مكتبة


النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

شاطر

Ayman

عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 17/09/2012

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف Ayman في الجمعة نوفمبر 15, 2013 1:18 am

شكرا جزيلا

حازم محمد عفيفى

عدد المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 19/10/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف حازم محمد عفيفى في الجمعة نوفمبر 15, 2013 3:53 am

 
علي مولا. كتب:
بداية لمن يود الاحتفاظ بالمقال .. يمكن تحميله  ، وهو في ملف وورد ، مع أجمل الورود لمن يشاركما الاهتمام
****

لتحميل المرئي واللامرئي
يظهر الرابط بعد كتابة رد وذلك لتفعيل المشاركات وجذب المزيد من القرّاء
فائدة تفاعلية : منكم وإليكم


أو



********************************
************

الفلسفة لحماً ودماً

قراءة في ترجمة
موريس مرلو-بونتي، المرئي واللامرئي. ترجمة وتقديم د. عبد العزيز العيادي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008) 476 صفحة

فتحي المسكيني، جامعة تونس المنار

"الفلسفة من ناحيتها هي أكثر وأقلّ من ترجمة، هي أكثر لأنّها هي وحدها تقول لنا ما يريد النصّ قوله، وهي أقلّ لأنّها لا يمكن استخدامها ما لم نتوفّر على النصّ."
مرلو-بونتي، المرئي واللامرئي،ص 58/ 95

"إنّ من ينفتح أمامه الأفق يتمكّن منه الأفق ويحتويه"
مرلو-بونتي، نفسه، ص 237
" ما كذب الفؤاد ما رأى "
سورة النجم الآية 11
تقديم:
لقد أفلح مترجمُ كتابِ المرئي واللامرئي إلى حدّ مثير في جعل مارلو-بونتي "كاتبا" عربيا بلسان مبين ! كأنّ حلم المترجم عنده هو أن يُنسينا كلّ ما هو "أجنبيّ" أو دخيل في نصّ ما: عجمته الأصلية، غرابة عالمه الأوّل، وبُعد مؤلّفه عن أسمائنا. فجأة لم يعد مهمّا أن نعرف أنّ النصّ الذي نتصفّحه لم يُكتب أصلاً في لغتنا، وإنّما هو منقول إليها نقلاً. كأنّ مرلو-بنتي قد تنبّت مرة أخرى في إحدى قُرانا المتخفّية عن الوقت، وأخذ يرسم بيديه كلتيهما "لحم" أنفسنا في "لحم" لغتنا دونما وجل أو خجل. إنّ مرلو-بونتي يسخر بلطف خاص من كلّ تحفّظاتنا إزاء "الغيرية" واحتياطاتنا من "الآخر". إذ بدلا من أن يكون الآخر عندي هو "الجحيم"، كما كان يحلو لسارتر لجوج أن يقول، فإنّ "بصر الآخر، وفي هذا الأمر يحمل إليّ جديدا، يلفني بكاملي، كينونةً وعدماً" . ومن ثمّ فإنّ نكتة الإشكال إنّما تتعلّق "بفهم الكيفية التي أقدر بها على تحمّل الرؤية التي يحملها الآخر عنّي، أو في نهاية المطاف ..بفهم انتمائنا المشترك إلى العالم" .
نحن نأخذ ترجمة كتاب المرئي واللامرئي، مضموناً ومنهجاً وأصالةً وإحراجاً، بمثابة محكّ نادر للوقوف على مدى قدرتنا على فهم ماهية الترجمة الفلسفية في لغتنا: فأنْ نترجم يعني أن نمتحن قدرتنا على تحمّل رؤية الآخر لنا ولكن كحدث داخلي وعميق في صلب أنفسنا، وذلك من فرط أنّه سينقال في لحم لغتنا بوصفها ليست شيئا آخر غير لحم الكينونة التي بها نحن والآخرون "متكاينون" (coextensifs à l’être) . بين الترجمة والآخريّة صلة سابقة إلى اللغة، علينا أن نتعقّب خيوطها الرفيعة، ولكن مع العلم بأنّه "فلسفيّا، لا وجود لتجربة الآخر" ، في معنى أنّه "ليس ثمّة تجربة إيجابية للآخر" ، فالآخر ليس شيئا. إنّه، حسب عبارة مرلو-بونتي، مصنوع بالكلّية من "خجلي" بل هو "حقيقة خجلي" . فبأيّ معنى يمكنني عندئذ أن أترجمه إلى لغتي ؟
سوف تكون الإجابة عن هكذا سؤال في أغلبها دعوة للتجوال في عالم مرلو-بونتي كما أفلح المترجم في استدعائه إلينا "لحما ودما". وذلك في نحو من المصاحبة التي تكتفي باستفزاز معاني الكتاب فتأتينا في "حالة فلق" من فرط نفسها دونما وجل أو تكلّف.
ربّ مطلب سوف نلتمس في السبيل إليه التساؤلين التاليين:
1) ما هو الاكتشاف الفكري الأكبر في كتاب المرئي واللامرئي بحيث تشكّل ترجمته عرسا فلسفيا ؟ أو اكتشاف الجسد في لحم الكينونة
2) ما هي مقوّمات الترجمة الفلسفية في هذا العمل ؟ أو الترجمة لحماً ودماً (traduction charnelle)
======
1) اكتشاف الجسد في "لحم" الكينونة : أو في لامرئيّة الذات
أ- الفلسفة "سؤال موجَّه لما لا يتكلّم"
يعلّمنا مرلو-بونتي كيف تأخذ الفلسفة انبثاقتها الصعبة من "لحم الحاضر أو ’’الثمّة’’( il y a) " الخام التي لا تستشير أحدا في أن تكون. ثمّة كائن. ثمّة عالم. ثمّة جسد. وعلينا أن نتحمّل السؤال عن معنى ذلك إلى النهاية دونما أيّة "أطروحة" نهائية حول كلّ ذلك، قد تمطّط كسل الروح في أفقنا. ذلك بأنّ "الفلسفة ليست قطيعة مع العالم" ، وعلى ذلك هي أيضا "ليست انطباقا معه" ، إنّها "لا تبحث إذا عن تحليل علاقتنا بالعالم وعن تفكيكها وكأنّها كانت قُدّت بالتجميع" . نحن لسنا جزء من أيّ شيء. بل "كائن هو بتمامه اظّهار" أو ضرب من "التبلّر" .
من أجل ذلك ليس على الفيلسوف أن يواصل أسئلة "المعرفة"، وذلك لأنّ "الفلسفة ليست استيعاء" (prise de conscience) و"نحن ليس لنا وعي مقوّم للأشياء مثلما تعتقده المثالية" . فنحن في الأصل لا نعرف بل فقط نؤمن بإدراكاتنا، والفلسفة نفسها هي في سرّها "إيمان إدراكي" اهتدى إلى طريقة فذّة لطرح أسئلة مناسبة عن وعلى نفسه . وبعبارة واحدة: الفلسفة في صميمها "سؤال موجّه لما لا يتكلّم" فينا: "ذلك المزيج المتكوّن من العالم ومنّا والذي يسبق التفكّر" .
حين نتفلسف نحن ننطلق سلفا من "غموضنا" وليس من "بداهاتنا" . والسؤال –الفاجعة الأولى لا يمكن أن يكون إلاّ تساؤلا من هذا النحو: "ما هذا الشيء الذي هو نحن ؟" . وإنّ ذلك هو ما افتتح فيه مرلو-بونتي مغامرة المرئي واللامرئي. ليس الفيلسوف من يحفظ على العالم بداهته، بل على العكس من ذلك هو من ليس في وسعه سوى أن يؤدي إلى "خسرانها" وتحويلها هي ذاتها إلى "لغز" قائم الذات. فما يحيّرنا فعلا هو أنّ "ولوجنا في العالم" يكاد لا يتميّز عن "انسحابنا منه" . صحيح أنّ لكلّ منّا "عالما خاصا" ؛ إلاّ أنّ العوالم الخاصة "ليست العالم"، نعني "العالم الوحيد...العالم المشترك ( koinos Cosmos)" . ولذلك ما أبعد الفلسفة عن أن "تبحث عن بديل لغوي للعالم الذي نراه" . و"التفلسف ليس هو أن نضع الأشياء موضع شكّ باسم الكلمات" . إنّ اللغة نفسها "عالم" و"كينونة" . ولذلك "ليس بإمكاننا أن نقصر الفلسفة على تحليل لساني" لما قيل عن موضوعات محددة. بل أكثر من ذلك: إنّ الفلسفة لا تتعلق بما هو مقول أو ما هو معروف فحسب. وذلك "لأنّ الكلام لا يدور فقط حول ما نعرف، ...وإنّما كذلك حول ما لا نعرف" . وإنّ الكلام الثقيل ليس ذاك "الذي يحبس ما يقوله" في قيود التحديد والتعريف، بل بالأحرى ذاك الذي "يفتحه بكلّ ما أوتي من قوة على الكينونة" . لم نأت كي "نتملّك" الكينونة، بل كي "نذرها تكون" . وذلك لأنّنا لا نبحث منها عن "إجابة" بل عن "تأكيد لدهشتنا" .
الكينونة هي ما لا يتكلّم في عالمنا. والفلسفة الحقة هي تلك التي "تسأل تجربتنا للعالم عما هو العالم قبل أن يكون شيئا نتحدث بشأنه" . ولذلك لا أحد يمكنه أن يغلق دلالات اللغة فيما قيل ، فإنّ "اللغة لا تحيى إلاّ بالصمت" . ومن ثمّ فإنّ عليها أن تخطئ: بل "اللغة هي قدرة على الخطأ" . والصعب هو العثور على "خطأ جيّد" . وذلك هو قدر الفيلسوف: "وهن فيه" أن يتكلّم. وإذا تكلّم فكأنّما هو "يصوغ صمتا معيّنا يصغي إليه في داخله" .
أمّا النتيجة المثيرة من هذا المعطى الحاسم فهي هذه: أنّه "ليس لي أن أخرج من ذاتي إلاّ بواسطة العالم" . العالم "أقدم" من أفكارنا. ولذلك نحن دوما نرتبط به من خلال إيمان إدراكي ما، "يفترضه العلم لكتّه لا يوضّحه" . إلاّ أنّه افتراض يشبه "العمى": فبقدر ما يكون العلم أعمى إزاء الكينونة، هو ينجح في تحديد الكائن ومعرفته . ولذلك لا يستطيع الفيلسوف أن يمنع نفسه من ملاحظة أنّ العلماء يتحرّكون وكأنّهم "يقدّمون ’’أفضلياتهم’’ كما الموسيقيّ أو الرسام" . كأنّما أنطولوجيا الموضوع التي أقام عليها العلم الحديث قواعده لا تعدو أن تكون غير "تفضيل معيّن" . إنّ "المتفرّج المطلق" الذي ينتج العلم "محلّقا فوق موضوعه" هو افتراض ينبغي مراجعته . ولا تكمن قوة الفلسفة إلاّ في كونها تستطيع أن تضع "من يسأل" موضع تساؤل . لكنّ الأمر "الأعسر هو أن لا نخطئ بشأن ما هو السؤال" .
ليس السؤال مجرّد أداة تحديد أو التقاط بارد للماهيات كأنّما هي أشياء أو وقائع منقطعة عنّا مهملة في خواء الكينونة. إنّ أكبر مدعاة للتفكير هي أنّه "ثمّة عالم". ولا يمكن لأيّ تحديد ماهوي أن يأتي على معنى ذلك. إنّ الثمّة تقع "تحت الماهية" وإنّها "التجربة التي تشكل الماهية جزءا منها ولا تحيط بها" . إذ تفترض "الماهية" متفرّجا محضا لا وجود له فينا. وعلينا أن نقبل إذن بأنّ سؤال الماهية ليس هو "السؤال النهائي" في الفلسفة، من أجل أنّ "السؤال الفلسفي لا يضعه فينا متفرج محض" . ليست الماهية شيئا، بل "كيفية كيان" (Sosein) ، ولذلك "لا ماهية ولا فكرة إلا وهي متعلقة بميدان تاريخي وجغرافي" ، وبهذا تحديدا على الماهية أن تنقلب معنى وتجربة للمعنى، فإنّ "المعنى هو الكائن الوحيد المشروع" . نحن تجارب وليس وقائع. ولذلك فالفيلسوف لا ينتظر شيئا، بل ، "بضرب من الحول"، هو ذاك الذي يفلح في الانقلاب على ذاته وعلى أسئلته .
ب- من الجسد-الموضوع إلى لحم الجسد : الإنّية بين المرئي واللامرئي
ليس الإنسان غير من يسأل. ولبّ الأسئلة جميعا الذي بدأ به مرلو-بونتي مغامرة المرئي واللامرئي هو هكذا تساؤل فجّ وغامض: " ما هذا الذي هو نحن ؟" . ولكن لنحترس منذ الآن: ليس ثمّة إجابة أو أطروحة جاهزة حول هذا المطلب. بل ينبّهنا مرلو-بونتي إلى ما في الأطروحات والأجوبة من زيغ وخداع. إنّ ديدن الفيلسوف هو ألاّ يدافع عن أيّة إجابة جاهزة حول أنفسنا. وذلك أنّ عليه أن ينطلق في البحث عن ذاته من أفقر معطى يعثر عليه في الأثناء: أنّه "يرى الأشياء" و"أنّ العالم هو ما نراه" . ليست الفلسفة إذن "معجما" جاهزا للاستعمال، بل هي قدرة على التساؤل عمّا نرى، أي عن نمط ولوجنا في العالم المرئي. ومثل "الإنسان النائم الذي فقد كل وجهة" ، يبدو الفيلسوف محرجا سلفا من أيّ رؤية للعالم المرئي لا يملك القدرة على مساءلتها بشكل مناسب.ووجه الإحراج هو شعوره القوي بأنّ ما يحضر أمامه داخل العالم ليس مجرّد شيء "متكلّد" و إنّما هو "يقيم علاقة فريدة بعينيّ وجسدي" . حين أرى "ينتفض كلّ محيطي القريب" ويأتي باتجاهي.
وعلى ذلك فإنّ قرب العالم المفرط منّي هو بنفس القدر سبب قاهر لاستغلاقه عنّي . إنّ رؤية العالم من حولي ورطة للعلاقة معه وليس أداة لمعرفته. فأنا ليس مجرد "جسد" طبيعي أي مادة عضوية أو حيوانية بلا مشروع خاص، بل أنا رؤية ترى. ووجه الخطورة في هكذا فكرة هو التنبيه المضاعف إلى أنّه كما أنّه لا وجود لـ"رؤية من الداخل"، كذلك فإنّ "اللجوء إلى ’’الخارج’’ لن يحمي أبدا في حد ذاته من أوهام الاستبطان" . ليس هناك فاصل طبيعي أو مادي أو نظري بين المرئي واللامرئي في رؤيتنا لأنفسنا أو للعالم. فالرؤية "إيمان إدراكي بالأشياء وبالعالم" سابق على كل ادعاء موضوعي حول أجسادنا، وليس نقلا بصريا آليا لشيء غريب عنّا.
بل أكثر من ذلك: إنّ حياتنا النفسية تشبه شيئا "لامرئيا يوجد في مكان ما خلف الأجساد الحية" . هو لامرئي لأنّه ليس موضوع تملّك أو تشيئة أبدا. فقد ظنّ الإنسان أنّ الإدراك الذي جعله يؤمن بوجود العالم الذي يحيط به يمكن هو أيضا أن يُحاط به ، أي أن يشيّئ الإدراك نفسه. والحال أنّه قبل أن أكوّن علما عن جسدي، "علّمتني تجربة لحمي بما هي غلافُ إدراكي أنّ الإدراك لا يولد أينما كان بل هو ينبعث من خفايا جسد" ما. إنّ "الإنسان كلّه هو هنا سلفا" ، وذلك قبل ما سيقوله العلم عن أجسادنا.
"ليس جسدي وحده هو الذي يدرك" إذن. ليس المرئي وحده هو موضوع الإدراك. بل ثمّة عالم لامرئي علينا هو أيضا أن نراه. وعليّ أن أفهم أخيرا أنّ "حياتي ...هي أخرى وهي ذاتها" معا. وينبّهنا مرلو-بونتي هنا إلى أنّ غرضه ليس الزعم أنّه "بإمكاننا أن ندرك دون جسد" بل فقط "أنّه يجب إعادة النظر في تعريف الجسد كموضوع محض" . ورأس الأمر في إعادة النظر هذه هو التمييز بين سؤال الماهية و معنى الواقعة: إنّ كينونتنا ليست ماهية جاهزة ونهائية، بل هي واقعة مفتوحة على جملة تجربتنا في العالم وللعالم. هو الفرق بين "أنّ" (that) ثمّة ذاتا أو عالما، وبين "ما" (what) هي هذه الذات أو ذاك العالم. "أنّ" ثمة ذات- هذه واقعة أقدم من كلّ سؤال عن الماهية. و"ما" تكون أيّ ذات ليس معطى علميا أبدا . لذلك ليس جسدي أو عالمي ماهية بل هو واقعة. ولذلك فأنا "أنتمي" إلى العالم قبل كل علم . ولذلك فما أؤسس عليه معنى كينونتي هو "إيمان" وليس "حجة" .
لكنّ هذا الإيمان ليس مجرد اعتقاد كسول، إنّه ضرب عنيد من "التفكّر": فإنّه "يظّهر كمسيرة نحو ذات مجهولة" . فهذا النوع من التفكّر "يستردّ كلّ شيء إلاّ ذاته" . بل "يمكن لقدرتنا على العودة إلى ذواتنا أن تقاس تدقيقا بقدرة [ما]على الخروج منها" . وعلى ذلك لا يخلو التفكّر من "سذاجة" ما، إذ مازال يشترط لإنشاء العالم أن يمتلك قبلُ مفهوم العالم كشيء قائم سلفا ، فيعوّض العالم بالشيء المفكّر فيه . ومن ثمّة فإنّ على الفلسفة أن تبحث عن "انطلاقة مغايرة" .
علينا أن نقبل بهذا: " أنّ العودة إلى الذات هي كذلك خروج منها"، وذلك أنّ الإنسان يكون دوما قد بدأ "خارج نفسه" . ولذلك علينا الكفّ عن أيّ طمع "أنانوي" ينتهي دوما بالسقوط في ضرب من "ليل الهوية" الذي لا مخرج منه. في الواقع إنّ الكينونة "لا تدين بشي لحالات وعيي" . إنّ علينا أن نفصل بين "الأنانة" و "الإنّية": أنا لست "أنا" جامدة ، تقف فوق عالمي لتموضعه وتعرفه، كأنني "مجال ترنسندنتالي" فوق عالمي، بل أنا "نفسي" التي هي ضرب من "اللاشيء" الذي أصنع منه ذاتي. أنّ الأنا هو لاشيء معناه أنّه "ليس له طبيعة" . ومن ليس له طبيعة لا يوجد في أيّ موضع بعينه. أنا وضع فقط علي أن أضطلع به. ولذلك فإنّني دوما أكثر ممّا أزعم أنّني إياه. "وما أكونه جملة يفوقه ما أكونه بالنسبة إليّ أنا ذاتي" . أيّها البشر، "لسنا العلة الملائمة لكلّ ما نحن إياه" !
ولذلك لا يوجد "إدراك أوّل للإنية والكينونة" علينا أن ننطلق منه أو أن نعود إليه مثلما تريد فلسفة الوعي والتفكّر. في البداية أنا لاشيء. و"لأنني لاشي فإنّه عليّ أن أكون وضعي" ، أي أن أحتمل عدمي وسلبيّتي بشكل مناسب وصارم، وهي لمهمّة جدّ صعبة . وليس ذلك سوى أن أحتمل "السؤال المركزي الذي هو نحن" ، والذي يفرّعه مرلو-بونتي إلى الأسئلة القصوى حول نفسي من قبيل: " العالم ذاته، أين هو ؟ ولم أنا، أنا ذاتي ؟ وما هو عمري الحقيقي ؟ وهل أنا وحدي حقا من أكون أنا ؟ أليس لي في مكان ما، نظير أو توأم ؟"
لنقل "أنا مجال تجارب حيث ترتسم عائلة الأشياء" ، وليس مجرّد "متأمّل عالم" معزول في أنانته. لكنّ التجربة هنا لها معنى أكثر من إمبريقي: إنّ التجربة هي النسيج الذي يشدّ جسدي إلى العالم الذي أعيشه وفق الإيمان الإدراكي الذي لي عنه. التجربة هي "لحم الزمن" الذي يجعلني أشعر أنّني "امتداد للحم" العالم الذي من حولي. لا فاصل بين لحم جسدي ولحم العالم، بين "جسدي الموضوعي وجسدي الفينوميني" . ليس جسدي "قطيعا تائها من الإحساسات" بل هو "جزء من اللحم الدائم للعالم" . ولذلك كذبة هو الفاصل الحديث بين "الذات" و"الموضوع" : "إنّ الأشياء تمرّ إلى داخلنا تماما كما نمرّ نحن إلى داخل الأشياء" .
بذلك نحن مطالبون بالانتقال من السؤال : "من أنا ؟" إلى سؤال أكثر عينيّة، ألا وهو "ماذا ثمّة ؟ أو حتى ما الثمّة ؟" .ماذا ثمّة في أنفسنا، متى وقفنا على أنّنا محض رؤية ترى ولا ترى ؟ - إنّ ما هو ثمّة في أنفسنا هو : "أنّ العالم لحم كلّي" . ومن ثمّة أنّ جسدي يستطيع أن يدرك العالم "دون أن يكون عليه الخروج من ’’ذاته’’ لأنّه ليس كلّه داخل ذاته" . ولأنّ العالم لحم فليس ثمة فاصل بين العالم والجسد : "إنّ جسدي لحم منطبق على لحم لا يحيط به العالم ولا العالم محاط به" . ما ثمّة هو "تداخل وانشباك (entrelacs) بين الواحد والآخر" . ولكن ما معنى "اللحم"(la chair) هنا ؟ وكيف نفرّق بين "الجسد" و "اللحم" ؟
في الحقيقة، إنّ السرّ هنا لا يتعلق بالتفريق بل بفهم الانشباك بين الجسد وعالمه. وأوّل خطوة علينا القيام بها هي تحرير معنى "الجسد" من "الشيئية" التي تُلبسها إياه العلوم الحديثة. ليس الجسد شيئا أو واقعة. ولذلك هو ليس "في" العالم؛ بل هو تجربة عالم حيث يتداخل الرائي والمرئي "بحيث ما عدنا نعرف من يَرى ومن يُرى" .
ولكن متى "أصير لحما" ؟ - لا يكفي أن ألاحظ "جسدي" كواقعة في العالم المحسوس حتى أصير "لحما". ولهذا يؤكّد مرلو-بونتي بحرص خاص أنّه "ليس ثمة اسم في الفلسفة التقليدية ليقول ذلك" . وهو يعرّفه كالتالي:
" إنّها هذه المرئيّة (Visibilité) وهذه العمومية التي هي مرئية وعمومية الحسي في ذاته، هذه الغفلية الفطرية (anonymat inné) التي هي غفليتي أنا ذاتي هي التي كنا سميناها منذ حين لحما" .
وكما أنّ المرئيّ ليس "مادة" فإنّ اللحم هو أيضا ليس مادة مكوّنة من جسيمات ما، ولذلك هو أيضا ليس "واقعة" أو شيئا أو "جوهرا"، وزيادة على ذلك ليس "تصوّرا" يبنيه التفكّر، بل هو "شيء عام" بين الفردي والفكرة، أو هو أقرب ما يكون، حسب مرلو-بونتي إلى ما سمّاه القدماء "الأسطقس" بالمعنى الذي يُطلق فيه على عناصر الماء والهواء والنار والتراب :
"إنّه ضرب من مبدأ مجسّد (incarné) يجلب معه أسلوب كيان في كل مكان يوجد فيه جزء صغير منه، فاللحم بهذا المعنى هو ’’أسطقس’’ الكينونة" .
لكن إذا لم يكن اللحم "واقعة" بالمعنى الفيزيائي، فهو "وقائعية" (facticité): "ما يجعل الواقعة واقعة" . وليس أقلّ ملامح الطرافة في هذا المفهوم المثير أنّه يبيّن لنا في آخر المطاف "أنّه لا وجود هنا لمشكلة الأنا الآخر لأنّني لست أنا الذي أرى وليس هو الذي يرى، ولأنّ مرئية مجهولة تسكننا نحن الاثنين، تسكننا رؤية بشكل عام بمقتضى هذه الخاصية التي تنتمي إلى اللحم، كونه هنا والآن، خاصيته أن يشع في كل مكان ودائما" .
هنا يسقط "الوهم الأنانوي" وتنتبه الذات إلى أنّها رائية ومرئية في آن، تقع "تحت بصر الأشياء" كما تراها، في نوع من النرجسية الطريفة: أن نشعر أنّنا لا نمتلك العالم بل هو الذي يمتلكنا. "ولأوّل مرة لا يتزاوج الجسد مع العالم، إنّه يحتضن جسدا آخر" . وبدلا من ضجيج الذات المتعالية الحديثة حول سيادتها على الطبيعة، ينبّهنا مرلو-بونتي إلى أنّ تجربة الرائي المرئيّ تعلّمنا أنّ اللحم هو "التفاف المرئي على الجسد الرائي والتفاف الملموس على الجسد اللامس"، إنّه "كل الحياة اللمسية لجسدي" . ولأنّ اللقاء مع الأشياء هو ممّا لابد منه، فإنّ انبثاق اللحم في أفقنا يجعنا نقف على أنّ المرئيّة التي تلفّ أجسادنا، لحم الكينونة هذا، إنّما هو "الوسط" حيث تتكون الذوات والموضوعات، فهو ليس "ذرة الكينونة" بل يأتي إلينا "كعنصر أو كرمز عيني لطريقة كيان بعامة" .
2) الترجمة اللحمية : تحرير اللامرئي
أ- الترجمة وآخريّة الآخر
حين يتكلّم الآخر فهو يبدو وكأنّه ينطق دوما من "وراء جسد" وعلى كلّ أنا "لا أقدر على منع نفسي من وضع الآخر والإدراك الذي له، وراء جسده" . فكيف أترجم كلام الآخر دون أن أراه ؟ حين يتكلّم الآخر هو يسطو على عالمي الخاص. وفجأة ألاحظ أنّ "عالمي الخاص قد كفّ عن أن يكون لي وحدي، إنّه الآن الآلة التي يعزف عليها آخر" .
بين آخرية الآخر وترجمته صلة غامضة ليس أطرف من تجربة اللحم التي استكشفها مرلو-بونتي محكّا للوقوف عليها. وعليّ أن أعترف بديّاً أنّني لن أترجم الآخر إلاّ "لأنّني أؤمن بالآخر، وهو من جهة أخرى يعنيني أنا ذاتي بما أنّه يوجد فيه ما يشبه رؤية الآخر مسلطة عليّ" . عليّ أن أقرّ سلفا بأنّ "الآخر الذي يجتاحني ليس مجبولا إلا من طينتي" . لا يضيف الآخر إذن إلى إنّيتي شيئا غريبا تماما عنها. إنّه ليس من عالم آخر بل هو ينتمي إلى عالمي. و"اللغز" الوحيد الذي يضيفه هو تنبيهي المخيف إلى أنّ "حياتي الأكثر سريّة" يمكن أن "تنتشر في الآخر"، وبعبارة واحدة أنّ "حياتي ...هي أخرى وهي ذاتها (autre et la même)" .
ليس الآخر إذن كائنا يختفي أو ينحبس "وراء" جسده الذي "أراه" : إنّه مثلي "لا يوجد في أيّ موقع" . ولا يمكن أن يظهر الآخر كشيء من الأشياء أبدا. من أين ينبع إذن ؟ - إنّ إجابة مرلو-بونتي جدّ طريفة:
"الآخر يولد من ضلعي بضرب من الافتسال (bouture) أو التضاعف مثلما كان الآخر الأول قٌدّ من قطعة من جسد آدم كما يقول سفر التكوين" .
الآخر "انفتاح ثان على الأشياء" وليس موضوعا لمعرفتي. بل هو من يذكّرني بأنّ "الإنّية هي لاشيء" ، وأنّه بحضور الآخر في عالمي قد صار "ما أكونه جملة يفوق ما أكونه بالنسبة إلي أنا ذاتي" . من دون الآخر يسقط الأنا في "ظلمة الهوية"، أي يصير "شيئا" .
بناء على هذا الانشباك الساق مع حضور الآخر في عالمي فإنّه، وعلى خلاف ما زعمه ساتر وكل فلسفات السلب، "فلسفيّا، لا وجود لتجربة الآخر" ، إذا فهمنا بذلك "فلسفة تستقر في الرؤية المحض" وتعامل الآخر كما شيء من الأشياء، من خلال نظر لا يستطيع أن يهيمن إلاّ على أشياء .
لكنّ الآخر ليس كارثة؛ فإنّ "بصر الآخر" فيه دوما جديد ما بالنسبة إليّ: إنّ اللقاء معه جزء من "وقائيتي" وهو دوما "يوفر لي معنى" . إنّ الآخر هو دوما من يراني، أي من يستطيع أن "يقلب عليّ ...الحزمة الضوئية التي كنت حبسته فيها" . ولأنّني "لا أحيا إلاّ حياتي" فإنّ الآخر يطلب فلا يدرك دوما، و "ما أقوله عنه يظل دائما مشتقا مما أعرفه عن ذاتي بذاتي" .
كلّ مماهاة مع الآخر في عالم فكري محض تنتهي بالضرورة إلى أن "تقوّض آخرية الآخر" وتدافع من جهة أخرى عن "انتصار أنانة مستترة" . وعلينا أن نكفّ عن التعامل مع الآخر وكأنّه "وعي" آخر: إنّ الآخر ينبغي أن يُفهم " كقاطن جسد ومن خلاله كقاطن في العالم" .
وهنا يقرّ مرلو-بونتي بعسر الأمر الذي بلغه من استجلاء تجربة الآخر والتي تظل رغم كل شيء بمثابة "تجربة ممنوعة" . كأنّني لا أنجح في ضمان "غيرية" الآخر إلاّ متى استطعت أن أجعله "لامرئيّا" بالنسبة إليّ ! لكنّ العمى إزاء الآخر هو أكبر شكل من التعدي علي كيانه. كيف لي إذن أن أحترم "الأصالة الجذرية للذاته الذي للآخر " ؟
وحسب مرلو-بونتي فقد أساءت فلسفات السلب إلى حدّ الآن طرح مسألة "الآخر" (autrui) وذلك لأنّها تعوّدت من دهرها أن تختزلها في مشكل "الـغير" (l’autre) بعامة : هل الغير سوى ضرب من "اللاّ-أنا بعامة" ؟ والحال أنّ الآخر ليس الغير، أي ليس مجرد "سلب" للأنا الذي يسود على موضوعه .
بدلا من ذلك يقترح مرلو-بونتي أن نكفّ عن اعتبار الآخر "غيرا" أي "بليّة" تسقط على عالم الأنا، فإنّ "التفرّد" لا يلغي كوننا والآخر في صلب كينونة واحدة، ومن ثمّ أنّ "على الآخر أن يكون مرآة لي كما أنا مرآة له" ، "ضمن نفس العالم" .
ب- الترجمة عمل جسدي أو تحرير اللامرئي
في عدد من المرات، يتمثّل مرلو-بونتي في تخريج معنى "المرئي" بفعل الترجمة. ومنه أنّ "الفهم هو ترجمة معنى سجين بدءاً في الشيء وفي العالم ذاته، ترجمة ذلك المعنى إلى دلالات جاهزة." فهل هذا هو ما يحدث عندما نترجم نصّا ؟ هل نحرّر معنى سجينا أم نكوّن مجموعة من العلامات تقابل مجموعة العلامات التي في النص الأجنبي ؟
إنّ رهان الترجمة موقوف على طبيعة علاقتنا باللغة. وحسب مرلو-بونتي فإنّ اللغة ليست مجرّد جهاز لساني لمعرفة العالم ، بل هي ذاتها "عالم" . ومن يترجم هو، من حيث لا يحتسب، ينقل عالما إلى عالمه. ويمكن أن نوازن الترجمة بتعريف هوسرل للفلسفة الذي يستعيده مرلو-بونتي، ألا وهو أنّ "الفلسفة تتمثل كلها في استعادة القدرة على العَنْي وعلى ولادة المعنى" . وإنّ فلسفة الترجمة التي تعمل في كل ترجمة للنصوص العظيمة هي تلك التي تكون الفلسفة بمقتضاها "قراءة المعنى وقد وصلت إلى تمامها" .
أن نترجم هو أن نقطع المسافة بين المعنى السجين والدلالة الجاهزة. لكنّ مرلو-بونتي سرعان ما ينبّهنا إلى أنّ "الدلالة تفيض بالمقابل على وسائلها" . كيف يجدر بنا أن نأخذ ذلك ؟ يبدو أنّ المترجم لا يملك المعنى لأنّه لا يملك "عالم" النص، بل عليه فقط أن يطلق سراحه. وكما الموسيقيّ هو "يشعر، ويشعر الآخرون بذلك، أنّه في خدمة اللحن، إنّ اللحن هو الذي يغني عبره" . ليست الترجمة اشتغالا تقنيا على "أمثلية" (idéalité) لسانية محضة، فإنّ "الأمثلية المحضة ليست هي ذاتها دون لحم ولا هي متحررة من بنيات الأفق: إنّها تحيى بها، حتى وإن تعلق الأمر بلحم آخر وبآفاق أخرى" .
ولأنّ قراءة المعنى هي عمل جسدي حيث تقع "الرابطة بين اللحم والفكرة" ، فإنّ الترجمة هي ضرب من تحرير الرؤية أو "المرئيّة"، ولكن حيث أنّ تجربة المرئي هي هي "استكشاف للامرئيّ ما" . وهذه المرئيّة هي ضرب من "الهجرة" "ليس خارج كلّ جسد، وإنما داخل جسد آخر أقلّ ثقلا وأكثر شفافية، ولكأنّها تغير لحمها، مهاجرة من لحم الجسد إلى لحم اللغة، وبذلك تكون متحررة وليست متحللة من كل شرط" . هنا نكتشف أنّ "أفكار" النص ليست "مضمونا" بل "انفتاح لبُعد ما عاد له أن ينغلق" .
إنّ الترجمة واحدة من "تجارب اللحم" ، وهنا لا يعني ذلك أقلّ من "التحام جسدي بالعالم"، عالم النص، النص من حيث هو في نفس الأمر "لامرئيّ هذا العالم، اللامرئي الذي يقطنه ويسنده ويجعله مرئيا" . في تجربة اللحم، من حيث هو أسطقس الكينونة الذي يجمع على نحو من المفارقة بين المؤلف والمترجم في عالم واحد ووحيد، يحدث ضرب غريب من التصادي بين المتكلّم في النص الأجنبي والمتكلم في النص المترجم: كلّ منهما يسمع الآخر ولكن دون أن يكلّمه. وذلك "لأنّه ولا متكلم يتحدث إلاّ وهو يجعل من ذاته مستمعا بشكل مسبق (..) وفي ذات الآن يتعين هو أيضا غير متكلّم، يتعين كلاما نتكلم عنه" . لا يفعل المترجم غير أن يستمع إلى المؤلف يستمع لذات نفسه سلفا. يستمع إليه متكلّما ثم يستمع إليه صامتا لا يتكلم، في آن.
ولذلك فالترجمة لا يمكن أن تكون "أمينة" إلا إذا أفلحت في إطلاق "معنى سجين" من سجنه، أي أوّلا من "شيئيته"، ثم خاصة من "عالمه"، أي من مرئيّته . ولكن بم عسانا أن نحرر معنى إلاّ بأنفسنا ؟ لا يمكن للمترجم أن يترجم إلاّ بقدر ما يبادل عالما بعالم ولحما بلحم. لذلك "أن نفهم جملة ليس شيئا آخر غير أن نستقبلها تماما في كياننا الصوتي: أو كما نقول جيّدا: نسمعها (entendre)؛ فالمعنى ليس معطى فوقها كما الزبدة على قطعة الخبز" .إنّه إمكان كامن في عالم مرئي كاللامرئي فيه، وليس لي من وسيلة أخرى لاستفزازه إلاّ "لحم اللغة" التي أتكلمها بوصفها هي نفسها "لحم العالم" الذي أنتمي إليه. كيف أخرج المعنى من "العالم الأخرس" الذي يسكنه إلى "العالم المنطوق" الذي أتكلمه ؟ لا يكون ذلك إلاّ من خلال "وجود يكاد يكون لحميا للفكرة" ، أي لم تعد اللغة معه جهازا لسانيا أداة، بل، كما يقول مرلو-بونتي متمثلا بقولة لبول فاليري، صارت "كل شيء، طالما أنّها ليست صوتا لأحد وأنّها صوت الأشياء والأمواج والغابات نفسه" .
ذلك يعني أنّ المترجم لا ينقل أفكار شخص بعينه بل هو يفتح عالما على أبعاده ويسكنه، ويدعونا عبره إلى المرور عبره. فليس هناك "وعي" يدير شؤون النص من عل. الترجمة تجربة غير مرتبطة بأي ضرب من "مرجعية الأنا " . فالمترجم ليس "أنا" كما أنّ المؤلف ليس "أنا".إنّهما ساكنان متجاوران في عالم النص. ولذلك نحن لن نفلح في ترجمة نص إلاّ متى نجحنا في البلوغ إلى "تلك النقطة حيث نصبح، بواسطة ضرب من التصالب ( chiasme)، نحن الآخرين ونحن العالم" .
دون "فلسفة اللحم" ستكون ترجمة الآخر اعتداء سافرا على عالمه، بقدر ما هي إساءة حمقاء إلى أنفسنا. وذلك أنّه "لا وجود لمعنى آخر غير المعنى الجسدي" . فإنّه "لا وجود لكلام فلسفي خالص بإطلاق" . ونحن لا نستطيع أن نقابل الآخرين إلاّ في أجسادنا. ولذلك فإنّ المطلوب "ليس إيجاد مخرج لحل ’’إشكال الآخر’’- بل هو تغيير الإشكال" .
- تلك بعض قليلة من ملامح مغامرة المترجم التي خاضها الأستاذ عبد العزيز العيادي في نحو من الالتحام النادر مع مرلو-بونتي، كاتبا ثمّ فيلسوفا.                                    

حازم محمد عفيفى

عدد المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 19/10/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف حازم محمد عفيفى في الجمعة نوفمبر 15, 2013 3:56 am

 
علي مولا. كتب:
بداية لمن يود الاحتفاظ بالمقال .. يمكن تحميله  ، وهو في ملف وورد ، مع أجمل الورود لمن يشاركما الاهتمام
****

لتحميل المرئي واللامرئي
يظهر الرابط بعد كتابة رد وذلك لتفعيل المشاركات وجذب المزيد من القرّاء
فائدة تفاعلية : منكم وإليكم


أو



********************************
************

الفلسفة لحماً ودماً

قراءة في ترجمة
موريس مرلو-بونتي، المرئي واللامرئي. ترجمة وتقديم د. عبد العزيز العيادي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008) 476 صفحة

فتحي المسكيني، جامعة تونس المنار

"الفلسفة من ناحيتها هي أكثر وأقلّ من ترجمة، هي أكثر لأنّها هي وحدها تقول لنا ما يريد النصّ قوله، وهي أقلّ لأنّها لا يمكن استخدامها ما لم نتوفّر على النصّ."
مرلو-بونتي، المرئي واللامرئي،ص 58/ 95

"إنّ من ينفتح أمامه الأفق يتمكّن منه الأفق ويحتويه"
مرلو-بونتي، نفسه، ص 237
" ما كذب الفؤاد ما رأى "
سورة النجم الآية 11
تقديم:
لقد أفلح مترجمُ كتابِ المرئي واللامرئي إلى حدّ مثير في جعل مارلو-بونتي "كاتبا" عربيا بلسان مبين ! كأنّ حلم المترجم عنده هو أن يُنسينا كلّ ما هو "أجنبيّ" أو دخيل في نصّ ما: عجمته الأصلية، غرابة عالمه الأوّل، وبُعد مؤلّفه عن أسمائنا. فجأة لم يعد مهمّا أن نعرف أنّ النصّ الذي نتصفّحه لم يُكتب أصلاً في لغتنا، وإنّما هو منقول إليها نقلاً. كأنّ مرلو-بنتي قد تنبّت مرة أخرى في إحدى قُرانا المتخفّية عن الوقت، وأخذ يرسم بيديه كلتيهما "لحم" أنفسنا في "لحم" لغتنا دونما وجل أو خجل. إنّ مرلو-بونتي يسخر بلطف خاص من كلّ تحفّظاتنا إزاء "الغيرية" واحتياطاتنا من "الآخر". إذ بدلا من أن يكون الآخر عندي هو "الجحيم"، كما كان يحلو لسارتر لجوج أن يقول، فإنّ "بصر الآخر، وفي هذا الأمر يحمل إليّ جديدا، يلفني بكاملي، كينونةً وعدماً" . ومن ثمّ فإنّ نكتة الإشكال إنّما تتعلّق "بفهم الكيفية التي أقدر بها على تحمّل الرؤية التي يحملها الآخر عنّي، أو في نهاية المطاف ..بفهم انتمائنا المشترك إلى العالم" .
نحن نأخذ ترجمة كتاب المرئي واللامرئي، مضموناً ومنهجاً وأصالةً وإحراجاً، بمثابة محكّ نادر للوقوف على مدى قدرتنا على فهم ماهية الترجمة الفلسفية في لغتنا: فأنْ نترجم يعني أن نمتحن قدرتنا على تحمّل رؤية الآخر لنا ولكن كحدث داخلي وعميق في صلب أنفسنا، وذلك من فرط أنّه سينقال في لحم لغتنا بوصفها ليست شيئا آخر غير لحم الكينونة التي بها نحن والآخرون "متكاينون" (coextensifs à l’être) . بين الترجمة والآخريّة صلة سابقة إلى اللغة، علينا أن نتعقّب خيوطها الرفيعة، ولكن مع العلم بأنّه "فلسفيّا، لا وجود لتجربة الآخر" ، في معنى أنّه "ليس ثمّة تجربة إيجابية للآخر" ، فالآخر ليس شيئا. إنّه، حسب عبارة مرلو-بونتي، مصنوع بالكلّية من "خجلي" بل هو "حقيقة خجلي" . فبأيّ معنى يمكنني عندئذ أن أترجمه إلى لغتي ؟
سوف تكون الإجابة عن هكذا سؤال في أغلبها دعوة للتجوال في عالم مرلو-بونتي كما أفلح المترجم في استدعائه إلينا "لحما ودما". وذلك في نحو من المصاحبة التي تكتفي باستفزاز معاني الكتاب فتأتينا في "حالة فلق" من فرط نفسها دونما وجل أو تكلّف.
ربّ مطلب سوف نلتمس في السبيل إليه التساؤلين التاليين:
1) ما هو الاكتشاف الفكري الأكبر في كتاب المرئي واللامرئي بحيث تشكّل ترجمته عرسا فلسفيا ؟ أو اكتشاف الجسد في لحم الكينونة
2) ما هي مقوّمات الترجمة الفلسفية في هذا العمل ؟ أو الترجمة لحماً ودماً (traduction charnelle)
======
1) اكتشاف الجسد في "لحم" الكينونة : أو في لامرئيّة الذات
أ- الفلسفة "سؤال موجَّه لما لا يتكلّم"
يعلّمنا مرلو-بونتي كيف تأخذ الفلسفة انبثاقتها الصعبة من "لحم الحاضر أو ’’الثمّة’’( il y a) " الخام التي لا تستشير أحدا في أن تكون. ثمّة كائن. ثمّة عالم. ثمّة جسد. وعلينا أن نتحمّل السؤال عن معنى ذلك إلى النهاية دونما أيّة "أطروحة" نهائية حول كلّ ذلك، قد تمطّط كسل الروح في أفقنا. ذلك بأنّ "الفلسفة ليست قطيعة مع العالم" ، وعلى ذلك هي أيضا "ليست انطباقا معه" ، إنّها "لا تبحث إذا عن تحليل علاقتنا بالعالم وعن تفكيكها وكأنّها كانت قُدّت بالتجميع" . نحن لسنا جزء من أيّ شيء. بل "كائن هو بتمامه اظّهار" أو ضرب من "التبلّر" .
من أجل ذلك ليس على الفيلسوف أن يواصل أسئلة "المعرفة"، وذلك لأنّ "الفلسفة ليست استيعاء" (prise de conscience) و"نحن ليس لنا وعي مقوّم للأشياء مثلما تعتقده المثالية" . فنحن في الأصل لا نعرف بل فقط نؤمن بإدراكاتنا، والفلسفة نفسها هي في سرّها "إيمان إدراكي" اهتدى إلى طريقة فذّة لطرح أسئلة مناسبة عن وعلى نفسه . وبعبارة واحدة: الفلسفة في صميمها "سؤال موجّه لما لا يتكلّم" فينا: "ذلك المزيج المتكوّن من العالم ومنّا والذي يسبق التفكّر" .
حين نتفلسف نحن ننطلق سلفا من "غموضنا" وليس من "بداهاتنا" . والسؤال –الفاجعة الأولى لا يمكن أن يكون إلاّ تساؤلا من هذا النحو: "ما هذا الشيء الذي هو نحن ؟" . وإنّ ذلك هو ما افتتح فيه مرلو-بونتي مغامرة المرئي واللامرئي. ليس الفيلسوف من يحفظ على العالم بداهته، بل على العكس من ذلك هو من ليس في وسعه سوى أن يؤدي إلى "خسرانها" وتحويلها هي ذاتها إلى "لغز" قائم الذات. فما يحيّرنا فعلا هو أنّ "ولوجنا في العالم" يكاد لا يتميّز عن "انسحابنا منه" . صحيح أنّ لكلّ منّا "عالما خاصا" ؛ إلاّ أنّ العوالم الخاصة "ليست العالم"، نعني "العالم الوحيد...العالم المشترك ( koinos Cosmos)" . ولذلك ما أبعد الفلسفة عن أن "تبحث عن بديل لغوي للعالم الذي نراه" . و"التفلسف ليس هو أن نضع الأشياء موضع شكّ باسم الكلمات" . إنّ اللغة نفسها "عالم" و"كينونة" . ولذلك "ليس بإمكاننا أن نقصر الفلسفة على تحليل لساني" لما قيل عن موضوعات محددة. بل أكثر من ذلك: إنّ الفلسفة لا تتعلق بما هو مقول أو ما هو معروف فحسب. وذلك "لأنّ الكلام لا يدور فقط حول ما نعرف، ...وإنّما كذلك حول ما لا نعرف" . وإنّ الكلام الثقيل ليس ذاك "الذي يحبس ما يقوله" في قيود التحديد والتعريف، بل بالأحرى ذاك الذي "يفتحه بكلّ ما أوتي من قوة على الكينونة" . لم نأت كي "نتملّك" الكينونة، بل كي "نذرها تكون" . وذلك لأنّنا لا نبحث منها عن "إجابة" بل عن "تأكيد لدهشتنا" .
الكينونة هي ما لا يتكلّم في عالمنا. والفلسفة الحقة هي تلك التي "تسأل تجربتنا للعالم عما هو العالم قبل أن يكون شيئا نتحدث بشأنه" . ولذلك لا أحد يمكنه أن يغلق دلالات اللغة فيما قيل ، فإنّ "اللغة لا تحيى إلاّ بالصمت" . ومن ثمّ فإنّ عليها أن تخطئ: بل "اللغة هي قدرة على الخطأ" . والصعب هو العثور على "خطأ جيّد" . وذلك هو قدر الفيلسوف: "وهن فيه" أن يتكلّم. وإذا تكلّم فكأنّما هو "يصوغ صمتا معيّنا يصغي إليه في داخله" .
أمّا النتيجة المثيرة من هذا المعطى الحاسم فهي هذه: أنّه "ليس لي أن أخرج من ذاتي إلاّ بواسطة العالم" . العالم "أقدم" من أفكارنا. ولذلك نحن دوما نرتبط به من خلال إيمان إدراكي ما، "يفترضه العلم لكتّه لا يوضّحه" . إلاّ أنّه افتراض يشبه "العمى": فبقدر ما يكون العلم أعمى إزاء الكينونة، هو ينجح في تحديد الكائن ومعرفته . ولذلك لا يستطيع الفيلسوف أن يمنع نفسه من ملاحظة أنّ العلماء يتحرّكون وكأنّهم "يقدّمون ’’أفضلياتهم’’ كما الموسيقيّ أو الرسام" . كأنّما أنطولوجيا الموضوع التي أقام عليها العلم الحديث قواعده لا تعدو أن تكون غير "تفضيل معيّن" . إنّ "المتفرّج المطلق" الذي ينتج العلم "محلّقا فوق موضوعه" هو افتراض ينبغي مراجعته . ولا تكمن قوة الفلسفة إلاّ في كونها تستطيع أن تضع "من يسأل" موضع تساؤل . لكنّ الأمر "الأعسر هو أن لا نخطئ بشأن ما هو السؤال" .
ليس السؤال مجرّد أداة تحديد أو التقاط بارد للماهيات كأنّما هي أشياء أو وقائع منقطعة عنّا مهملة في خواء الكينونة. إنّ أكبر مدعاة للتفكير هي أنّه "ثمّة عالم". ولا يمكن لأيّ تحديد ماهوي أن يأتي على معنى ذلك. إنّ الثمّة تقع "تحت الماهية" وإنّها "التجربة التي تشكل الماهية جزءا منها ولا تحيط بها" . إذ تفترض "الماهية" متفرّجا محضا لا وجود له فينا. وعلينا أن نقبل إذن بأنّ سؤال الماهية ليس هو "السؤال النهائي" في الفلسفة، من أجل أنّ "السؤال الفلسفي لا يضعه فينا متفرج محض" . ليست الماهية شيئا، بل "كيفية كيان" (Sosein) ، ولذلك "لا ماهية ولا فكرة إلا وهي متعلقة بميدان تاريخي وجغرافي" ، وبهذا تحديدا على الماهية أن تنقلب معنى وتجربة للمعنى، فإنّ "المعنى هو الكائن الوحيد المشروع" . نحن تجارب وليس وقائع. ولذلك فالفيلسوف لا ينتظر شيئا، بل ، "بضرب من الحول"، هو ذاك الذي يفلح في الانقلاب على ذاته وعلى أسئلته .
ب- من الجسد-الموضوع إلى لحم الجسد : الإنّية بين المرئي واللامرئي
ليس الإنسان غير من يسأل. ولبّ الأسئلة جميعا الذي بدأ به مرلو-بونتي مغامرة المرئي واللامرئي هو هكذا تساؤل فجّ وغامض: " ما هذا الذي هو نحن ؟" . ولكن لنحترس منذ الآن: ليس ثمّة إجابة أو أطروحة جاهزة حول هذا المطلب. بل ينبّهنا مرلو-بونتي إلى ما في الأطروحات والأجوبة من زيغ وخداع. إنّ ديدن الفيلسوف هو ألاّ يدافع عن أيّة إجابة جاهزة حول أنفسنا. وذلك أنّ عليه أن ينطلق في البحث عن ذاته من أفقر معطى يعثر عليه في الأثناء: أنّه "يرى الأشياء" و"أنّ العالم هو ما نراه" . ليست الفلسفة إذن "معجما" جاهزا للاستعمال، بل هي قدرة على التساؤل عمّا نرى، أي عن نمط ولوجنا في العالم المرئي. ومثل "الإنسان النائم الذي فقد كل وجهة" ، يبدو الفيلسوف محرجا سلفا من أيّ رؤية للعالم المرئي لا يملك القدرة على مساءلتها بشكل مناسب.ووجه الإحراج هو شعوره القوي بأنّ ما يحضر أمامه داخل العالم ليس مجرّد شيء "متكلّد" و إنّما هو "يقيم علاقة فريدة بعينيّ وجسدي" . حين أرى "ينتفض كلّ محيطي القريب" ويأتي باتجاهي.
وعلى ذلك فإنّ قرب العالم المفرط منّي هو بنفس القدر سبب قاهر لاستغلاقه عنّي . إنّ رؤية العالم من حولي ورطة للعلاقة معه وليس أداة لمعرفته. فأنا ليس مجرد "جسد" طبيعي أي مادة عضوية أو حيوانية بلا مشروع خاص، بل أنا رؤية ترى. ووجه الخطورة في هكذا فكرة هو التنبيه المضاعف إلى أنّه كما أنّه لا وجود لـ"رؤية من الداخل"، كذلك فإنّ "اللجوء إلى ’’الخارج’’ لن يحمي أبدا في حد ذاته من أوهام الاستبطان" . ليس هناك فاصل طبيعي أو مادي أو نظري بين المرئي واللامرئي في رؤيتنا لأنفسنا أو للعالم. فالرؤية "إيمان إدراكي بالأشياء وبالعالم" سابق على كل ادعاء موضوعي حول أجسادنا، وليس نقلا بصريا آليا لشيء غريب عنّا.
بل أكثر من ذلك: إنّ حياتنا النفسية تشبه شيئا "لامرئيا يوجد في مكان ما خلف الأجساد الحية" . هو لامرئي لأنّه ليس موضوع تملّك أو تشيئة أبدا. فقد ظنّ الإنسان أنّ الإدراك الذي جعله يؤمن بوجود العالم الذي يحيط به يمكن هو أيضا أن يُحاط به ، أي أن يشيّئ الإدراك نفسه. والحال أنّه قبل أن أكوّن علما عن جسدي، "علّمتني تجربة لحمي بما هي غلافُ إدراكي أنّ الإدراك لا يولد أينما كان بل هو ينبعث من خفايا جسد" ما. إنّ "الإنسان كلّه هو هنا سلفا" ، وذلك قبل ما سيقوله العلم عن أجسادنا.
"ليس جسدي وحده هو الذي يدرك" إذن. ليس المرئي وحده هو موضوع الإدراك. بل ثمّة عالم لامرئي علينا هو أيضا أن نراه. وعليّ أن أفهم أخيرا أنّ "حياتي ...هي أخرى وهي ذاتها" معا. وينبّهنا مرلو-بونتي هنا إلى أنّ غرضه ليس الزعم أنّه "بإمكاننا أن ندرك دون جسد" بل فقط "أنّه يجب إعادة النظر في تعريف الجسد كموضوع محض" . ورأس الأمر في إعادة النظر هذه هو التمييز بين سؤال الماهية و معنى الواقعة: إنّ كينونتنا ليست ماهية جاهزة ونهائية، بل هي واقعة مفتوحة على جملة تجربتنا في العالم وللعالم. هو الفرق بين "أنّ" (that) ثمّة ذاتا أو عالما، وبين "ما" (what) هي هذه الذات أو ذاك العالم. "أنّ" ثمة ذات- هذه واقعة أقدم من كلّ سؤال عن الماهية. و"ما" تكون أيّ ذات ليس معطى علميا أبدا . لذلك ليس جسدي أو عالمي ماهية بل هو واقعة. ولذلك فأنا "أنتمي" إلى العالم قبل كل علم . ولذلك فما أؤسس عليه معنى كينونتي هو "إيمان" وليس "حجة" .
لكنّ هذا الإيمان ليس مجرد اعتقاد كسول، إنّه ضرب عنيد من "التفكّر": فإنّه "يظّهر كمسيرة نحو ذات مجهولة" . فهذا النوع من التفكّر "يستردّ كلّ شيء إلاّ ذاته" . بل "يمكن لقدرتنا على العودة إلى ذواتنا أن تقاس تدقيقا بقدرة [ما]على الخروج منها" . وعلى ذلك لا يخلو التفكّر من "سذاجة" ما، إذ مازال يشترط لإنشاء العالم أن يمتلك قبلُ مفهوم العالم كشيء قائم سلفا ، فيعوّض العالم بالشيء المفكّر فيه . ومن ثمّة فإنّ على الفلسفة أن تبحث عن "انطلاقة مغايرة" .
علينا أن نقبل بهذا: " أنّ العودة إلى الذات هي كذلك خروج منها"، وذلك أنّ الإنسان يكون دوما قد بدأ "خارج نفسه" . ولذلك علينا الكفّ عن أيّ طمع "أنانوي" ينتهي دوما بالسقوط في ضرب من "ليل الهوية" الذي لا مخرج منه. في الواقع إنّ الكينونة "لا تدين بشي لحالات وعيي" . إنّ علينا أن نفصل بين "الأنانة" و "الإنّية": أنا لست "أنا" جامدة ، تقف فوق عالمي لتموضعه وتعرفه، كأنني "مجال ترنسندنتالي" فوق عالمي، بل أنا "نفسي" التي هي ضرب من "اللاشيء" الذي أصنع منه ذاتي. أنّ الأنا هو لاشيء معناه أنّه "ليس له طبيعة" . ومن ليس له طبيعة لا يوجد في أيّ موضع بعينه. أنا وضع فقط علي أن أضطلع به. ولذلك فإنّني دوما أكثر ممّا أزعم أنّني إياه. "وما أكونه جملة يفوقه ما أكونه بالنسبة إليّ أنا ذاتي" . أيّها البشر، "لسنا العلة الملائمة لكلّ ما نحن إياه" !
ولذلك لا يوجد "إدراك أوّل للإنية والكينونة" علينا أن ننطلق منه أو أن نعود إليه مثلما تريد فلسفة الوعي والتفكّر. في البداية أنا لاشيء. و"لأنني لاشي فإنّه عليّ أن أكون وضعي" ، أي أن أحتمل عدمي وسلبيّتي بشكل مناسب وصارم، وهي لمهمّة جدّ صعبة . وليس ذلك سوى أن أحتمل "السؤال المركزي الذي هو نحن" ، والذي يفرّعه مرلو-بونتي إلى الأسئلة القصوى حول نفسي من قبيل: " العالم ذاته، أين هو ؟ ولم أنا، أنا ذاتي ؟ وما هو عمري الحقيقي ؟ وهل أنا وحدي حقا من أكون أنا ؟ أليس لي في مكان ما، نظير أو توأم ؟"
لنقل "أنا مجال تجارب حيث ترتسم عائلة الأشياء" ، وليس مجرّد "متأمّل عالم" معزول في أنانته. لكنّ التجربة هنا لها معنى أكثر من إمبريقي: إنّ التجربة هي النسيج الذي يشدّ جسدي إلى العالم الذي أعيشه وفق الإيمان الإدراكي الذي لي عنه. التجربة هي "لحم الزمن" الذي يجعلني أشعر أنّني "امتداد للحم" العالم الذي من حولي. لا فاصل بين لحم جسدي ولحم العالم، بين "جسدي الموضوعي وجسدي الفينوميني" . ليس جسدي "قطيعا تائها من الإحساسات" بل هو "جزء من اللحم الدائم للعالم" . ولذلك كذبة هو الفاصل الحديث بين "الذات" و"الموضوع" : "إنّ الأشياء تمرّ إلى داخلنا تماما كما نمرّ نحن إلى داخل الأشياء" .
بذلك نحن مطالبون بالانتقال من السؤال : "من أنا ؟" إلى سؤال أكثر عينيّة، ألا وهو "ماذا ثمّة ؟ أو حتى ما الثمّة ؟" .ماذا ثمّة في أنفسنا، متى وقفنا على أنّنا محض رؤية ترى ولا ترى ؟ - إنّ ما هو ثمّة في أنفسنا هو : "أنّ العالم لحم كلّي" . ومن ثمّة أنّ جسدي يستطيع أن يدرك العالم "دون أن يكون عليه الخروج من ’’ذاته’’ لأنّه ليس كلّه داخل ذاته" . ولأنّ العالم لحم فليس ثمة فاصل بين العالم والجسد : "إنّ جسدي لحم منطبق على لحم لا يحيط به العالم ولا العالم محاط به" . ما ثمّة هو "تداخل وانشباك (entrelacs) بين الواحد والآخر" . ولكن ما معنى "اللحم"(la chair) هنا ؟ وكيف نفرّق بين "الجسد" و "اللحم" ؟
في الحقيقة، إنّ السرّ هنا لا يتعلق بالتفريق بل بفهم الانشباك بين الجسد وعالمه. وأوّل خطوة علينا القيام بها هي تحرير معنى "الجسد" من "الشيئية" التي تُلبسها إياه العلوم الحديثة. ليس الجسد شيئا أو واقعة. ولذلك هو ليس "في" العالم؛ بل هو تجربة عالم حيث يتداخل الرائي والمرئي "بحيث ما عدنا نعرف من يَرى ومن يُرى" .
ولكن متى "أصير لحما" ؟ - لا يكفي أن ألاحظ "جسدي" كواقعة في العالم المحسوس حتى أصير "لحما". ولهذا يؤكّد مرلو-بونتي بحرص خاص أنّه "ليس ثمة اسم في الفلسفة التقليدية ليقول ذلك" . وهو يعرّفه كالتالي:
" إنّها هذه المرئيّة (Visibilité) وهذه العمومية التي هي مرئية وعمومية الحسي في ذاته، هذه الغفلية الفطرية (anonymat inné) التي هي غفليتي أنا ذاتي هي التي كنا سميناها منذ حين لحما" .
وكما أنّ المرئيّ ليس "مادة" فإنّ اللحم هو أيضا ليس مادة مكوّنة من جسيمات ما، ولذلك هو أيضا ليس "واقعة" أو شيئا أو "جوهرا"، وزيادة على ذلك ليس "تصوّرا" يبنيه التفكّر، بل هو "شيء عام" بين الفردي والفكرة، أو هو أقرب ما يكون، حسب مرلو-بونتي إلى ما سمّاه القدماء "الأسطقس" بالمعنى الذي يُطلق فيه على عناصر الماء والهواء والنار والتراب :
"إنّه ضرب من مبدأ مجسّد (incarné) يجلب معه أسلوب كيان في كل مكان يوجد فيه جزء صغير منه، فاللحم بهذا المعنى هو ’’أسطقس’’ الكينونة" .
لكن إذا لم يكن اللحم "واقعة" بالمعنى الفيزيائي، فهو "وقائعية" (facticité): "ما يجعل الواقعة واقعة" . وليس أقلّ ملامح الطرافة في هذا المفهوم المثير أنّه يبيّن لنا في آخر المطاف "أنّه لا وجود هنا لمشكلة الأنا الآخر لأنّني لست أنا الذي أرى وليس هو الذي يرى، ولأنّ مرئية مجهولة تسكننا نحن الاثنين، تسكننا رؤية بشكل عام بمقتضى هذه الخاصية التي تنتمي إلى اللحم، كونه هنا والآن، خاصيته أن يشع في كل مكان ودائما" .
هنا يسقط "الوهم الأنانوي" وتنتبه الذات إلى أنّها رائية ومرئية في آن، تقع "تحت بصر الأشياء" كما تراها، في نوع من النرجسية الطريفة: أن نشعر أنّنا لا نمتلك العالم بل هو الذي يمتلكنا. "ولأوّل مرة لا يتزاوج الجسد مع العالم، إنّه يحتضن جسدا آخر" . وبدلا من ضجيج الذات المتعالية الحديثة حول سيادتها على الطبيعة، ينبّهنا مرلو-بونتي إلى أنّ تجربة الرائي المرئيّ تعلّمنا أنّ اللحم هو "التفاف المرئي على الجسد الرائي والتفاف الملموس على الجسد اللامس"، إنّه "كل الحياة اللمسية لجسدي" . ولأنّ اللقاء مع الأشياء هو ممّا لابد منه، فإنّ انبثاق اللحم في أفقنا يجعنا نقف على أنّ المرئيّة التي تلفّ أجسادنا، لحم الكينونة هذا، إنّما هو "الوسط" حيث تتكون الذوات والموضوعات، فهو ليس "ذرة الكينونة" بل يأتي إلينا "كعنصر أو كرمز عيني لطريقة كيان بعامة" .
2) الترجمة اللحمية : تحرير اللامرئي
أ- الترجمة وآخريّة الآخر
حين يتكلّم الآخر فهو يبدو وكأنّه ينطق دوما من "وراء جسد" وعلى كلّ أنا "لا أقدر على منع نفسي من وضع الآخر والإدراك الذي له، وراء جسده" . فكيف أترجم كلام الآخر دون أن أراه ؟ حين يتكلّم الآخر هو يسطو على عالمي الخاص. وفجأة ألاحظ أنّ "عالمي الخاص قد كفّ عن أن يكون لي وحدي، إنّه الآن الآلة التي يعزف عليها آخر" .
بين آخرية الآخر وترجمته صلة غامضة ليس أطرف من تجربة اللحم التي استكشفها مرلو-بونتي محكّا للوقوف عليها. وعليّ أن أعترف بديّاً أنّني لن أترجم الآخر إلاّ "لأنّني أؤمن بالآخر، وهو من جهة أخرى يعنيني أنا ذاتي بما أنّه يوجد فيه ما يشبه رؤية الآخر مسلطة عليّ" . عليّ أن أقرّ سلفا بأنّ "الآخر الذي يجتاحني ليس مجبولا إلا من طينتي" . لا يضيف الآخر إذن إلى إنّيتي شيئا غريبا تماما عنها. إنّه ليس من عالم آخر بل هو ينتمي إلى عالمي. و"اللغز" الوحيد الذي يضيفه هو تنبيهي المخيف إلى أنّ "حياتي الأكثر سريّة" يمكن أن "تنتشر في الآخر"، وبعبارة واحدة أنّ "حياتي ...هي أخرى وهي ذاتها (autre et la même)" .
ليس الآخر إذن كائنا يختفي أو ينحبس "وراء" جسده الذي "أراه" : إنّه مثلي "لا يوجد في أيّ موقع" . ولا يمكن أن يظهر الآخر كشيء من الأشياء أبدا. من أين ينبع إذن ؟ - إنّ إجابة مرلو-بونتي جدّ طريفة:
"الآخر يولد من ضلعي بضرب من الافتسال (bouture) أو التضاعف مثلما كان الآخر الأول قٌدّ من قطعة من جسد آدم كما يقول سفر التكوين" .
الآخر "انفتاح ثان على الأشياء" وليس موضوعا لمعرفتي. بل هو من يذكّرني بأنّ "الإنّية هي لاشيء" ، وأنّه بحضور الآخر في عالمي قد صار "ما أكونه جملة يفوق ما أكونه بالنسبة إلي أنا ذاتي" . من دون الآخر يسقط الأنا في "ظلمة الهوية"، أي يصير "شيئا" .
بناء على هذا الانشباك الساق مع حضور الآخر في عالمي فإنّه، وعلى خلاف ما زعمه ساتر وكل فلسفات السلب، "فلسفيّا، لا وجود لتجربة الآخر" ، إذا فهمنا بذلك "فلسفة تستقر في الرؤية المحض" وتعامل الآخر كما شيء من الأشياء، من خلال نظر لا يستطيع أن يهيمن إلاّ على أشياء .
لكنّ الآخر ليس كارثة؛ فإنّ "بصر الآخر" فيه دوما جديد ما بالنسبة إليّ: إنّ اللقاء معه جزء من "وقائيتي" وهو دوما "يوفر لي معنى" . إنّ الآخر هو دوما من يراني، أي من يستطيع أن "يقلب عليّ ...الحزمة الضوئية التي كنت حبسته فيها" . ولأنّني "لا أحيا إلاّ حياتي" فإنّ الآخر يطلب فلا يدرك دوما، و "ما أقوله عنه يظل دائما مشتقا مما أعرفه عن ذاتي بذاتي" .
كلّ مماهاة مع الآخر في عالم فكري محض تنتهي بالضرورة إلى أن "تقوّض آخرية الآخر" وتدافع من جهة أخرى عن "انتصار أنانة مستترة" . وعلينا أن نكفّ عن التعامل مع الآخر وكأنّه "وعي" آخر: إنّ الآخر ينبغي أن يُفهم " كقاطن جسد ومن خلاله كقاطن في العالم" .
وهنا يقرّ مرلو-بونتي بعسر الأمر الذي بلغه من استجلاء تجربة الآخر والتي تظل رغم كل شيء بمثابة "تجربة ممنوعة" . كأنّني لا أنجح في ضمان "غيرية" الآخر إلاّ متى استطعت أن أجعله "لامرئيّا" بالنسبة إليّ ! لكنّ العمى إزاء الآخر هو أكبر شكل من التعدي علي كيانه. كيف لي إذن أن أحترم "الأصالة الجذرية للذاته الذي للآخر " ؟
وحسب مرلو-بونتي فقد أساءت فلسفات السلب إلى حدّ الآن طرح مسألة "الآخر" (autrui) وذلك لأنّها تعوّدت من دهرها أن تختزلها في مشكل "الـغير" (l’autre) بعامة : هل الغير سوى ضرب من "اللاّ-أنا بعامة" ؟ والحال أنّ الآخر ليس الغير، أي ليس مجرد "سلب" للأنا الذي يسود على موضوعه .
بدلا من ذلك يقترح مرلو-بونتي أن نكفّ عن اعتبار الآخر "غيرا" أي "بليّة" تسقط على عالم الأنا، فإنّ "التفرّد" لا يلغي كوننا والآخر في صلب كينونة واحدة، ومن ثمّ أنّ "على الآخر أن يكون مرآة لي كما أنا مرآة له" ، "ضمن نفس العالم" .
ب- الترجمة عمل جسدي أو تحرير اللامرئي
في عدد من المرات، يتمثّل مرلو-بونتي في تخريج معنى "المرئي" بفعل الترجمة. ومنه أنّ "الفهم هو ترجمة معنى سجين بدءاً في الشيء وفي العالم ذاته، ترجمة ذلك المعنى إلى دلالات جاهزة." فهل هذا هو ما يحدث عندما نترجم نصّا ؟ هل نحرّر معنى سجينا أم نكوّن مجموعة من العلامات تقابل مجموعة العلامات التي في النص الأجنبي ؟
إنّ رهان الترجمة موقوف على طبيعة علاقتنا باللغة. وحسب مرلو-بونتي فإنّ اللغة ليست مجرّد جهاز لساني لمعرفة العالم ، بل هي ذاتها "عالم" . ومن يترجم هو، من حيث لا يحتسب، ينقل عالما إلى عالمه. ويمكن أن نوازن الترجمة بتعريف هوسرل للفلسفة الذي يستعيده مرلو-بونتي، ألا وهو أنّ "الفلسفة تتمثل كلها في استعادة القدرة على العَنْي وعلى ولادة المعنى" . وإنّ فلسفة الترجمة التي تعمل في كل ترجمة للنصوص العظيمة هي تلك التي تكون الفلسفة بمقتضاها "قراءة المعنى وقد وصلت إلى تمامها" .
أن نترجم هو أن نقطع المسافة بين المعنى السجين والدلالة الجاهزة. لكنّ مرلو-بونتي سرعان ما ينبّهنا إلى أنّ "الدلالة تفيض بالمقابل على وسائلها" . كيف يجدر بنا أن نأخذ ذلك ؟ يبدو أنّ المترجم لا يملك المعنى لأنّه لا يملك "عالم" النص، بل عليه فقط أن يطلق سراحه. وكما الموسيقيّ هو "يشعر، ويشعر الآخرون بذلك، أنّه في خدمة اللحن، إنّ اللحن هو الذي يغني عبره" . ليست الترجمة اشتغالا تقنيا على "أمثلية" (idéalité) لسانية محضة، فإنّ "الأمثلية المحضة ليست هي ذاتها دون لحم ولا هي متحررة من بنيات الأفق: إنّها تحيى بها، حتى وإن تعلق الأمر بلحم آخر وبآفاق أخرى" .
ولأنّ قراءة المعنى هي عمل جسدي حيث تقع "الرابطة بين اللحم والفكرة" ، فإنّ الترجمة هي ضرب من تحرير الرؤية أو "المرئيّة"، ولكن حيث أنّ تجربة المرئي هي هي "استكشاف للامرئيّ ما" . وهذه المرئيّة هي ضرب من "الهجرة" "ليس خارج كلّ جسد، وإنما داخل جسد آخر أقلّ ثقلا وأكثر شفافية، ولكأنّها تغير لحمها، مهاجرة من لحم الجسد إلى لحم اللغة، وبذلك تكون متحررة وليست متحللة من كل شرط" . هنا نكتشف أنّ "أفكار" النص ليست "مضمونا" بل "انفتاح لبُعد ما عاد له أن ينغلق" .
إنّ الترجمة واحدة من "تجارب اللحم" ، وهنا لا يعني ذلك أقلّ من "التحام جسدي بالعالم"، عالم النص، النص من حيث هو في نفس الأمر "لامرئيّ هذا العالم، اللامرئي الذي يقطنه ويسنده ويجعله مرئيا" . في تجربة اللحم، من حيث هو أسطقس الكينونة الذي يجمع على نحو من المفارقة بين المؤلف والمترجم في عالم واحد ووحيد، يحدث ضرب غريب من التصادي بين المتكلّم في النص الأجنبي والمتكلم في النص المترجم: كلّ منهما يسمع الآخر ولكن دون أن يكلّمه. وذلك "لأنّه ولا متكلم يتحدث إلاّ وهو يجعل من ذاته مستمعا بشكل مسبق (..) وفي ذات الآن يتعين هو أيضا غير متكلّم، يتعين كلاما نتكلم عنه" . لا يفعل المترجم غير أن يستمع إلى المؤلف يستمع لذات نفسه سلفا. يستمع إليه متكلّما ثم يستمع إليه صامتا لا يتكلم، في آن.
ولذلك فالترجمة لا يمكن أن تكون "أمينة" إلا إذا أفلحت في إطلاق "معنى سجين" من سجنه، أي أوّلا من "شيئيته"، ثم خاصة من "عالمه"، أي من مرئيّته . ولكن بم عسانا أن نحرر معنى إلاّ بأنفسنا ؟ لا يمكن للمترجم أن يترجم إلاّ بقدر ما يبادل عالما بعالم ولحما بلحم. لذلك "أن نفهم جملة ليس شيئا آخر غير أن نستقبلها تماما في كياننا الصوتي: أو كما نقول جيّدا: نسمعها (entendre)؛ فالمعنى ليس معطى فوقها كما الزبدة على قطعة الخبز" .إنّه إمكان كامن في عالم مرئي كاللامرئي فيه، وليس لي من وسيلة أخرى لاستفزازه إلاّ "لحم اللغة" التي أتكلمها بوصفها هي نفسها "لحم العالم" الذي أنتمي إليه. كيف أخرج المعنى من "العالم الأخرس" الذي يسكنه إلى "العالم المنطوق" الذي أتكلمه ؟ لا يكون ذلك إلاّ من خلال "وجود يكاد يكون لحميا للفكرة" ، أي لم تعد اللغة معه جهازا لسانيا أداة، بل، كما يقول مرلو-بونتي متمثلا بقولة لبول فاليري، صارت "كل شيء، طالما أنّها ليست صوتا لأحد وأنّها صوت الأشياء والأمواج والغابات نفسه" .
ذلك يعني أنّ المترجم لا ينقل أفكار شخص بعينه بل هو يفتح عالما على أبعاده ويسكنه، ويدعونا عبره إلى المرور عبره. فليس هناك "وعي" يدير شؤون النص من عل. الترجمة تجربة غير مرتبطة بأي ضرب من "مرجعية الأنا " . فالمترجم ليس "أنا" كما أنّ المؤلف ليس "أنا".إنّهما ساكنان متجاوران في عالم النص. ولذلك نحن لن نفلح في ترجمة نص إلاّ متى نجحنا في البلوغ إلى "تلك النقطة حيث نصبح، بواسطة ضرب من التصالب ( chiasme)، نحن الآخرين ونحن العالم" .
دون "فلسفة اللحم" ستكون ترجمة الآخر اعتداء سافرا على عالمه، بقدر ما هي إساءة حمقاء إلى أنفسنا. وذلك أنّه "لا وجود لمعنى آخر غير المعنى الجسدي" . فإنّه "لا وجود لكلام فلسفي خالص بإطلاق" . ونحن لا نستطيع أن نقابل الآخرين إلاّ في أجسادنا. ولذلك فإنّ المطلوب "ليس إيجاد مخرج لحل ’’إشكال الآخر’’- بل هو تغيير الإشكال" .
- تلك بعض قليلة من ملامح مغامرة المترجم التي خاضها الأستاذ عبد العزيز العيادي في نحو من الالتحام النادر مع مرلو-بونتي، كاتبا ثمّ فيلسوفا.                                    

abdoosh72

عدد المساهمات : 6
تاريخ التسجيل : 12/07/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف abdoosh72 في الجمعة نوفمبر 15, 2013 5:18 am

شكرا لما تقوم به  استاذ على

ammar-ml

عدد المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 19/01/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف ammar-ml في الجمعة نوفمبر 15, 2013 6:42 am

شكرا لكم

baslovv

عدد المساهمات : 19
تاريخ التسجيل : 09/12/2012

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف baslovv في الجمعة نوفمبر 15, 2013 8:31 am

الله يجزيك الخير

فلان كان

عدد المساهمات : 106
تاريخ التسجيل : 24/08/2013

الشكر

مُساهمة من طرف فلان كان في الجمعة نوفمبر 15, 2013 8:44 am

شكر

bahalhous

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف bahalhous في الجمعة نوفمبر 15, 2013 8:59 am

Tanmirt

bahalhous

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف bahalhous في الجمعة نوفمبر 15, 2013 9:03 am

Tanmirt

أبو لؤي المحلي الأثري

عدد المساهمات : 109
تاريخ التسجيل : 05/03/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف أبو لؤي المحلي الأثري في الجمعة نوفمبر 15, 2013 4:42 pm

جزاكم الله خيرا

سيزيف سيزيف

عدد المساهمات : 312
تاريخ التسجيل : 01/04/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف سيزيف سيزيف في السبت نوفمبر 16, 2013 6:05 pm


bravoman1

عدد المساهمات : 100
تاريخ التسجيل : 07/05/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف bravoman1 في السبت نوفمبر 16, 2013 11:45 pm

شكرا جزيلا

abibenaceur

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 20/10/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف abibenaceur في الثلاثاء نوفمبر 19, 2013 7:40 pm

merci

بياض عبد الله

عدد المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 25/11/2013

شكر

مُساهمة من طرف بياض عبد الله في الإثنين نوفمبر 25, 2013 11:13 am

كتاب قيم شكرا على المجهود

hany_kh

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 08/06/2013

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف hany_kh في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:29 pm

يعلم الله اننى سعيد كطفل صغير بعد اكتشافى لمكتبتك الجميله.. اسعد الله قلبك استاذ على وانار عقلك

الوظاف

عدد المساهمات : 1607
تاريخ التسجيل : 29/07/2011
العمر : 40

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف الوظاف في الأحد سبتمبر 28, 2014 11:49 pm

مشكورين

حمدي المنياوي

عدد المساهمات : 1500
تاريخ التسجيل : 16/06/2010

رد: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - د . محمد الحوراني .التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفة والصراع

مُساهمة من طرف حمدي المنياوي في الثلاثاء مارس 08, 2016 11:02 pm

تم التعديل

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 11, 2016 12:54 am