إلى عصر الأصمعي؟ في هذه الحالة كل مقالاتنا في الجرائد والمجلات والكتب خطأ في خطأ من الناحية اللغوية الأرثوذكسية. ذلك أنه توجد أصوليّة لغوية أيها السادة وليس فقط أصوليّة دينية. وفي معظم الأحوال تكونان متلازمتين. فالمتقعر لغويا يكون عادة محافظا من الناحية الدينية هذا إن لم نقل رجعيا..

ثم رحت أتجول سائحا تائها في كتاب الهرطقات هذا على غير هدى حتى وصلت إلى الفصل المخصص للدكتور عبد الرحمن بدوي فكدت أموت من الضحك والاستمتاع. نعم لقد قرأته بنهم ومتعة حقيقية وانفجرت بالضحك عندما وصلت إلى المقطع الذي يقول فيه بدوي بأنه دبر مع عصابته كميناً للعقاد في إحدى الزوايا المظلمة وانهالوا عليه بالضرب والرفس لتأديبه وإسكاته!..ص 185. والواقع أن العنف اللفظي لعبد الرحمن بدوي ضد خصومه من المثقفين، وما أكثرهم ليس إلا المعادل الموضوعي للعنف الجسدي. فإذا لم يستطع أن يضربك فعليا فانه ينتقم منك عن طريق الشتم والسباب وبأفظع الكلمات..والكلمات هنا ليست إلا تعويضا عن اللكمات التي لا يستطيع تسديدها لك. ولو استطاع هذا الرجل لربما صفى جسديا ثلاثة أرباع المثقفين العرب على الأقل. ليس غريبا إذن أن يكون معجبا بهتلر والنازية..انه فاشي حقيقي. ولا أعرف ما هي القيمة الحقيقية لمثقف كهذا حتى ولو بلع آلاف الكتب..ولكن الفصل يبقى ممتعا لأنه يؤرخ لحقبة هامة من تاريخنا السياسي والثقافي. وفي نهاية الفصل لا تملك إلا أن تطرح هذا السؤال: ما قيمة مثقف لا هدف له إلا شتم أعلام الفكر والأدب العربي من محمد عبده إلى احمد أمين إلى العقاد إلى طه حسين إلى نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم الخ.؟ وهل يمكن لمثقف يؤسس حياته كلها على شتم الآخرين وحسدهم والحقد عليهم أن يكون مثقفا بالفعل؟ هنا لا بد من تذكر تلك الكلمة الشهيرة لفرانسوا رابليه أحد كبار مفكري عصر النهضة في فرنسا: علم بلا ضمير هلاك للروح. فالعلم إذا لم يضيء أرواحنا من الداخل، إذا لم يجعلنا أفضل مما كنا عليه سابقا لا معنى له. والإنسان الأمي البسيط قد يكون أفضل بألف مرة من اكبر خريجي السوربون وهارفارد..وهذه حقيقة نص عليها بشكل آخر جان جاك روسو في خطابه الأول الشهير. وقد أيده كانط في ذلك أيما تأييد. وفي نهاية الفصل تتساءل: إذا لم تجعلنا المعرفة إنسانيين أكثر، إذا لم تجعلنا أخلاقيين وطيبين ومحبين للخير فما نفعها وما جدواها؟ ربما كان عبد الرحمن بدوي هو اكبر مثال في تاريخنا الثقافي المعاصر على ذلك الانفصام المريع بين التبحر الأكاديمي الهائل من جهة، والخراب الأخلاقي والروحي من جهة أخرى. ولكنه للأسف ليس الوحيد!

ينبغي أيضا أن نتوقف لحظة عند الفصل المخصص لأستاذنا وأحد روادنا صادق جلال العظم فهو ممتع ومهم لأنه يوضح إشكالية أساسية من إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة. والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل يحق للمثقف أن يتدخل في "معتقدات الناس" كما يقول صديقنا الدكتور احمد برقاوي أم لا؟ أليس من العبث إعلان "الحرب ضد المقدس" كما يقول صديقنا المفكر الآخر الدكتور عبد الرزاق عيد إذا كانت تستهدف الإسلام الشعبي الوطني لا الإسلام الرسمي ولا الإسلام النكوصي الظلامي؟ هل فهمتم شيئا؟ ما الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة من الإسلام يا ترى؟ لاحظ الديالكتيك المطاط والسفسطائي البارع الذي ورثه الدكتور عبد الرزاق عيد عن العهد الشيوعي..ولكنه الآن يضعه في خدمة أصوليّة أخرى غير الأصوليّة السابقة بل ومضادة لها! فسبحان مغير الأحوال..إذ أقول ذلك لا يعني أني أستهين بانجازاته الفكرية والنقدية الأخرى في أفضل ما أعطاه. فهي ليست قليلة.
ينبغي الاعتراف بأن هذا الانقلاب أو الانتكاسة إلى الوراء لم تعد تقتصر على مثقف واحد أو اثنين وإنما أصبحت تشمل أكثر فأكثر العديد من المثقفين العرب الذين كنا نعتقد أنهم بمنأى عن العدوى الأصوليّة فإذا بنا واهمون.. في كل يوم نفاجأ بسقوط واحد جديد في هذا المغطس القديم. القصة أصبحت موضة تقريبا! بل والبعض أصبح يفتخر بها ويهدد الآخرين علنا وبخاصة إذا ما أنعم الله عليه وأنجبه في مناطق الفرقة الناجية أو الأغلبية الطائفية! ألم أقل لكم بأن التقدمية العربية في معظمها ليست إلا فقاعة صابون أو زبدا يرغو على السطح: سطح الأعماق الطائفية والمذهبية الراسخة؟ وسوف يظل الأمر كذلك ما لم يحصل نقد راديكالي للموروث الإسلامي تماما كما حصل للمسيحية في أوروبا على يد فلاسفة التنوير. هذا النقد ينبغي أن يشمل جميع المذاهب والطوائف دون استثناء أقلّية كانت أم أكثرية.

وفي الختام اسمحوا لنا أيها السادة أن نطرح هذا السؤال البسيط:
ماذا نفعل إذا كانت الأصوليّة بكل أشكالها وأنواعها ومذاهبها قد أصبحت مشكلة حقيقية بل وتهدد الوحدة الوطنية لمعظم البلدان العربية؟ هذه لم تعد معتقدات شخصية مسالمة يعيشها المرء بينه وبين نفسه أو بينه وبين ربه وإنما هي إيديولوجيا سياسية علنية تكفر شرائح واسعة من السكان وتهدد السلم الأهلي. بل وتخلع المشروعية الدينية اللاهوتية على الاغتيالات الطائفية. إنها تذبح على الهوية! نحن لسنا هنا في سويسرا أو السويد لكي نقول بأنها معتقدات روحانية شخصية ميتافيزيقية لا تؤذي أحدا ولا تشكل خطرا على احد. نعم ان نقد الدين كما يقول ماركس في عبارته الشهيرة التي يستشهد بها طرابيشي بكل براعة هو بداية كل نقد. وأضيف قائلا: لا معنى لتحرير الأرض قبل تحرير السماء، كما يقول فيلسوف تنويري آخر هو: البارون هولباك. فالحاكمية النازلة من السماء عموديا هي التي تتحكم بالأرض وكذلك ولاية الفقيه. ونحن تعبنا من هذه وتلك ونرفضهما كليهما حتى ولو تعلقت بهما نسبة تسعين بالمائة من الشعوب العربية والإسلامية. نحن نريد أن نقطع حبل السرّة مع اللاهوت السياسي. وسوف نفعل المستحيل لتفكيكه وتعريته على حقيقته كما فعل سبينوزا ومن تلاه بالنسبة للتراث اليهودي المسيحي. هذا من حقنا بل ومن واجبنا. ولكن عبد الرزاق عيد على حق إذ يقول بأن هذا العمل لا ينبغي أن يتم بشكل مراهق فكريا أو متسرع أو تعسفي أو استفزازي. وأضيف: ينبغي أن يتم على مراحل وبهدوء ومع مراعاة الحساسيات الشعبية بقدر الإمكان. فالتنوير لا يحصل بين عشية وضحاها وإنما على مراحل. وكلما بلعنا مرحلة او هضمناها جيدا ننتقل إلى الأخرى لكيلا تحصل انتكاسة ونخسر ما كنا قد أنجزناه سابقا. وتجربة أوروبا الرائعة خير دليل على ذلك. ولكننا في نهاية المطاف مضطرون للاشتباك مع هذه الأشياء "المقدسة" لأنها لن تدعنا نبني مجتمعا مدنيا متآخيا متسامحا متعايشا مع بعضه البعض بكل محبة وتضامن ما دامت مسيطرة على العقول. كيف يمكن تحقيق التنمية والتطور والانسجام في بلد يكفّر قسم منه قسمه الآخر ويحاول أن يفرض الإكراه في الدين على الجميع؟ كيف يمكن أن تعيش مع شخص أو تأكل معه على نفس الطاولة او حتى تتجاور معه مجرد جيرة إذا كان يعتقد في أعماقه بأنك كافر يحق ذبحك بل انه واجب يتقرب به إلى الله تعالى؟ هنا يصبح التدين مشكلة حقيقية لا قضية فردية على الإطلاق. انه مشكلة اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى. انظر ما فعله السلفيون في منطقة طرابلس بأحد مقرات الحزب القومي السوري الاجتماعي حيث هجموا عليهم بوحشية وقطعوهم إربا إربا حتى بعد أن استسلموا ورموا أسلحتهم! ثم اكتشفوا بعدئذ أن معظمهم من المسلمين السنة ما عدا واحدا أو اثنين من المسيحيين..هذا هو الإسلام الشعبي الوطني! كل تاريخ أوروبا يثبت أنها لم تقلع حضاريا الا بعد أن تخلصت من هذا المفهوم التكفيري الظلامي المتعصب للدين وأحلت محله مفهوما متسامحا، حرا، مستنيرا بضوء العقل. هم أيضا ذبحوا بعضهم البعض على الهوية قبل أن يكتشفوا أنهم يدمرون بلادهم ومستقبل أطفالهم فكفوا عن ذلك. ولكنهم لم يكفوا إلا بعد أن ظهر في أوساطهم مفكرون أحرار يضعون النقاط على الحروف ولا يساومون ولا يهادنون الباطل حتى ولو كان يخدع تسعين بالمائة من الشعب. ومعلوم أن جان جاك روسو مؤسس الحداثة السياسية والفلسفة الإنسانية في الغرب قال بما معناه: كل شخص أو كل تنظيم يكفر الآخرين ويزعم بأنه يمثل الفرقة الوحيدة الناجية ويمتلك الحقيقة الإلهية المطلقة بين يديه ينبغي نبذه من الساحة السياسية وعدم التعامل معه على الإطلاق لأنه يشكل خطرا على المجتمع ككل. وكان يقصد بذلك الإخوان المسيحيين وبالأخص اليسوعيين الكاثوليك الذين كانوا يسيطرون آنذاك على شرائح شعبية واسعة داخل المجتمع الفرنسي. هؤلاء مفكرون كبار لا ينبطحون أمام الأصوليّين من أول مواجهة، مفكرون يعرفون كيف يفككون العقائد السلفية الانغلاقية العدوانية من جذورها وأساساتها. بعد أن كشفوا أنها تقتل كلام الله والإنسان في آن معا انهارت من تلقاء ذاتها. نسيت مؤلف ذلك الكتاب بالفرنسية والذي يحمل العنوان المعبر التالي: الإيمان الذي يقتل! نعم هناك إيمان يقتل، وهناك إيمان يحيي العظام وهي رميم. ونحن نستهدف الأول لا الثاني لأنه أصبح يشكل خطرا على مستقبل العرب كل العرب. بل وأصبح عارا عليهم أمام البشرية جمعاء لأنه شوه رسالة الإسلام الحنيفية السمحاء في شتى أقاصي الأرض. لم يعد أحد يتجرأ على أن يقول بأنه مسلم أو عربي في أي مكان من العالم. ثم يريدوننا بعد كل ذلك أن نسكت ونخرس وألا نعتدي على معتقدات الناس! معتقدات الناس هي التي تعتدي علينا وتشوه صورتنا ولسنا نحن الذين نعتدي عليها. الخميني أيضا كان يمثل الإسلام الشعبي الوطني في أعلى ذراه جماهيرية وتجييشا ورأينا إلى أين أدت ثورته العظيمة المباركة! أين هي الاستنارة في هذا الإسلام الشعبي الوطني؟ بل أين هي الوطنية هو الذي دق إسفينا عميقا في جسد الوحدة الوطنية لمعظم البلدان العربية وأشعل النار الطائفية؟ والله لقد أحدث فتنة أخشى ألا تقوم منها بلداننا إلا بعد خمسين سنة ، هذا إذا قامت..
السبت 3 كانون الثاني (يناير) 2009


عن الاوان

mison

عدد المساهمات: 725
تاريخ التسجيل: 09/10/2010

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف mison في الجمعة يونيو 01, 2012 9:59 pm

أولا أقدم خالص شكري لصديقنا علي، صاحب المكتبة، ولصديقنا عبد الغني على مقال هاشم صالح، الممتع والقيم. بعد ذلك أدعو جميع الأصدقاء لقراءة المقال، كما ألفت نظرهم إلى ماورد فيه من حقائق واستنتاجات صادقة وقائمة على استقراء عميق للواقع الثقافي العربي (ولنلاحظ أن المقال مكتوب في أغسطس عام ٢٠٠٩، أي قبل الربيع العربي بحوالي سنة ونصف تقريبا). يقول هاشم صالح، في أحد مواضع المقال: "... لا ديمقراطية بدون علمانية وإلا فإننا سنعيد إنتاج الطائفية (الأصولية، الإسلام السياسي، إلخ.) وهيمنتها إلى أبد الآبدين، وفي هذه المرة عن طريق صناديق الاقتراع ...". كما تقول عبارة الطرابيشي، الشىء نفسه، تقريبا: "العبرة بصندوق الرأس لا صندوق الاقتراع". أليست مقولة هاشم صالح والطرابيشي هذه مقولة دقيقة وواقعية إلى أبعد الحدود، وقد أثبتت صدقها فيما بعد، الأحداث اللاحقة. ومع ذلك، ورغم أننا هنا بصدد حقيقة صلبة من حقائق الواقع، إلا أن نفور البعض من الحقائق الصلبة يشعرني بأنني مضطر، كلما أشرت إلى حقيقة منها، إلى التذكير دوما بأن الكلام عن الحقائق الصلبة لا يعني أبدا التقليل من قيمة وأهمية الربيع العربي. بل إنني أرى أن قدرتنا على استثمار الفرصة التاريخية النادرة التي منحنا إياها، الربيع العربي، يتوقف كلية على مدى استعدادنا للاعتراف بحقائق الواقع، بعيدا عن أي حماس أو عاطفة، وعلى مدى قدرتنا على فهم هذه الحقائق والتعامل معها وتحويلها تحويلا إيجابيا تتحقق به أهدافنا وطموحاتنا.

شكرًا للجميع

بدون

عدد المساهمات: 1201
تاريخ التسجيل: 05/09/2010

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة أغسطس 31, 2012 12:24 am


جورج طرابيشي:بسبب اسمي فشلت أن أكون مناضلاً عربياَ!


1- كان أول فشل لي في حياتي مولدي. فقد ولدت في أسرة عادية، وكنت أتساءل في أول خطواتي التفكيرية (وأنا طفل) لماذا لم أولد من أسرة نبيلة أو أميرية، ثم اكتشفت بعد سنوات عديدة، وأنا أطالع كتابات سيغموند فرويد، أن الأطفال الذين يحلمون بالولادة من أسرة وهمية أنبل من أسرتهم الفعلية، هم الأطفال المرشحون الأكثر من غيرهم للتثبيت في العقدة الأوديبية.

.2- ثاني فشل في حياتي هو اسمي. فقد ولدت عام 1939م، وفي حينه كانت سورية قد بدأت تشهد نضوجاً للوعي القومي، تمثل فيما تمثل في إقدام الأسر على تسمية أبنائها بأسماء عربية لا تدل على انتمائهم الديني أو الطائفي، فضلاً عن أن تعريب الأسماء كان شكلاً من أشكال المقاومة للمستعمر الفرنسي، وبالفعل، فإن أبي الذي كان على صلة ما بالحركة الوطنية سمى جميع أخوتي بأسماء عربية: سمير، وجلال، وفائز. إلخ، باستثنائي أنا، وحين سألته عن السر في ذلك أجاب: أنت ابني البكر، وكان لابد أن أسميك باسم جدك. فهذا تقليد لا يمكن أن نشذ عنه.وبالفعل، فقد بقيت أتألم من اسمي، بوقعه الأجنبي ودلالته الطائفية، حقبة مريرة من الزمن. ثم بدأت أتصالح معه عندما اكتشفت أنه من أصل يوناني، وأنه يعني باليونانية: «شغيل الأرض»، أي الفلاح، وأنه ليس أجنبياً خالصاً، بل ذو أصل سامي: فهو مشتق من «الجين»، وتعني بالسامية الأرض ومنها أيضاً اشتقت كلمة «جغرافيا».ثم كانت مصالحتي التامة مع اسمي عندما اكتشفت من قراءاتي في التراث العربي الإسلامي أن واحداً من كبار المحدثين المكيين كان يحمل الاسم نفسه، ولكن بصيغة أكثر تعريباً: ابن جريج.

3- ومما أذكره من أنواع الفشل في حياتي فشلي في عد النجوم.فأنا لم أكن سهل النوم، وكما في الصيف، في حلب، ننام على الأسطحة. فتحداني أبي ذات ليلة - وقد لاحظ امتناع النوم عن جفوني - أن أعد النجوم في السماء الصافية، فقبلت التحدي وشرعت بسذاجتي الطفولية أعد النجوم نجماً نجماً وبطبيعة الحال، فقد فشلت، ولكني نجحت بالمقابل في النوم، وما كنت أدري أن العد «للنجوم أو مجرد الأرقام بتسلسلها» هو أجدى وسيلة لقتل الأرق.

4- فشلت أيضاً في القفز في السباحة، فقد كان رفاقي يتبارون في القفز في حوض السباحة من أعلى السلم. وقد حاولت أن أقلدهم. ولكن بدلاً من أن أسقط في الماء على رأسي، سقطت على بطني وتوجعت وجعاً كثيراً، ومنذ ذلك اليوم امتنعت عن القفز في الماء على الرأس، وصرت لا أنزل إلى حمام السباحة إلا على قدمي.

5- فشلت في أن أكون لاعب كرة قدم، فقد كان أولاد حارتي ينظمون مباريات تنافسية مع أولاد الحارة المجاورة. فانضممت إلى الفريق وشاركت في عدة مباريات. ولكن ذات مرة تلقيت الكرة - وكانت عنيفة - برأسي وأصبت بصداع شديد اضطرني إلى أن أقاطع الملعب بصورة نهائية.

6- كان الاقتتال بالملاكمة واحدة من هوايات أبناء حارتي. ولكن بنيتي النحيلة في طفولتي منعتني بصورة نهائية أيضاً من أن أكون «بطلاً» لا في الملاكمة، ولا في المصارعة، ولا في جميع أشكال المواجهة التي تتطلب قوة عضلية.ترى أكان ذلك هو دافعي إلى التوجه نحو القوة الفكرية؟

7- كانت حفلات الأعياد والموالد والأعراس كثيرة في حارتنا. وكان الغناء الجماعي شائعاً في تلك الحفلات، ولكن في كل مرة كنت أنبري فيها للمشاركة في الغناء كان الحضور يطلبون مني في الحال أن أمتنع عن الغناء، فقد كان صوتي - قبل بلوغي - منكراً، فضلاً عن أن أذني كانت ناشزة.

8- بالفعل إن أذني لم تكن في يوم من الأيام موسيقية، فرغم امتلاكي من صغري ناصية اللغة العربية، ورغم إتقاني لعلم العروض المجرد، فقد فشلت في أن أنظم بيتاً واحداً من الشعر.

9- كما فشلت في أن أكون شاعراً، ولو ليوم واحد، فقد فشلت في أن أكون روائياً، فما أكثر ما كتبت وما مزقت من مخطوطات ومشاريع روايات، ولكن مقابل فشلي هذا نجحت في أن أكون ناقداً روائياً، وبذلك يكون قد انطبق علي القول السائر:إن تحت جلد كل ناقد ناجح روائياً فاشلاً.

10- فشلي الثقافي الآخر يكمن في علاقتي باللغات الأجنبية، فرغم أنني أتقنت الفرنسية قراءة وكتابة، وترجمت منها إلى العربية عشرات الكتب، فإنني لم أنجح قط في أن أتقنها نطقاً، والعجيب أنه حتى بعد أن انقضت على إقامتي في مغتربي بفرنسا خمس عشرة سنة كاملة، فإني ما زلت إلى اليوم أتلعثم بالنطق بالفرنسية والرطن بها.

11- فشلي في مقاومة الزمن، فقد كنت أتعجب في شبابي من توفيق الحكيم- وكان من أحب الكتاب إليَّ- عندما كنت أجده في العديد من نصوصه يلح كل ذلك الإلحاح على حتمية قانون الزمن، وكنت في اندفاعي الشبابي أتوهم أنني لن أشيخ أبداً. ولكن ها أنذا أطرق أبواب الشيخوخة واكتشفت، مثلي مثل جميع الآخرين من شيوخ البشر أن ما بقي من الحياة أقل بكثير مما تقدم منها.

12- فشلي الأكثر في حياتي هو الهزيمة العربية في حزيران 1967م ،ولكن هذا ليس «فشلي» بل هو فشل جيلي بأكمله، إنه فشل الأمة ومما يرعبني أن أفكر، مجرد التفكير، بأن الحياة لن تمتد بي بما فيه الكفاية لأرى نهاية هذا الفشل، ولا أدري هل ستكون له من نهاية أصلاً.

13- فشلت في أن أكون غنياً، فرغم أني تجاوزت الستين، وكتبت وترجمت نحواً من مئتي كتاب، فإني مازلت مضطراً حتى اليوم إلى العمل والكتابة الصحفية لتأمين القوت اليومي، ولكن لكي أكون واضحاً، فأنا ما أحببت قط الغنى للغنى، ولكن كنت دوماً أحلم بأن يكون لي دخل متواضع، ولكن كاف لكي أتفرغ تفرغاً تاماً للكتابة. وهذا ما لم أنجح فيه إلى اليوم.

14- فشلت في تحقيق حلم زوجتي، لا حلمي، في أن ننجب ولداً ذكراً، فنحن لم نرزق سوى بنات، ثلاث بالعدد لأصارح القارئ بأنني سعيد بذلك ، لا حزين. فأنا قد ولدت في أسرة تتألف من ستة إخوة من الذكور، وكنت منذ طفولتي أحلم وأتمنى لو كانت لنا، نحن الستة أختاً تلقي على وجودنا الذكوري شيئاً من الدفء والأنس الأنثوي.ولذلك عندما رزقت ببنت أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، سعدت وبقيت سعيداً.ولكن زوجتي في المرة الثالثة بكت، فقد كانت تريد ولداً ذكراً. وأنا أفهمها وأفهم رغبتها هذه، ولكني مع ذلك فرح، ولو كنا رزقنا ولداً رابعاً، فإني كنت سأرحب بأن يكون.. بنتاً.

15- حاولت عبثاً أن أهتدي إلى فشل خامس عشر في حياتي، كما طلبت مني هيئة تحرير مجلة «المعرفة» فليكن إذاً هذا الفشل هو الفشل الأخير المطلوب.

بدون

عدد المساهمات: 1201
تاريخ التسجيل: 05/09/2010

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة أغسطس 31, 2012 12:30 am

حوار مع جورج طرابيشي




حول العَلمانية في الإسلام والمسيحية

"روحنة" الدين مدخل إلى الحداثة

ولا وجود لكلمة "دولة" في النصِّ القرآني

نحتاج إلى ثورة لاهوتية وإلى لوثر مسلم


مناسبة الحوار مع المفكر والباحث والمترجم جورج طرابيشي كانت محاضرته التي ألقاها في الجامعة الأمريكية في بيروت [...]، بدعوة من برنامج أنيس الخوري المقدسي، تحت عنوان "بذور العلمانية في الإسلام" والتي أثارت سجالاً وأسئلة.

ولا يمكن للمرء إلا التوقف في إعجاب حيال مساهمة جورج طرابيشي القيِّمة في الثقافة العربية. ففي البداية، ترجم فرويد وهيغل ومعجم الفلسفة وتاريخ الفلسفة وغيرها من الكتب التي فاقت 220 كتابًا. ثم ساهم في الكتابة النقدية بكتب مثل مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة وشرق غرب: رجولة وأنوثة ومن النهضة إلى الردة، وصولاً إلى نظرية العقل وسلسلة "نقد نقد العقل العربي"، ردًّا على محمد عابد الجابري وإعادةً للبناء، إلى آخر كتب تلك السلسلة: العقل المستقيل في الإسلام؟

يتطرق طرابيشي في حديثه إلى إشكاليات أساسية مفصلية في الثقافة العربية، وينهمك في تجربته وجهوده النقدية في بناء رؤية تعيد إلى العقل اعتبارَه وإلى المنهجية حضورَها، ناهيكم عن جرأة القول وصدقية الممارسة والانفتاح على الآخر، كمقومات لا بدَّ منها في معركة الحداثة.

س.ب.

***

لماذا لم تَنْمُ، في رأيك، بذورُ العَلمانية في الإسلام نصًّا وممارسة؟ وهل هناك تجربة تاريخية يمكن البناء عليها واعتبارها "عَلمانية" في التاريخ الإسلامي؟

لا ننسى أن الإسلام، أولاً وأساسًا، هو دين، وينتمي، تاريخيًّا وروحيًّا، إلى "الشجرة الإبراهيمية"، أي إلى الأصل المشترك للديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، التي تعتبر إبراهيم المنطلق والسلف المشترك لهذه الديانات الثلاث. المهم أن في البنية المشتركة لهذه الديانات الثلاث، القائمة على الوحي والنبوة، ما يُسمَّى وحدة البُنى الأسطورية؛ وأعتقد، بالتالي، أن ما يصح على الديانتين الأولى والثانية، في معنى ما، يصح على الإسلام. ولا أعتقد أن هناك تجربة تاريخية كبيرة لليهودية في هذا المجال، إذ بقيت ديانة قومية؛ والمقارنة الأساسية الممكنة هنا هي بين الإسلام والمسيحية. فالمسيحية، كما يقال في استمرار، تحمل في أساسها بذرةَ العَلمانية في صورة العبارة الإنجيلية المشهورة: "أعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله" [إنجيل متى 22: 21] – هذه الجملة التي كانت الوجه الأكبر للعَلمانية، أو لإمكانٍ ما لها، أو لفصل الله عن القيصر أو فصل الدين عن الدولة.

وثمة، في المقابل، أشياء كثيرة في القرآن والحديث تشي بنظرة عَلمانية، أشهرها حديث "تأبير النخل": فقد مرَّ الرسول بحيٍّ من أحياء المدينة، فسمع أزيزًا استغربتْه أذنُه، فقال: "ما هذا؟" فقالوا له: "إنهم يؤبرون النخل"، أي يلقحونه. فقال: "لو لم يفعلوا لصَلُح"، فلم يفعلوا. فجاء النخيل – كما يقول الحديث – شيصًا (أي لم يثمر). فأتوا إليه يعاتبونه، وقالوا له: "قد فعلنا بنصيحتك ولم يثمر النخل." قال لهم: "إنما أنا بشر ولست بزارع، وأنتم أعلم بشؤون دنياكم مني." وفي حديث آخر يقول: "لكم دنياكم، ولي آخرتكم." وفي موضوع آخر: "وما قلته عن الله فهو حق، وما قلته من قِِبَل نفسي فأنا بشر أخطئ وأصيب." إن التمييز الذي يقيمه الرسول، كناقل للوحي الإلهي وكبشر يخطئ ويصيب ويتصرف كبشر في شؤون الدنيا، لا يقل بدلالته، لو أُحسِنَ توظيفُه، عن دلالة العبارة الإنجيلية المشهورة. والفارق الكبير أنه في المسيحية ليس انطلاقًا من هذه العبارة بدأتْ العَلمانية؛ إنما بدأت عندما تَعَلْمَن الغرب، فاكتشف أهمية هذه الجملة في الإنجيل ووظَّفها في توطيد العَلمانية وتوكيد الفصل بين الديني والدنيوي. لكن علينا ألا ننسى أن الغرب نفسه، بطبيعته المسيحية، خلط بين الدين والدولة على مدى ألف وخمسمائة سنة، منذ أن تنصَّرت الدولة على يد قسطنطين في العام 335 ميلادية حتى قيام الثورة الفرنسية وما بعدها، فكانت الدولة تُسمَّى بـ"الإمبراطورية الرومانية المقدسة" و"الإمبراطورية الجرمانية المقدسة". فأين فعلت هذه العبارة فعلها في المسيحية؟ اكتُشِفَتْ بعدما تَعَلْمَن الغرب توكيدًا منه على صيرورة العَلمانية. وأنا متفق مع الأب يواكيم مبارك الذي لاحظ أن الكثير من المستشرقين والمتعاملين بالإسلاميات، وحتى بعض السياسيين من أصحاب المصالح، كانوا يستعملون هذا القول الإنجيلي كهراوة ضد الإسلام: أي أننا "متعلمنون" في الأساس وأنتم "غير متعلمنين"، وصعب عليكم أن تدخلوا الحداثة مثلما دخلناها نحن!

فوارق التجربة التاريخية

لكن ما هي الفوارق على مستوى التجربة التاريخية؟

الفارق الكبير ليس بين قضية البذور الأولى والأفكار الأولى للعَلمانية فيهما، لأن مَن يُعرِّف بالإسلام بأنه "دين ودولة" (وهذا التعبير شاع بفضل حسن البنَّا) يغالي: لاحظ أن كلمة "دولة" لا أثر لها في النص القرآني ولا في الحديث، وتعبير "دولة" هو إسقاط من الحداثة على الإسلام؛ إذ لا نرى لدى مراجعة ألوف الأحاديث الصحيحة والموضوعة أثرًا لهذا التعبير.

الفارق الكبير في التجربة التاريخية أن المسيحية مرَّت في ثلاثة قرون، قبل أن يتنصَّر قسطنطين، وهي لا علاقة لها بالسياسة، بل كانت تجربة روحية خالصة؛ ثم تداخَل الدينُ والدولة مع تنصُّر قسطنطين. أما في الإسلام، فإن الفترة التي دامت ثلاثة قرون في المسيحية استغرقت ثلاث عشرة سنة في الإسلام، وهي الفترة الفاصلة بين الإسلام الروحي والإسلام الدنيوي، الفترة المكِّية، أي إسلام الروح الخالص؛ وتلك المرحلة غنية بأحكام الآخرة. لكن لما هاجر الرسول إلى المدينة، بدأت تظهر في القرآن الأحكام التي تتعلق بالدنيا وشروط العبادة، وتغيرت، بالتالي، طبيعةُ العلاقة بين الدين والدنيا في الإسلام المدني. ثم بعد عشر سنين، بدأ الإسلام يدخل المجال السياسي، في حين أن المسيحية بقيت ثلاثة قرون في مجال روحي خالص قبل أن تتحول إلى سلطة زمنية، مما مكَّنها من تطوير الروحانيات فيها أكثر. واجهت المسيحيةُ دولةً قائمة هي الإمبراطورية الرومانية، في حين أن الإسلام لم يكن ضمن دولة أو في مواجهة دولة. ولم تتأسَّس "الدولة" في حياة الرسول، بل مع الفتح وأبي بكر وعمر.

وفي مقابلة الفارق بين التجربتين، نلاحظ أن مسار العَلمانية أعسر في الإسلام منه في المسيحية. لماذا؟ لأن الإسلام اختلط منذ البداية بالتاريخ السياسي والزمني – من دون أن ننكر البذور الأولى بالطبع. والمتتبع للتاريخ الإسلامي، وخاصة بعد الخلافة الراشدة، يلاحظ الفصل بين السياسي والديني في إسلام الصدر الأول: جاء علي ونقل العاصمة إلى الكوفة، وجاء معاوية ولم يتردد في نقلها إلى دمشق، التي كانت عهد ذاك ذات غالبية مسيحية مطلقة؛ كذلك فعل العباسيون حين نقلوها إلى بغداد؛ ثم جاء الأتراك ونقلوها إلى القسطنطينية، وهي عاصمة المسيحية التاريخية الأولى.

والملاحَظ أنه عندما تدخلت السياسة أُعطِيَتْ الغلبةُ للسياسة على الدين، حتى في عاصمة الدولة. ثم عرف الإسلام انشقاقَه الكبير الثاني بين السلطتين في أحاديث نُسِبَتْ إلى الرسول لاحقًا عندما استأثر بنو أمية بالخلافة وظهر ظلمٌ كبير للشعوب المسلمة المحكومة: إذ ذاك ظهرت أحاديث ضد بني أمية، على سبيل المعارضة، تؤكد أن الرسول تنبأ أن خلافته ستكون ثلاثين عامًا ثم يكون بعدها "ملك عضوض". وعندما حاول معاوية أن يستكتب البيعة سلفًا لابنه يزيد ليكون خليفة من بعده فقال: "على سُنَّة الله ورسوله"، أجابه أحد الصحابة: "لا والله، أنت كذاب! إنما على سُنَّة كسرى وقيصر. فلا محمد ولا أبو بكر ولا عمر أورثوها لأولادهم." نلاحظ أنه في الوعي الإسلامي الأول كان التمييز بين كسرى والخلافة وشكل السلطة – ولا أقول هنا فصل بين السلطتين، بل بذور التمييز بين هاتين السلطتين. ثم سألاحظ أنه حين وقع الخلاف–الصراع السياسي في أيام الخلافة الراشدة، تقدمت السياسةُ على الدين. وحين يواجه المقدسُ le Sacréالمدنسَ le profaneتكون الغلبة للمدنس. وحتى يوم وفاة الرسول، وقبل أن يُدفَن حتى، جاء الخلاف الكبير في سقيفة بني ساعدة، وشُهِرَتْ السيوفُ والشتائم بين الأنصار والمهاجرين، وكان انقسام، واستُبعِدَ علي سلفًا، وحدث صراع سياسي، – صراع على السلطة لا يرحم، – ووُظِّفَ الدينُ من أجل السياسة، وبويع أبو بكر خليفة. وفي أثناء الخلافة الراشدة، تحولت الخلافة إلى مقتلة للمسلمين. لم يُقتَلِ المسلمون، سواء في الخلافة الراشدة أو الأموية أو العباسية أو الفاطمية، مثلما قُتِلوا في هذه الصراعات، وضحايا المسلمين في هذه المعارك تفوق ما تكبدوه في الفتوحات! لا بل أكثر من ذلك، ثلاثة من الخلفاء الراشدين قضوا اغتيالاً، وعثمان مُثِّل به؛ ومن الذين شاركوا في ذلك محمد بن أبي بكر، الذي بدوره لقي مصرعه، حيث أمسكوه وحشوه في جلد حمار وأشعلوا فيه النار! وقُتِلَ عبد الله بن الزبير والحسن والحسين، وحوصرت المدينة، وحوصرت مكة وضُرِبَتْ بالمجانق، من دون أية مراعاة لحرمة، وأُحرِقَتِ الكعبة. واستمر هذا العنف كله في الجيل الأول للصحابة، إذ غُلِّبت السياسةُ على الدين.

ولو قلت إن العَلمانية، في بعض تعريفاتها، مدُّ السياسة بالسؤدد في استمرار، فهذا واقع الدولة في الإسلام. وسألاحظ أن الخلفاء في العصر العباسي جميعًا، وخاصة بعدما سيطر البويهيون على السلطة، تركوا للخليفة السلطةَ الدينية، فوقع في الإسلام ما وقع في الغرب بين الباباوات والأباطرة والملوك: حصل صراع مماثل في الإسلام بين الخلفاء والأمراء والسلاطين. وقد ظهر ذلك واضحًا في أسمائهم: فأسماء الخلفاء، مثلاً، المتوكل على الله والمعتضد بالله والمعتصم بالله، في حين نجد لدى السلاطين أسماء من نحو: مُعز الدولة وسيف الدولة وعضد الدولة. وبات واضحًا التمييز أن الخلافةَ تنتمي إلى اللاهوت والسياسةَ إلى الدولة؛ ولم تكن السيطرة للخلفاء، بل للأمراء والسلاطين. تلك المظاهر والمقدمات كلها تدل على أن أسطورة الإسلام كدولة هي أسطورة إيديولوجية من صنع الحداثة، وليست حقيقة تاريخية من داخل الدين.

هذه المقدمات كلها لأقول إنه لن يكون أصعب بكثير على الإسلام من المسيحية دخولُ العلمنة. ففي المسيحية ليست بذور العَلمانية هي التي تطورت إلى شجرة وغابة، بل العكس: عندما اكتملت القطيعة المعرفية التي حقَّقها الغرب مع نفسه وتَعَلْمَن، عادت المسيحية إلى تاريخها، لتكتشف هذا التعلمُن وتبرِّره. وأعتقد أن الإسلام سيدخل هذه المرحلة، وسيعود إلى ماضيه فيما بعد، ليكتشف تلك البذور ويمنحها تسميةً جديدة. وهذا الأمر ضروري للإسلام نفسه، وسيساعده على أن يتحول من إسلام سياسي إلى إسلام روحي، تمامًا كما حصل في المسيحية. وهكذا تحررت المسيحية، بفضل العَلمانية، من ربقة السياسة وذلِّ السياسة. وأعتقد أنه قد آن الأوان ليظهر الإسلام الروحي، فينحِّي جانبًا الحاكمين والمعارضين ورجال الدين. الروحنة هي مدخل الإسلام إلى الحداثة. وعندما يحدث ذلك لن نرى ردود فعله الحالية، من عنف وكره ورفض للحداثة.

لا عَلمانية في عالمنا العربي

هل العلمنة آلية أم غاية إيديولوجية؟ وإلى أيِّ حدٍّ وُضِعَ هذا الشعار في الممارسة لدى أحزاب "عَلمانية" وصلت إلى السلطة في المجتمعات العربية؟

لا، لا، على الإطلاق، لأن العَلمانية لا يمكن لها أن تكون غاية إيديولوجية؛ إذ إنها تجمع المؤمن والملحد على حدٍّ سواء. العَلمانية هي نقطة التفاهم بين المؤمنين وسواهم. فاللاإيمان نوع من الإيمان في النهاية. العَلمانية هي المفصل واللولب الذي يجعل الدوائر كلَّها تدور. والعَلمانية، إذا تحولت إلى إيديولوجيا، تصير خطرة؛ والدليل يقدِّمه تاريخ العَلمانية. إنه ما نلاحظه في الدول الشيوعية مثلاً، لا لأنها لم تفصل الدين عن الدولة، بل لأنها عادت الدينَ ودخلت في معركة ضد الكاثوليكية وضد التنظيم الكنسي. وهي، في الواقع، لم تكن دولاً عَلمانية حقيقية، بل متأدلجة علمانيًّا، وقد حاربت الدين. الدولة العَلمانية الحقيقية لا تحارب الدين،بل تتيح حرية الدين للجميع.

وماذا عن الشعار والممارسة في تجربتنا العربية؟ – أعني الأحزاب العَلمانية التي وصلت إلى السلطة.

أحتج على كلمة "عَلمانية" في السؤال، ولا أعترف بوجود أيِّ حزب عَلماني إلى الآن في العالم العربي. هل هم في الحقيقة عَلمانيون؟! لم يحدث، مثلاً، توظيفٌ للدين في سوريا كما وُظِّفَ الدينُ أيام عبد الناصر في زمن الوحدة: فُتِحَتِ المساجدُ في الدوائر الرسمية، وجميع المناسبات والجلسات كانت تُفتتَح باسم الله. أقول إن الناصريين والبعثيين ليسوا أحزابًا عَلمانية وليسوا أحزابًا دينية. والحقيقة أن مأساة العَلمانية العربية تمثَّلت في أن الأحزاب التقدمية والشيوعية والبعثية أغفلت موضوع العَلمانية وسايرت الجماهير والإسلاميين كي لا تصدم الوعي الديني وكي تصل إلى السلطة. أعتقد أنها أحزاب "انتهازية"، بمعنى أنها أرادت أن تكسب الجماهير من دون أن تصدم وعيها. لم تكن أحزابًا طليعية بل أحزاب "جماهيرية"؛ ولذلك نحَّت قضية العَلمانية ولم تطرقها وتطرحها جِديًّا. أعتقد أن جميع هذه الديكتاتوريات التي أقامتْها، وكل الفشل في التجارب الذي حصدتْه، لا علاقة له بالعَلمانية. وأعتقد أن في هذا نقضًا لطبيعة العَلمانية بالذات. فالاستبداد، عندما يسد المنافذ، لا يترك غير منفذ واحد مفتوح هو الدين. وعندما تسد أبواب السياسة على الناس وتمنعهم من العمل السياسي تشل الديموقراطية. والنتيجة أن الاستبداد اليوم هو أكبر خادم للنزعات الدينية الأصولية في المجتمعات العربية.

في ظلِّ الصراعات والنزاعات في العالم العربي، راهنًا، كيف يمكن الخروج من المآزق والخنادق إلى رحاب الأمل والحوار؟

مادامت الصراعات سلمية فهي مفيدة ومن علامات الصحة. لست من المؤمنين بوحدة الأمة في المطلق؛ إذ قد يوصلنا الأمر إلى المآزق الكبرى، إلى الأفغانية الطالبانية أو النازية. في الديموقراطية، على عكس المثال المشهور، كلما كُسِرَتِ العصي وأمكن كسرُها في سهولة تشتد الديموقراطية وتتعزز. الديموقراطية تتنافى مع وحدة الرأي والإجماع. ونحن – ويا للأسف! – ثقافة تقوم على فكرة الإجماع؛ وهذا "الإجماع" يقود إلى الأخطار وإلغاء الآخر وإلى "حديث الفرقة الناجية"! وهذا ينطبق على الجميع، من يساريين وقوميين وأصوليين. أعتقد أنه مادام الصراع سلميًّا ويحترم قواعد اللعبة الديموقراطية فهو من علامات الصحة والخير والتقدم والتنوع.

حديثك عن الإجماع (التراث) والديموقراطية (الحداثة) يجعلنا نسأل عن كيفية بناء الآليات وبناء الجسور بين التراث والحداثة، من دون الوقوع في خلل العلاقة مع الواقع الراهن. لماذا لم تنشأ، في رأيك، الكتلة التاريخية في المجتمعات العربية التي تدعم الحداثة وتحميها وتجسِّدها؟

هذا موضوع كتاب، وليس موضوع سؤال. لكن ثمة نقطة أساسية أود التركيز عليها، هي أن ما يميز مجتمعاتِنا العربية الإسلامية أنها "تراثية"؛ ولعل صفتها الأبرز أنها تحمل على كاهلها عبء تراث كبير. فالحضارة العربية الإسلامية هي تراث من النصوص ومن التاريخ، ولعلها واحدة من أكبر الحضارات المنتجة للنصوص في التاريخ البشري؛ وعبء التراث في الحضارة العربية الإسلامية قد يكون أثقل منه في أية حضارة أخرى. لكن ما دور التراث؟ للتراث دوران: دور اللجام ودور المهماز. والدور ليس بحسب طبيعة التراث نفسه، بل بحسب ما أتاك منه وبحسب الزاوية التي تطل منها على هذا التراث. فلو أردت العودة إلى الوراء، يقدم إليك التراث ثقلاً هائلاً؛ ولو أردت أن تتقدم إلى الأمام، فإنك توظف التراث من خلال إعادة القراءة. إذن، قراءتنا للتراث هي التي تحدد هل هو "مهماز" أو "لجام". من هنا أهمية إعادة قراءة التراث من منظار الحاجة إلى مهماز يتقدم بنا نحو الحداثة. لا نستطيع أن ندخل الحداثة ونحن عراة. ندخل الحداثة وعلينا أثواب وأثواب؛ لكننا نستطيع أن نجددها كي لا نقع على طرفي نقيض وينشب صراعٌ جديد بين "حداثيين" و"تراثيين".

أعتقد أن مكمن الصعوبة الكبيرة في أننا مازلنا نقرأ التراث بعيون قديمة؛ ولو قرأناه بعيون جديدة يمكن له أن يكون مهمازًا، وليس لجامًا كابحًا. ولعل المهمة الأساسية لهذا الجيل، إلى منتصف القرن المقبل، ليس أن يكون جيل الثورة والقطيعة مع التراث، بل جيل إعادة قراءة التراث. نحتاج إلى ثورة لاهوتية، إلى لوثر مسلم. كذلك فإن فولتير مسلمًا سيرى النور – وهذا حتمي ولن يكون خطرًا على الإسلام. لكننا في المرحلة الحالية في حاجة إلى لوثر مسلم. كل ما نستطيعه، نحن المثقفين الذين نشتغل على التراث، هو أن نطبِّق المنهجيات الحديثة عليه ونستقرئه جديدًا ونضيف إلى ثرواته ثروة جديدة. وعندما نقرأ الحديث والفقه والفلسفة والتاريخ بعيون جديدة نغنيه. والتراث نفسه يحتاج إلى ذلك ليتجدد ويغتني، فلا يتجمد ويدخل في الانحطاط. ليست مهمة التراث أن نقفز منه إلى الحداثة، بل أن نفيد من منجزات الحداثة لكي نبثَّ في التراث جديدًا. لست فقط عاملاً في خدمة التراث وموظِّفًا له في المعركة، بل أوظف نفسي في خدمة التراث وأكتشف جوانب غنية وثرية ومشرقة وقابلة بالفعل للتوظيف كمهماز لاجتياز طور الحداثة.

تحرير النصِّ والعقل

ما هي الحدود الفاصلة بين تحرير النصِّ من النصِّ ومن المقدس وبين تحرير العقل من النص؟

إنه الموضوع الذي طرحتُه في شكل خاص وموسَّع في كتابي مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. نحن الآن في مرحلة تحرير النصِّ من النص. ثبت لنا فشلُ الثورات عندما قام القوم بثورات اشتراكية وأقاموا أنظمة ديكتاتورية بحجة "حرق المراحل"، وكانت النتيجة أن الثورة أحرقت نفسها ولم تحرق المراحل! لست من دعاة حرق المراحل، بل أدعو إلى اجتياز الأشواط مرحلة مرحلة. والمهمة التاريخية المطروحة هي تحرير النصِّ من النص. أما تحرير العقل من النص، فهي مهمة مقبلة وليست مطروحة الآن. لا نريد أن نكون واهمين وندخل معارك دونكيشوتية. قد يظهر فولتير ما في العالم العربي الإسلامي. لكن حتى فولتير لم يحرِّر العقل من النص، فكان من دعاة التأليه الطبيعي ضد التأليه الديني. و"التأليه الطبيعي" يقوم على أن الله موجود وليس الوحي، وعلى أننا نصل إلى الله بالعقل ولا ننفي وجوده. حتى فولتير ليس ناكرًا للإله، كما أشيع عنه.

نحن الآن في مرحلة تحرير. لماذا؟ لأنني أعتقد أن المأساة الكبرى هي عصر الانحطاط الذي نعيشه. وللأسف، النهضة لم تخلِّصنا منه بسبب جريمة حرق المراحل (الثورات). والذي ضرب عصرَ النهضة هو التسريع الزمني للإصلاح؛ وبذلك أحرقوا النهضة وأحرقوا أنفسهم. أقول إن عصر الانحطاط مازال فينا، أعني منطق الانحطاط في المعنى المعرفي؛ وهو يزداد ضغطًا وعنفًا علينا في العقدين الأخيرين.

ماذا حصل في التجربة العربية الإسلامية؟ ميَّز ﺸپنغلر بين "حضارة الدائرة" و"حضارة السهم"، وقال إن معظم الحضارات قديمًا كانت تبني نفسها حول مركز في دوائر ضيقة أو واسعة، حتى جاءت الحضارة الغربية، فتحولت من الدائرة إلى السهم، إلى الأمام. أعتقد، بالرجوع إلى التجربة التاريخية العربية الإسلامية، أنه لم تظهر لدينا بعد فكرةُ السهم. غير أن العصر الذهبي كان بين القرن الثاني وآخر القرن الرابع الهجريين، قبل أن نغوص في القرنين السابع والثامن والانحطاط. كنَّا في نقطة المركز، وانطلاقًا منها ومما مثَّله ظهورُ الإسلام (النواة)، تكونتْ من هذه النقطة دوائرُ علم اللغة والفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام والفلسفة وعلوم الطبيعة والطب والأنثروپولوجيا؛ وكانت الدوائر تتسع وتغتني في استمرار. ثم ماذا حصل؟ بدءًا من أوائل القرن الخامس الهجري صدر بيان الاعتقاد القادري، وهو بيان فقهي حُرِّم فيه الاعتزالُ والكلام؛ فراحت الدوائر تضيق: ضُرِبَتْ دائرةُ الفلسفة وكُفِّرَتْ، ثم دائرةُ الكلام؛ وضُرِبَتْ دائرةُ التصوف، وهي من أغنى دوائر الثقافة العربية، فصُلِبَ الحلاج وقُتِلَ السهروردي (المقتول)؛ وأُغلِقَتْ حتى دائرة الفقه، ووقعت مقتلة كبيرة بين الأحناف والحنابلة، وأصدر حينئذٍ المتصوف المشهور القشيري رسالة معروفة عنوانها شكوى أهل السنَّة في رواية ما أصابهم من المحنة؛ كذلك ضُرِبَتْ الأشعرية والحنفية والشافعية، واشتعلت نارُ الفتن بين المذاهب. ولما جاء المنصور، قضى على المذهب المالكي، وهو الوحيد في المغرب. وأكثر من ذلك، كُفِّرَتِ الكيمياء وكفَّروا الترجمة. وبدءًا من القرن الخامس، لم يترجَم كتابٌ واحد إلى العربية بحجة أنه "غزو ثقافي" – وهو المنطق نفسه السائد اليوم! كُفِّرَتْ دائرةُ الطب في القرنين السابع والثامن، وصدرتْ كتب "الطب النبوي"، ونُسِبَتْ إلى الرسول أحاديث بدائية في الطب! هذا التقلص الهائل للدوائر هو عصر الانحطاط بعينه.

تجديد الدوائر

لكن كيف السبيل إلى الخروج من هذا التقلص أو مما أسميتَه "إقفال الدوائر"؟

يكون ذلك بتجديد الدوائر، بإطلاق حرية الدوائر. ليس ضروريًّا الخروجُ مرحليًّا؛ إذ لا يمكن الصدام مع المركز، بل ينبغي إعادة تأويل المركز وفتح الدوائر والنوافذ. ولا نكتفي فقط بالفلسفة وعلم الكلام واللاهوت، بل نحتاج إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية – ولنرَ بعد ذلك ما يكون. أعتقد أن مصير الثقافة العربية اليوم يمكن له أن يكون غدًا كمصير الثقافة الغربية: أي أنه من بقايا المركزية يمكن إنتاج ثقافة "سهمية". ثمة إمكان حقيقي لذلك. وأعتقد أن العَلمانية، بما تتيحه من حرية دينية، تسمح بأن يبقى المركز قائمًا، وبأن يندفع مَن يريد إلى الأمام كالسهم وبنوع من التوفيق – إذا أردت – بين "المركزية" و"السهمية".

ما تفسيرك لتراجُع العقل العربي الإسلامي، واستطرادًا، الثقافة العربية؟

أعتقد أن العقل العربي الإسلامي، بعد انفتاح وحضور هائلين، ومن خلال آليات داخلية ذاتية، حكم على نفسه بالانغلاق والتقوقع والجمود والانحطاط. وهذه الآلية هي آلية إقفال الدوائر بعدما كانت مفتوحة. أما مشكلات الهرمسية والغنوصية، فهي مشكلات لم يواجهها العقل العربي الإسلامي، بل واجهتْها المسيحية.

قرأ الجابري المستشرقين وتبنَّى رؤيتهم عن "غزو هرمسي". والواقع أن الغنوصية هي انشقاق عرفاني داخل المسيحية؛ والهرمسية هي إحياء للوثنية: عندما واجه الوثنيون المدَّ المسيحيَّ الصاعد حاولوا أن يوجدوا نصوصًا دينية لديانة بلا نصوص. القضية هي قضية صراع بين الوثنية اليونانية والمسيحية الصاعدة. لا وجود لهرمسيٍّ واحد في ثقافتنا خارج هذا الإسقاط. ثم هنالك الصراع التاريخي الآخر الذي نشأ بين الكنيسة، كمؤسَّسة رسمية هرمية، وبين الرهبان الذين لا ينتمون إلى الدين إلا بإرادتهم الشخصية. وقد دار صراعٌ كبير بين الرهبنة والكهنوت. الرهبنة كانت غنوصية – و"الغنوص" هو المعرفة والوصول إلى الله مباشرة عن طريق الأناجيل ومن دون هذه الوساطات كلِّها. فكأن الرهبان هم لوثر قبل لوثر. الكنيسة "أبْلَسَتْهم" وجعلتْهم أعداء لها.

وقع الجابري، نتيجة إسقاطاته، في أخطاء تاريخية، وكان لا بدَّ من تصحيحها. لكن ليس الهدف هو التصحيح، بل بناء عمل استغرق نحوًا من 18 عامًا. وقد أصدرت أربعة أجزاء، والجزء الخامس قيد الإعداد. إنها عملية إعادة بناء. في كتابي الأخير العقل المستقيل في الإسلام؟ تحدثت عن كتاب من تراثنا هو كتاب الفلاحة النبطية من التراث البابلي؛ وهو من أهم ما نملكه من التراث القديم، التراث السامي، ولعله الكتاب الوحيد من نوعه. وقد مثَّل لي هذا الكتاب كشفًا كبيرًا في حياتي نظرًا لعلاقته المباشرة بتراثنا وتراث المنطقة قبل الإسلام. ويتضمن الكتاب آراء فلسفية سابقة لعصرها، ويمكن توظيفها في معركة الحداثة. تَرْجَمَه ابن وحشية ونَشَرَه تلميذُه. كتب الجابري ثلث صفحة عن هذا الكتاب، وكتبت أنا 90 صفحة فيه؛ وكتب الجابري صفحة ونصف صفحة عن إخوان الصفاء، واعتبرهم عرفانيين وهرمسيين ومعادين للعقل، وكتبت 125 صفحة في إعادة الاعتبار العقلاني إلى إخوان الصفاء، ليس ردًّا، بل إعادة اعتبار وإعادة بناء جديدة.

ولو سألتَني: لماذا الجابري وليس سواه، فلأنه لعب – ولم يزل يلعب – دورًا هائلاً في تكوين عقل النخبة العربية المثقفة؛ وبالتالي، فإن التصدي لمشروعه هو صراع من أجل تقديم رؤية جديدة للنخبة العربية، سواء في قراءتها للتراث أو للحداثة، ولأن إحدى النقاط الأساسية التي تفصل بيني وبينه انتهت إلى نوع من الأصولية. هو يطالب منذ خمس عشرة سنة بسحب كلمة "عَلمانية" من التداول في قاموس الفكر العربي المعاصر، بينما أعتقد أن هذه الكلمة حاسمة في تحديد مواقف المثقف العربي من قضاياه الحقيقية.

*** *** ***

حاوَرَه سليمان بختي

عن النهار، الأربعاء 8 والخميس 9 حزيران 2005.

بدون

عدد المساهمات: 1201
تاريخ التسجيل: 05/09/2010

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة أغسطس 31, 2012 12:38 am


صناعة الأوهام


بقلم : جورج طرابيشي


"دع الناس مطمئنين، أيها الرئيس لا تفتح أعينهم، إذا فتحت أعينهم، فما الذي سيرون؟ بؤسهم؟!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ دعهم إذن مستمرين في أحلامهم.

وصمت لحظة، وحك رأسه، كان يفكر، وأخيراً قال: إلا، إلا إذا..

_ ماذا؟ دعنا نرى قليلاً.

_ إلا إذا كان لديك، عندما يفتحون أعينهم، عالم أفضل من عالم الظلمات الذي يعيشون فيه الآن. ألديك هذا العالم؟

لم أكن أعرف. كنت أعلم جيداً ما سيتهدم، لكنني لا أعرف ما الذي سيبنى فوق الأنقاض ".

نيكوس كازنتزاكي
رواية "زوربا"،
ترجمة جورج طرابيشي


1

هل الأوهام ملاصقة للإنسان؟ وهل صناعة الأوهام ضرورية في حياة البشرية وفي أيامنا الراهنة؟

وهل تفرح أم تحزن، إذا خسرت وهماً؟


2

لا نستطيع الحديث عن الوهم، دون الحديث عن الخيال والحلم. فإضافة إلى ما يطلقة المفكرون والفلاسفة على الإنسان بأنه "الكائن الحي الأرقى" و"الحيوان الناطق " فإنهم يطلقون عليه صفات أخرى تميزه بأنه " الحيوان المفكر" و"الحيوان الذي يحلم ".

ضمن الفعالية الفكرية للإنسان تأتى المخيلة. والخيال مطلق السراح، ومع أنه يرتبط بالمحيط ومستوى التفكير، إلا أنه يتصف بالتحليق والانفتاح والمرونة والذهاب إلى الأمد الأبعد والأغرب. ولهذا، فانه إذا كان بالإمكان تقييد جسم الإنسان حركياً ومكانياً، فلا يمكن تقييد خياله، بل لقد ثبت أنه كلما ضاق مكان الإنسان لجأ إلى تعويض ذلك بإطلاق الخيال، كما يحدث مع السجناء على سبيل المثال، مع التحذير من أن مناصرة هذه المسألة واتخاذها هدفاً هو نوع من التراجيكوميديا، لأننا لا يمكن أنْ نشجع السجون، بل الحدائق، ولا نناصر العلب والزنازين، بل نحن مع الفضاء والأفق الرحب، وروح تحتاج إلى رحابة، ويلا رحابة يتضاءل الخيال ويجف.


3

يرتبط الحلم ارتباطاً وثيقاً بالخيال. ويمكن تعريف الحلم بأنه خيال يسعى إلى هدف، أمنية يتلبسها طموح، رغبة ما لتجاوز ما هو قائم إلى شيء آخر.

ليس غريباً أن يعتبر الحلم دلالة من دلائل الحياة. بل إن الإبداع يعتبر الإنسان ميتاً دون حلم، كما يقول أحد الأفلام :

Without dream you are dead

من لا يحلم يستكن، والسكينة بهذا المعنى سكون ونقيض للحيوية، ومبدأ الحيوية مرتبط بالحياة، وثمة أناس يلجؤون إلى الانتحار إن كفوا عن الحلم.


4

يقول الناقد والروائي اللبناني الياس خوري :

" الشاعر هو أول من ينكسر إذا انكسر الحلم، وهو أول من ينكسر حين يتحقق الحلم ".

الشطر الأول من عبارة خوري يمكن تقبله بسهولة. فالشاعر يتصف بشفافية عالية وهو يحب أحلامه لدرجة العشق، ويحرص على تحقيقها والحلم بالنسبة له قضية " مبدأ " و"استراتيجية الاستراتيجيات". لهذا ليس غريباً أن ينكسر الشاعر إذا انكسر حلمه. أما أنْ ينهض الشاعر بعدها أو لا ينهض، فهذا موضوع ينتمي إلى الإمكان والاحتمال ولا ينتمي إلى الضمانة الأكيدة، ارتباطاً بالواقع ذاته وبذات الشاعر.

لكن لماذا وكيف ينكسر الشاعر إذا تحقق الحم؟ ألا يناضل الشاعر لأجل تحقيق حلمه؟ هنا يتمظهر مشكل الحلم ويتمظهر تناقضه.

الحلم غذاء، طاقة، مهما يدفعك إلى الاستمرار، إلى الأمام والأعلى والأعمق، الحلم شاغل يشغلك فما أنْ يتحقق حتى تشعر بشيء من الفراغ والافتقاد، لكن ثمة حل لهذه المشكلة، وهو أن الإنسان في حاجة دوماً إلى أحلام جديدة، والحياة إن لجأنا إليها جيداً تزودنا بمزيد من الأحلام.

علاقة الشاعر بالحلم مسألة يمكن تعميمها على جميع المبدعين وعلى الإنسان عامة، بالمفرد والجمع، بالجوهر الذي لا يلغي التطييف.


5

بين الحلم والوهم خيط رفيع، ثمة أرجوحة تنقل الحلم إلى مكان الوهم، والوهم إلى مكان الحلم.

الوهم حلم كاذب، حب تكشف عن خيانة، ومن يحمل الوهم لا يعرف أنه وهم، بل يعتبره حلماً وطموحاً وسعياً مشروعاً، وبعد ذلك يأتي الانكشاف والتثبت.

يغمرنا الفرح حين يتحقق الحلم ( حتى وان أصابنا شرود وأسى الافتقاد اللذان ينتجان عن تحقق حلم معين كان يشغلنا ) وتصفعنا الخيبة حين يتكشف الحلم عن وهم ( عدم علميته وصدقيته )، لا تربة تحتضنه وتنبته، بصورة استبعادية وليست مؤجلة.


6

من علامات البؤس والبائسين اكتساء الأوهام ثوب الأحلام. الإنسان لا يمكن أن يصنع، عامداً متعمداً، وهماً لنفسه، لأن الوهم ضرر وهراء.

ثمة أوهام تنتج عن بعض الأمراض النفسية يصاب بها بعض الناس، وثمة أوهام يحملها صاحبها نتيجة الشطط والمبالغة في التقدير والتفكير. لكننا لا نتكلم على هذا النوع من الأوهام، ولا على هذه المصادر للأوهام.

نتكلم عن إنتاج الأوهام بصورة عامدة متعمدة، حين يصنع الآخرون لك وهماً أو تصنع لهم وهماً.شباك ترمى، ويكون الطعم وهماً، والضحية ليست سمكة بل بشراً ينقصهم الوعي والسعادة.

إن إنتاج وبيع وشراء الأوهام عملية رائجة في زماننا، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، في ترويج نمط الحياة والأفكار والصور والأخبار، عملية تقوم بها أنظمة ودول ومؤسسات وأفراد. وصناعة الأوهام ليست عملية بسيطة، بل هي أعقد من التجارب المخبرية، وهي محصلة لعناصر عديدة تمثل شبكة، والعمليات العقلية التي تقف وراءها وداخلها يمكن أن نطلق عليها: منظومة فكرية.


7

نحن نحب أحلامنا، ونحزن إن خسرنا حلماً لكن ثمة من ينهضون ويواصلون ويتجددون، وثمة من ينسحبون، ويتقوقعون، ويجفون. يقول الشاعر محمود درويش:

خسرت حلماً جميلا
خسرت لسع الزنابق
وكان ليلي طويلا
على سياج الحدائق
وما خسرت السبيلا


8

انتحر أدولف هتلر حين انقلب حلمه إلى وهم. والصبية التي تحلم بشاب كامل الأوصاف. تضيف لها كل يوم شرطاً جديداً، لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب، وتنتظر فارسها بكبرياء وثقة، تنتهي إلى عانس دائمة وعذراء حتى القبر. الناس الذين ينتظرون النصر ليهبط عليهم بالمظلة من السماء، دون توفير أسباب النصر، سيظلون مسريلين بالخنوع والهزائم. والأيدولوجيا، أية أيديولوجيا، التي تريد أن تسبح في كل زمان مكان، وتحرز الميدالية الذهبية دائما، دون مراعاة أي مكان، وأي شيء، هي أيديولوجيا ستحرز قصب الخواء.


9

ثمة أناس يفرحون حيت تتكشف لهم أوهامهم، يشعرون بأنهم قد ربحوا عندما خسروا وهماً.

وثمة أناس آخرون يصدمهم ما تكشف من أوهامهم، كانوا يعلقون آمالا كبيرة يهدهدهم العزاء والسلوى، ويتمنون لو بقي الوهم وهماً دون أن يدروا أنه وهم. آه يا وهمي العزيز!

02 آب 2008.

يعقوب مارس

عدد المساهمات: 74
تاريخ التسجيل: 11/09/2012
العمر: 28

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف يعقوب مارس في الجمعة سبتمبر 14, 2012 5:38 pm

جورج طرابيشي: لا أعتبر نفسي فيلسوفا وليس هناك فلاسفة عرب

قبل أيام من صدور كتابه الجديد «هرطقة 2» عن العلمانية وإشكالياتها الإسلامية


جورج طرابيشي: الأصوليون غيروا مجرى اهتماماتي
دمشق: حسن سلمان
في الحديث عن الباحث والمفكر السوري جورج طرابيشي، لا بد للمرء أن يتوقف طويلا أمام إنجازاته الفكرية الكبيرة. فإضافة إلى ترجماته لكبار المفكرين والفلاسفة الغربيين أمثال هيغل وفرويد وسارتر وسيمون دو بوفوار، والتي فاقت 200 كتاب، وضع طرابيشي عدداً من الدراسات والأبحاث في مجال الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، أبرزها: «الماركسية والمسألة القومية»، «المرض بالغرب»، «هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية»، «الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية» و«شرق وغرب رجولة وأنوثة ـ دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية».

غير أن أبرز المشاريع الفكرية التي تصدى لها جورج طرابيشي، كانت من خلال عمله الموسوعي «نقد نقد العقل العربي»، والذي يعتبره الباحث السوري عبد الرزاق عيد أحد أهم ثلاث موسوعات فكرية تناولت التراث الفكري العربي ـ الإسلامي في القرن العشرين. والإشارة هنا إلى موسوعة المفكر المصري أحمد أمين عن «فجر وضحى وظهر الإسلام»، وموسوعة المفكر المغربي محمد عابد الجابري «نقد العقل العربي». فقد حاول طرابيشي عبر 20 عاماً هي عمر مشروعه، الرد على مشروع الجابري من خلال إعادة قراءة التراث العربي، وتوظيفه لاحقا في معركة الحداثة في وجه دعاة القدامة.

وخلال أيام يصدر كتاب طرابيشي الجديد «هرطقات 2» الذي يقول عنه إنه سيأتي استكمالا لمحاضرة ألقاها قبل أشهر في دمشق بعنوان «العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية».

> شهدت مسيرتك الفكرية محطات عدة، تنقلت خلالها من البعث إلى الوجودية، ومن الماركسية إلى الليبرالية، لتتوقف أخيرا عند نقد العقل العربي، بعد هذه المسيرة الحافلة أين تجد نفسك؟ هل أنت في مرحلة نقد الذات (إعادة النظر في مسيرتك بالكامل) أم نقد الواقع العربي؟

- أنا ابن جيلي، وجيلي عاش في 50 سنة ما قد تعيشه الأجيال الأخرى في بلدان أخرى في 100 أو 200 سنة. حال جيلنا يشبه وضعا روائيا عربيا، مثل نجيب محفوظ الذي انتقل في 50 عاما من الرواية التاريخية إلى الواقعية، ومن ثم إلى الرمزية فالتراثية، وانتهى أخيراً إلى الرواية الميتافيزيقية. أي ان نجيب محفوظ قطع في مسيرته الروائية الفردية، خلال 50 سنة ما قطعته الرواية الأوروبية في تطورها على مدى 300 سنة.

جيلنا وقع تحت ضغط متغيرات سريعة، شهد أثناءها أحداثا كبيرة مثل صعود وسقوط النازية والماركسية، وثورات التمرد الطلابية، والتحولات التي طرأت على الفكر الأوروبي بدءا بالوجودية ومرورا بمدرسة فرانكفورت، وانتهاء بالبنيوية ومدرسة ما بعد الحداثة. في الوقت نفسه شهد العالم تطورات خطيرة بدءاً من نهاية الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الباردة، وانتهاء بحركات التحرر الوطني و«العالم ثالثية» وسقوط المعسكر الاشتراكي ومن ثم العولمة.

كان على جيلنا أن يتفاعل مع كل هذه الأحداث وأن يفسح لها مجالا في وعيه، وأن يعرف كيف يتبناها، وكيف يتخذ منها في الوقت نفسه موقفا نقديا. ومن ثم ما كان له إذا أراد أن يبقى على صلة بعصره ـ الذي قانونه التغير- أن يتبنى رؤية واحدة وثابتة. أعتقد أن مسيرتي الشخصية تعكس مسار الجيل نفسه، حيث انتقلت من مذهب إلى آخر تبعا لتغير المراحل، وتطبيقا لمبدأ النقد والنقد الذاتي الذي يعتبر الضامن الأول للاستمرار في الهوية، من خلال التغير والتلاؤم مع الواقع المتغير.

هذه المسيرة من التغيرات المتواصلة لا تعني إنكار كل ما تم تجاوزه، بل بالعكس، فمن خلال التاريخ والتغير وتصفية الحساب تتم أيضا عملية تراكم وإعادة بناء. ولئن تجاوزت مراحلي القومية والوجودية والماركسية والتحليلية النفسية، فهذا لا يعني أني لم أحتفظ من هذه المحطات بعناصر ما زالت تلعب دورها في المحصلة النهائية لمسيرتي الفكرية. وهكذا أستطيع اليوم أن أستفيد من جميع خبراتي السابقة كي أطوّر رؤية مركبة ومعمّقة للواقع الذي نعيشه، والذي يمثل انعطافاً جديداً في مسيرة العالم العربي، من خلال انبثاق ظاهرة الأصولية المنداحة موجتها اليوم، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية في تحولي الفكري من نقد الرواية إلى نقد التراث العربي الإسلامي، كما تجلى في مشروع «نقد نقد العقل العربي» الذي أخذ، ولا يزال، بعداً موسوعياً، ما كنت أنا نفسي أتوقعه عندما شرعت به قبل أكثر من 20 عاماً.

> يتهمك البعض بأنك تمثّلت مشروع محمد عابد الجابري الفكري، ثم انقلبت عليه. وهنا يحضرني سؤال عن سبب لجوئك إلى البحث في التراث العربي؟ ثم ماذا أثمر مشروعك لنقد نقد الفكر العربي بعد أربعة مجلدات وضعتها في هذا الشأن؟

ـ هذه ليست تهمة، فأنا نفسي صرحت وكتبت مراراً أنني ُسحرت في أول الأمر سحرا حقيقيا بكتاب الجابري «تكوين العقل العربي». وقد كتبت عنه في حينه في مجلة «الوحدة» أنه ليس كتابا يثقف بل هو أيضا كتاب يغيّر، فمن يقرأه لا يعود بعد قراءته كما كان قبل قراءته.

وأعتقد أن هذا مديح كبير للجابري، ولكن هذا المديح نفسه هو ما جعلني أنتقل إلى موقع «نقد النقد» عندما اكتشفت، وربما من قبيل الصدفة البحتة، أن الجابري يصوغ إشكالياته، التي بدت لي في أول الأمر آسرة، انطلاقاً من شواهد مزيفة، بل انطلاقاً من شواهد يزيفها عن عمد لتخدم ما يصوغه من إشكاليات بحيث يجبر قارئه على أن يعطي لهذه الإشكاليات الأجوبة التي يريد له أن يعطيها، انطلاقاً من موقف إيديولوجي محدد ومسبق.

>عدا تزييف الشواهد، هل لديك مأخذ آخر على الجابري؟

ـ نعم هناك مأخذ آخر، يتمثل بتوظيفه الأبستمولوجيا في خدمة الإيديولوجيا. وهي إيديولوجيا متعصبة لما يسميه بالعقلانية المغربية ضد اللاعقلانية المشرقية، وللبيان السني ضد العرفان الشيعي، وللإسلام السياسي في خاتمة المطاف ضد الإسلام الروحي. ولكن أنا مدين للجابري، ولأعترف بذلك، فقد اضطرني إلى أن أخضع نفسي قبل أن أخضعه هو نفسه لمراجعة حساب شاملة. وهكذا، عدا أنني تمكنت من اكتشاف المئات من الشواهد التي زيفها الجابري، فقد أعدت بناء ثقافتي التراثية، وأنا لا أزال منذ أكثر من 20 عاماً في رحلة في طوايا هذا التراث، الذي قد يتطلب النفاذ إليه عمراً بكامله، وليس سنوات قليلة من العمر المتبقي.

وما دمت قد سألتني عن سبب هذا الغوص في التراث، فأقول: لقد شاءت صروف الحياة أن أبدأ الكتابة في نقد مشروع الجابري عندما هاجرت إلى فرنسا، وهنا في الغربة والمهجر وجدت مع التراث ومن خلاله وطناً بديلاً. أضف إلى ذلك أن هذه العودة إلى التراث قد تواقتت مع صعود موجة الأصولية التي تريد العودة بنا إلى قرون وسطى جديدة.

> إذاً هل نستطيع القول: إن مشروعك يدخل في إطار توظيف التراث في معركة الحداثة؟

ـ التراث وغير التراث. فالمواجهة مع أعداء الحداثة ودعاة القدامة معركة طويلة وشاقة، وأعتقد أنها لن تستغرق أقل من 50 أو 100 سنة مقبلة. ومواجهة هؤلاء «القداميين» لا يمكن أن تتم إلا من خلال كل منجزات الحداثة وفتوحاتها على صعيد العلم والفكر، كذلك من خلال الرجوع إلى نفس المواقع التراثية التي يدّعون أنهم يتحصنون بها.

وإني إذ أقول هنا: إنهم «يدّعون»، فأنا أعني تماما ما أقول. ذلك أن هذه الأصولية، التي نواجهها اليوم، هي في نظري بدعة مستحدثة تماما، وحسبي على ذلك دليل واحد، فلو عدنا إلى التراث لما وجدنا أحداً من الذين عاشوا في تلك العصور، يقول عن نفسه إنه «إسلامي». كان هناك مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، ولكن لم يكن هناك إسلاميون.

> ما تفسيرك لتراجع العقل العربي، بعد فترة الانفتاح والازدهار التي عاشها في الماضي؟ وهل نحن بحاجة لمشروع نهضوي عربي؟ وما هي سماته؟

- من الصعب الإجابة في سطور عن مثل هذا السؤال الذي ُسوِّدت في الإجابة عنه كتبٌ بكاملها. ولكني سأبدي هنا فقط تحفظاً حول كلمة (العقل). فأنا أعتقد أن كثيرين من المثقفين العرب، مثلهم في ذلك مثل الجمهور الذي يخاطبونه، لا يفكرون بعقلهم، بل بعقليتهم. والفارق بين الاثنين كبير. ولعل استئناف مشروع النهضة العربية، الذي يعاني اليوم من انتكاسة كبرى، إنما يرتهن بقدرة المثقف العربي على التحول من جديد من نصاب العقلية إلى نصاب العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان نقديا.

وبالمقابل فإن ما يميز العقلية هو نزعتها إلى الدفاع والمنافحة والتبرير. وذلك هو أكثر ما يحكم الثقافة السائدة اليوم في الساحة العربية، خاصة في الفضائيات العربية التي تُغلّب المنافحة على النقد، وتهيّج العاطفة بدلا من أن تستفزّ العقل. وحسبي شاهداً على ذلك أن المثقف العربي النقدي عندما يكتب فأول ما يلجأ إليه هو عقله، ولكن عندما يظهر في الفضائيات نراه في الغالب يتحدث بعقليته آخذا بالحسبان الجمهور واسترضاءه.

> في كتابك الأخير: «هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية»، تنفي وجود فلسفة عربية حديثة، معتبرا تجارب مفكرين مثل عبد الرحمن بدوي وسمير أمين وحسن حنفي، لا تعدو كونها ترجمة أو توليداً بواسطة الترجمة لأفكار غربية، ألا ترى أن حكمك جائر بعض الشيء؟

ـ مرة أخرى أقول، الفلسفة هي بنت العقل. السائد اليوم في الساحة الثقافية العربية هو العقلية، لذلك أكاد أقول باستحالة وجود فلسفة عربية اليوم. وقد يكون في هذا الحكم بعض التعميم، ولكن اضرب لي، مع ذلك، مثالا على فيلسوف عربي واحد يستحق هذا الاسم. علما بأنني لا أعفي نفسي من هذا الحكم. وهذا شيء يدعو إلى الحزن، لأننا نعلم أن من صنع الحداثة الغربية هم الفلاسفة في المقام الأول. أفلا نعزو إخفاق الحداثة العربية، في أحد أسبابه على الأقل، إلى غياب فلاسفة عرب؟

> في ورقتك التي قدمتها في مؤتمر «العلمانية في المشرق العربي» الذي عقد أخيراً في دمشق، خلصت إلى ضرورة المزاوجة بين الديمقراطية والعلمانية التي اعتبرت أنه جرى تطويرها في مختبرات الغرب لتكون الدواء الشافي للداء الطائفي، رغم أنك لم تعتبرها إيديولوجيا خلاصية، كيف تفسر ذلك؟

ـ لا ديمقراطية بلا علمانية، لأنه في ظل العلمانية فحسب يمكن للمرء أن ينعتق من عقليته ـ الدينية والطائفية ـ لكي يفكر وينتخب بالتالي على أساس عقله. ولهذا أكدت في أكثر من بحث لي على أن الديمقراطية تُرتهَن ليس فقط بصندوق الاقتراع، بل أيضا وأساساً بصندوق جمجمة الرأس.

كيف نتصور أن تقوم للديمقراطية قائمة متى علمنا أن السني لن يصوت إلا لمرشح سني، وكذلك الشيعي للشيعي، والكاثوليكي والأرثوذكسي للكاثوليكي وللأرثوذكسي؟

لنأخذ حالة خاصة مثل مصر: فرغم أن الأقباط يشكلون ما بين 8 إلى 12 بالمئة من المجتمع المصري، فإن الوضعية الطائفية السائدة في مصر اليوم لا تؤدي إلى انتخاب نائب قبطي واحد، ولذلك تضطر الدولة إلى التدخل لتعين بعض النواب الأقباط تعيينا. وخذ أيضا مثال إيران اليوم: فالسنة يشكلون نحو 20 بالمئة من سكان إيران، ومع ذلك ليس لهم في البرلمان سوى نحو 10 نواب من أصل 600 (هذا إذا لم تخن الأرقام ذاكرتي).

ذلك لأن الديمقراطية المزعومة في إيران ومصر، وسائر الدول العربية، مفصومة عن العلمانية. ولبنان، أعرق بلد ديمقراطي عربي، يقدم لنا شاهداً أخيراً على مأزق الديمقراطية عندما تختزل إلى مجرد صندوق اقتراع، ولا يكون الاقتراع إلا على أساس طائفي. علماً بأن صندوق الاقتراع ـ بالمعنى الديموقراطي الحقيقي للكلمة ـ لا وجود له أصلاً في معظم البلدان العربية.

> اعتبرت في ورقتك السابقة أن الطائفية في الإسلام ليست حدثا طارئا، لكنها أحد ثوابت الإسلام التاريخي، غير أن البعض يأخذ عليك أنك تعيد مشكلة الطائفية إلى نزاع ديني، وتهمل العامل الرئيسي وهو النزاع السياسي والاجتماعي، على اعتبار أن معنى وصلب المسألة الطائفية هو الصراع على السلطة. وبالتالي هو نزاع سياسي اجتماعي وليس نزاعاً طائفياً دينياً، ما ردك على ذلك؟

- من قال إن الصراع الطائفي هو محض صراع ديني؟ أنا توقفت مطولا عند الصراع الطائفي في الإسلام فقط لكي ألفت النظر إلى وجوده المغيَّب عن الوعي، لا لأنفي اقترانه بصراع على السلطة والنفوذ الاجتماعي.

وجاء تأكيدي على وجود الصراع الطائفي في الإسلام في معرض الرد على دعوة من يدّعون أن العلمانية اخترعت في مختبرات الغرب كعلاج للصراع الطائفي في المسيحية. ومن دون أن أنكر أن العلمانية اخترعت فعلا في مختبرات الغرب، فلست أرى ذلك حجة لعدم تطبيقها في العالم العربي. إذ لو أخذنا بهذا المنطق لكان علينا أن نرفض تطبيق الديمقراطية في العالم العربي، لأن الديمقراطية قد اخترعت هي الأخرى في مختبرات الغرب. وعلى كل حال، لئن كانت العلمانية هي العلاج للصراع الطائفي، فحاجة العالم الإسلامي إليها لا تقل عن حاجة الغرب لأنه مُبتلى بداء طائفي أشد ضراوة ومرارة، حتى من ذاك الذي عرفته أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت في مطلع الأزمنة الحديثة.

> لكن بعض المفكرين يرى أن العلمانيين العرب لم يستطيعوا أن يطوروا نموذجا للعلمانية قابلا للتطبيق في العالم العربي، كيف ترد على ذلك؟ وما الحل برأيك؟

- لقد أَثَرت أكثر من مرة في ما كتبت عن العلمانية، أن العلمانية في العالم العربي ليست صيغة جاهزة برسم التطبيق، بل المطلوب إعادة اكتشافها واختراعها وتطويرها لتكون متلائمة مع الواقع العربي ومتطلباته. أما العلمانية المترجمة حرفيا فلن يكون مصيرها أحسن من تلك الفلسفة العربية التي قلت للتو إنها مستحيلة الوجود لأنها بقيت مجرد فلسفة مترجمة. العلمانية في الغرب، وكما سأبين في كتابي القادم «هرطقات 2» الذي سيصدر قريبا، قامت على أساس فصل الدولة عن الدين، وُحصر مجالها بالقطاع العام دون المجتمع. ولكني أعتقد أن الاكتفاء بالفصل بين الدين والدولة غير كاف في الساحة العربية، بل لا بد للعلمانية من أن تعمل مِعولها في عمق المجتمع نفسه، وإلا فسنواجه مأزقا كالذي يمزق تركيا اليوم، بسبب انقسامها إلى دولة معلمنة ومجتمع متأسلم أو إعيدت أسلمته.

ابن سعران

عدد المساهمات: 7
تاريخ التسجيل: 20/05/2013
العمر: 23

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف ابن سعران في الإثنين مايو 20, 2013 11:26 am

يعطيك العافية

المغترب

عدد المساهمات: 8
تاريخ التسجيل: 22/11/2012

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف المغترب في الجمعة سبتمبر 13, 2013 11:25 am

 مع شكري الجزيل على هذه المجموعة من كتب الأستاذ جورج طرابيشي وكذلك المقالات والمقابلات معهُ. حقيقة قد جعل مني صاحب نقد العقل العربي (المرحوم الأستاذ محمد عابد الجابري) أن أعيش سنوات من التشكيك وعدم الارتياح والثقة من اطروحته حول استقالة العقل العربي وأقول أن مشروع الاستاذ طرابيشي في نقد نقد العقل العربي قد أزال الكثير من هذه الشكوك بل وأعاد الثقة بالنفس مرة اخرى مكرراً شكري للأستاذ على مولا لجهوده الرائعة.

mohammedtal

عدد المساهمات: 14
تاريخ التسجيل: 26/01/2013

رد: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف mohammedtal في الخميس أكتوبر 10, 2013 8:34 pm

رائع
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 28, 2014 6:24 pm