مكتبة


تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

شاطر

علي مولا..

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 08/08/2011

تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف علي مولا.. في السبت ديسمبر 24, 2011 6:17 am

تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب  جورج قرم
منذ سنين دراستي للقانون والاقتصاد في باريس، كنْتُ أتضايق كثيراً من النرجسية في الثقافة والعلوم الإنسانية الغربية ونظرة التعالي، بلْ والازدراء في كثير من الأحيان، بالنسبة إلى حضارات الشعوب الأخرى ومؤسساتها وعاداتها...
كما بدأْتُ أشعر بمدى توغُّل الشعور بالتفوّق الغربي لدى العديد من المثقفين العرب وتبنّيهم الطروحات الفكرية والإشكاليات الغربية في النظر إلى تطوّر التاريخ الإنساني دون ممارسة النقد في الطروحات التي كانت تقدمها الثقافات الأوروبية المختلفة حول عبقريتها وتفوّقها....
أطمح أن يساهم هذا المؤلَّف في التخلُّص من هيمنة المقولات والإشكاليات الأوروبية، الفلسفية والاقتصادية والسوسيولوجية المتوغلة فيها، ودخول ثقافتنا العربية في مرحلة بناء استقلال فكري يسمح بوضع نظام معرفي وقيَمي ومرجعي مستقل عن الصور النمطية المتبادَلة بين تخيُّلات الغرب حول الشرق وتخيُّلات الشرق حول الغرب؛ فتصبح ثقافتنا متجذِّرة فعلياً في الواقع العربي ومسيرته التاريخية التي هي بدورها تحتاج إلى مزيدٍ من البحث النقدي لكيْ نعي كعرب ماذا حلَّ بنا من تهميش في حياة الأمم وفي صنع الأحداث، بلْ من عدم الوجود، ابتداءً من القرن الحادي عشر....
كما أنَّ البحث المعمَّق في واقع المسيرة التاريخية الأوروبية المعقَّد، ونقد جميع أنواع الخطابات الإيديولوجية حول تاريخ أوروبا قد يساعد في توضيح التاريخ العربي المعاصر نظراً لشدة تأثير التاريخ الأوروبي فيه؛ وهذا خاصةً بالنسبة إلى الهيمنة الاستعمارية التي خضعت لها الأقطار العربية وأدوات تحديث مجتمعاتها المختلفة، المتأثِّرة باستيراد جميع أنواع العلوم الإنسانية من القارة الأوروبية...
وفي هذا الكتاب أيضاً سعيٌ حثيث إلى فهم ماذا حصل بحضارات القارة الأوروبية التي أنتجت أرقى أنواع الفنون والأدب، بشكل خاص في الحيِّز الموسيقي والرسم، كما وأنتجت أبشع أنواع العنف الفتاك، سواءً في حروب القارة الداخلية أم في حروبها الخارجية.
وفي هذا السياق سعيْتُ إلى فهم الآليات الذهنية الأوروبية التي أدَّت إلى معاداة السامية تجاه اليهود وإلى المجازر الشهيرة ضدهم خلال الحرب العالمية الثانية؛ ويُظْهِر سرد المعطيات الموضوعية حول تصرّف الشعوب الأوروبية تجاه الأوروبيين من الديانة اليهودية مدى المسؤولية الجماعية لأوروبا في بروز ونشر العقيدة الصهيونية، وهي قضية أساسية قلَّما تُثار في المناقشات والمجادلات حول الكيان الصهيوني وشرعيته المفقودة في الشرق العربي والإسلامي لتبيان أنَّ الشعوب العربية ليست طرفاً في آليات اضطهاد اليهود في أوروبا.
وفي هذا الكتاب، بالتالي، مادة فكرية لتقوية المقاومة السياسية والمعنوية والأخلاقية ضد الشرعية الممنوحة أوروبياً للكيان الصهيوني، التي يجب أن تترافق مع المقاومة الميْدانية لإعطائها مزيداً من الدعم والتأييد والزخم.

http://up.top4top.net/downloadf-68dki41-pdf.html
أو
http://www.4shared.com/office/jgNgECRYce/_____-___.html
أو
http://www.mediafire.com/view/12nrrsyk0zd8b8z/تاريخ_أوروبا_وبناء_أسطورة_الغرب_-_جورج_قرم_..pdf
أو
https://drive.google.com/file/d/0BzpRT0XLr05kSFBWODlCRVJKbzg/edit?usp=sharing



الوظاف

عدد المساهمات : 1607
تاريخ التسجيل : 29/07/2011
العمر : 40

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف الوظاف في السبت ديسمبر 24, 2011 5:20 pm

مشكورين، وفي انتظار الكتاب
كاتب هذه المساهمة مطرود حالياً من المنتدى - معاينة المساهمة

مسافر

عدد المساهمات : 108
تاريخ التسجيل : 24/07/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف مسافر في الأحد ديسمبر 25, 2011 5:07 pm

رقم 1 من الكتب المنتظرة

إينانا

عدد المساهمات : 1773
تاريخ التسجيل : 20/06/2011
العمر : 28

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف إينانا في الإثنين ديسمبر 26, 2011 2:42 am

وانتظر مع الأستاذ جوزف على أحر من الجمر

الف شكر وتحيه معطر بالياسمين


________________________





فوزى الفى

عدد المساهمات : 809
تاريخ التسجيل : 14/02/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف فوزى الفى في الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:22 am

بى شوق كبير للقراءة كتاب قيم

فيلليني

عدد المساهمات : 233
تاريخ التسجيل : 19/11/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف فيلليني في الإثنين ديسمبر 26, 2011 5:51 am

شكرا جزيلا للكتاب الهام

خالد يوسف

عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 24/12/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف خالد يوسف في الإثنين ديسمبر 26, 2011 6:33 am

عظيم لو كمان تم توفير كتاب جورج قرم" التنمية المفقودة.

حسن

عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 21/11/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف حسن في الإثنين ديسمبر 26, 2011 6:42 am

كتاب قيّم, وفي انتظاره

123456789

عدد المساهمات : 127
تاريخ التسجيل : 23/09/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف 123456789 في الإثنين ديسمبر 26, 2011 7:06 am

مشكورين، وفي انتظار نزول الكتاب

ali_amar

عدد المساهمات : 403
تاريخ التسجيل : 28/08/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف ali_amar في الإثنين ديسمبر 26, 2011 8:48 am

اضم صوتي , في الانتظار

عبير علوش

عدد المساهمات : 116
تاريخ التسجيل : 30/11/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف عبير علوش في الإثنين ديسمبر 26, 2011 6:12 pm

اختيار جميل جدا

abdelaziz

عدد المساهمات : 310
تاريخ التسجيل : 15/08/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف abdelaziz في الإثنين ديسمبر 26, 2011 11:45 pm

جورج قرم في «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب»
ماذا حدث من موزار إلى هتلر... وماذا حدث بعد ذلك؟
هيفاء زعيتر

لبعض الكلمات سحر طاغ، ربما لقدرتها على تخطّي دلالتها المباشرة أو علّة وجودها الأولى لتصبح أكثر من مجرّد تسمية، وربما لقدرتها على تجسيد منظومة من المفاهيم والطروحات الفكرية التي تجعلها أقرب إلى الأسطورة. والأساطير كما عرفناها على مدى التاريخ تلعب «وظيفة جوهرية في أيّة حياة مجتمعية». فهي التي توجد الرابط الاجتماعي وتعمل دونما انقطاع على تعزيزه وتمتينه، وهي التي تُعنى بتفسير الهوية في ظل حماية من القوى الخارقة التي تضفي القداسة على الأشياء.

في هذه الهيكليّة الأسطورية، يُشرّح الدكتور جورج قرم كلمة «الغرب» التي تعدّت حيّزها الجغرافي والفلكي وباتت «أسطورة» قائمة بذاتها، تتشكّل من كتلة عملاقة من القيم والثقافات والمرتكزات التاريخية والدينية. في كتابه الجديد «تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب» الذي صدر مؤخّراً بنسخته المترجمة (ترجمة رلى ذبيان) عن دار الفارابي، بعد مرور سنة على صدوره باللغة الفرنسية، يواصل الكاتب ما كان قد بدأه في مؤلّفه «شرق وغرب: الشرخ الأسطوري» الذي صدر في العام 2003 عن دار الساقي. ويستفيض في شرح الموقع «المثالي» الذي أوجده الغرب لنفسه، منذ عهد الأساطير الإغريقية، والتي تشكّلت على أساسه نظرته للعالم. نظرة ملؤها النرجسية والتعالي، يرافقها شعور بالفوقيّة تجاه حضارات الشعوب الأخرى وتحديداً الشعوب العربية المقيمة في الشرق.

يضع قرم تاريخ هذين القطبين، «هم غربيون» و«نحن شرقيون»، على طاولة التشريح، يقوم بجولة طويلة في تاريخ أوروبا وتاريخ الأفكار والأنظمة التي رافقت الاضطرابات والنزاعات والحروب التي عرفتها هذه القارة. ينجز عمله بعقلانية ومهنيّة بالغتين بعيداً عن الانفعالات والشعارات. ويؤكد أنّ ما كتبه جاء «لا كراهيةً بأوروبا ولا حباً وافتتاناً بها». وفي الكتاب دعوة واضحة إلى العرب للتخلي عن الأفكار المنمّطة، وبالتالي عن القوالب والمواقف الجاهزة التي توغل فيهم «الشعور بالتفوق الغربي»، والتي أوصلتهم إلى حدّ التخلّي عن ممارسة النقد أمام الطروحات التي كانت تقدّمها الثقافات الأوروبية حول هيمنتها وتفوّقها. بالإضافة إلى فضح الإفراغ الذي أخضعته أوروبا لتاريخها من أي أعمال عنفية أو توترات أو حروب دينية بغية الارتقاء إلى مرتبة مقدّسة، تصبح فيها المثال الذي لا نملك أمامه سوى الانبهار وتقديم فروض الطاعة. محاذراً في الوقت نفسه من الوقوع في فخ النظرية التي تصف الغرب بأنه مجرد قوة شرّ زرعت فساداً في العالم باستعمارها القارات الأخرى.

يطرح قرم سؤالاً كبيراً و«ساذجاً» في فصل مهم من الكتاب بعنوان « من موزار إلى هتلر، ماذا حدث؟» فكيف أنّ حضارات القارة الأوروبية التي أنتجت الفن والأدب والموسيقى تحوّلت إلى العنف؟ كيف أضحى كلّ هذا الرقيّ عنفاً فتاكاً تجلّى في حروب أوروبا التي خاضتها في الداخل وفي الخارج؟ كيف تحوّلت العبقرية إلى وحشية؟ والغريب أنّ الاثنين لا يقلاّن «استثنائية» عن بعضهما البعض على حدّ قول قرم.

انطلاقاً مما تقدّم يأتي الفصل السابع الذي نسلّط الضوء عليه في هذا المقال ليقيّم أولاً، ثم يقوّم تالياً، ما ورثناه من صخب أوروبا وتوتّرها. وهذا ما سعى الكاتب لتوضيحه على مدى الفصول الستة السابقة، فأسهب في تفنيد دقائق المسار الأوروبي ومسار الصِّلات التي يقيمها بالعالم والعالم الثالث تحديداً بعيداً عن « الخطب السياسية الجوفاء على بلاغتها التي ينطق بها صنّاع القرار في أوروبا».

لينتقل في الفصل الثامن إلى طرح العلاقة الغربية بالقطب الأميركي المهيمن ويتوغل في سطوته الثقافية والسياسية والعسكرية.


ثلاث نقاط أساسية برزت في هذين الفصلين:


الشرق الأوسط في قلب الصدام الجديد للقوى في العالم


«العالم لم يشهد هذا الدفق من الأعمال العنفية في المنطقة الجغرافية نفسها منذ الحرب الكورية في العام 1950». واقع يحتّم العودة بالتحليل إلى الوراء قليلاً لفهم كنه الصدام الدائرة رحاه منذ سنوات على امتداد هذا الشرق.
في ثنايا الفصل عودة بانورامية في تاريخ أوروبا لرصد « تأثيرها على مسار»
حضارة العالم وجغراسيته بعد العام 1945، وبعد جولة على ما مرّت به أوروبا
من تحوّلات
أثناء صعود الاتحاد السوفياتي ثم انهياره وبعدها مع صعود الإيديولوجية النيوليبرالية الأنغلوساكسونية التي تبلورت من خلالها إيديولوجيا المحافظين الجدد وصولاً إلى مرحلة «الانبهار» بالولايات المتحدة. يشرح قرم كيف بدت أوروبا في هذه المرحلة «هادئة متعقّلة، بيروقراطية متبرجزة، راضية عن نفسها وعن السلام الذي يسود بين أممها المستكينة. وقد سلّمت دفّة التاريخ للولايات المتحدة». حتى تولّت هذه الأخيرة، وبدون أن تواجه بأي رفض ودون عراقيل، زعامة الغرب وقيادته، سواء تعلّق الأمر بالعلاقات مع روسيا والصين، أو بالصراع العربي - الإسرائيلي أو العراقي - الإيراني».

أما الشرق الأوسط من جهته فقد غرق في مشكلة مزدوجة. «فمن جهة أدّى تصدير الأفكار الأوروبية خارج أوروبا، كما وإدخال المنتجات الأوروبية والتقنيات والمعارف العلمية إلى موجات تصادمية وتغييرات متنامية لدرجة أنتجت معها فكراً استحوذ عليه الغرب وحضارته بشكل وسواسي». هذا الشرق عاش الصدام وما زال، حيث يشغل العنف حيّزاً لا يستهان به.

في البداية، يصنّف الكاتب العنف إلى أنواع أهمّها العنف العسكري الذي شهدته المنطقة من معارك جوية وعسكرية وحروب إسرائيلية وعربية. ويعيدنا إلى اتفاق السلام المنفرد الذي وقّعته مصر مع إسرائيل واستحصلت من خلاله على انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء، إلاّ أنّه كلّفها مدّة اثني عشر عاماً من الإقصاء عن الجامعة العربية. وقد شهدت تلك الفترة تطوراً في الكفاح الفلسطيني المسلّح دفع بإسرائيل إلى شنّ هجوم دمويّ ووحشيّ على البلدان التي كانت تحضنه، لقيَ منه لبنان حصة بالغة. واجتياح الـ82 واحتلال إسرائيل لبيروت وجنوب لبنان يشهدان على الأمر، وهو ما أدّى بحسب قرم إلى ولادة الحركات المقاومة، «حماس» في فلسطين و«حزب الله» في لبنان.

جرت هذه التطوّرات في الوقت نفسه مع الحرب الطويلة والوحشية بين إيران والعراق. ومرة أخرى تدخّلت أميركا بين الأطراف العربية مكرّسة موقعها كمسؤول عن المنطقة حيث هُزم الجيش العراقي وحرّرت الكويت. وساقت أميركا بادعاءاتها حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط و«دمقرطته».

الأمر الآخر والذي لا يقلّ أهمية، والذي يسوقه قرم، هو تطور إيران وما تثيره من قلق لدى صنّاع القرار الأميركيين والأوروبيين. وقد شهد العام 2005 صعود الخطاب المعادي للأمبريالية مع الرئيس أحمدي نجاد الذي تواكب مع خطاب مناهض للصهيونية يتهم «الغرب» بالتلاعب بأعداد المحرقة لتسويغ تأسيس دولة إسرائيل. ثم ينتقل قرم للحديث عن الدعم الإيراني لحزب الله وتأثيره المتنامي في المنطقة وفي موازين القوى. أما «الواقع الذي يكابده السكان الفلسطينيون في الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل والقمع العنيف لانتفاضة العنصر الشاب الفلسطيني، وبناء جدار يفصل بين المستوطنات والقرى الفلسطينية... فكلّها أمور لا تستثير أي تعاطف حقيقي لدى حكومة الولايات المتحدة الأميركية والحكومات الأوروبية...». من هنا جاء مشروع الإدارة الأميركية « المفتقر إلى الوضوح» بإعادة تشكيل ما أسمته الشرق الأوسط الجديد. وهذا المنحى المعتمد في تصور الغرب للأمور «لا يظهر فقط الصدمة النفسية التي ولّدها في المنطقة تأسيس دولة إسرائيل فقط، إنما يجيز أيضاً، غض النظر عن عواقب لا تقلّ دراماتيكية، أي الصدمات النفسية التي تسبّب بها التاريخ الأوروبي نفسه، والتي لا تنعكس بالتالي في أوروبا، بل في الشرق الأوسط. ولا يهمل في طرحه كذلك البعد الديني الذي يتعاطى من خلاله الأميركيون والأوروبيون مع المسألة اليهودية، حيث يعتبرون هذا البعد دعوة معنوية ملحّة و«واجب كل لحظة من الزمن» لا سيما لدى الإنجيليين الجدد .

يطرح قرم سؤالاً مباشراً في البداية « أينبغي اليوم الاستمرار بتكرار التاريخ، أي الوقوع في الالتباس في إدراك ظواهر القوة التي ضبطت على الدوام إيقاع تاريخ البشرية بإيقاع ما تحمله الأنثروبولوجيا الدينية من اعتبارات تخيّلية أكثر من واقعية لارتكازها على صور نمطية وأحكام مسبقة؟».

لقد كوّن الغربيون في وقت مبكر من تاريخنا، صورة ذهنية ثابتة للإنسان الشرقي والعربي وللمسلم تحديداً، حيث انفردت الثقافات الأوروبية بالمسيحية باعتبارها «تاريخاً أوروبيا حصرياً متجاهلة الشرق المسيحي والتطور الذي أرسته المسيحية في الشرق». من هنا يسأل «كيف السبيل إلى شرح كيف لا يلقى الإسلام اعتراف الديانتين التوحيديتين الأخريين في أوروبا لا بل أن يُقصى بطريقة لاذعة كأنه ابن غير شرعي ومنحرف، يستحيل الاعتراف به، وتبنّيه في العائلة التوحيدية؟»، علماً أنّ القرآن، كما يسوّغ قرم حديثه، يتضمّن «دعوة إلى المصالحة والوفاق في إطار الاحترام المتوجب لإبراهيم الخليل المشترك بين الديانات التوحيدية الثلاث». ويستغرب كيف أنّ «الحضارات الأوروبية التي كانت تتميّز، منذ القرون الوسطى وحتى عصر التنوير، بالفضوليّة الفكريّة والثقافيّة والتي كانت مصدراً جوهرياً لدينامية الفكر والإبداع أصيبت بمرض توحّد خطير طال فلسفتها وثقافتها في آن». ويتعمق قرم في الشرح ليظهر كيف اتبعت أوروبا النموذج الهيغلي الذي يعتبر أنّ الديانة المسيحية هي الديانة المطلقة بامتياز» وهي التي تتضمن الحقيقة المطلقة.

أما السقطة الكبرى فكانت حسب قرم، «عندما هوت أوروبا بهذا التوحد لتقع في أحضان فلسفة المحافظين الجدد».

انطلاقاً ممّا سبق يمكن أن نستنتج أنّ مقولة «الغرب» تفترض بقاء الآخر نقيضاً دائماً، حتى تتعزز هويته المميّزة. أي أنّها بحاجة إلى قطبها السالب أي الشرق المختلف. فهذه المقولة التي تجسّد مفاهيم «سامية» كالحداثة والمساواة وتحرّر المرأة لا بدّ من أن تقابله مفاهيم نقيضة ديكتاتورية ومتخلّفة تحافظ للغرب على رونقه وتغطي على ما عاشه هذا الأخير من نزاعات وحروب واضطهادات دينية

محمد

عدد المساهمات : 1140
تاريخ التسجيل : 10/08/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف محمد في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 12:19 am

شكرا على الكتاب و تحية لك

فوزى الفى

عدد المساهمات : 809
تاريخ التسجيل : 14/02/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف فوزى الفى في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 12:22 am

من لا يقرأ التاريخ يبقى أبد الدهر طفلا صغيرا.
شيشرون

مصطفى بن عمور ابو عاصم

عدد المساهمات : 813
تاريخ التسجيل : 13/06/2010
العمر : 42

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف مصطفى بن عمور ابو عاصم في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 12:26 am

المشكلة ليست في التعالي الغربي لان له من الموجبات ما يجعله يشعر بالاعتزاز بالذات ولكن لاخطر من هو التصاغر الذي يبديه اصحاب الحضارات الاخرى وخاصة ابناء الحضارة العربية الاسلامية الذين طأطأو رؤوسهم بمهانة وارخو قيادهم للغربيين كي يقودهم من عواطفهم وعقولهم وقلوبهم .

اظنه كتابا هاما اذا كان موضوعيا ليس فيه تحقيرللغير او تضخيم لذا بغير حق .

ghandi

عدد المساهمات : 630
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف ghandi في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 10:35 am

تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب






التاريخ:
27 فبراير 2011















يحذّر مؤلف الكتاب، الباحث د. جورج قرم، منذ بداية تحليله
ومناقشاته، من أن تأليف كتابه لم يكن من قبيل كراهية أوروبا، ولا من قبيل
حبها والتعلق بها، إذ إن الغاية من تأليفه هي تبيان أن مفهوم الغرب والقيم
المتشبث بها، لم يعد له لا هذا المعنى أو ذاك من المعاني التي كانت له عبر
تاريخ أوروبا. ويسعى من خلال ترحاله المعرفي إلى تفكيك أصول هذا المفهوم،
وتبيان الخيوط القديمة له، ووضع ألوانها وصيغها ومحيطاتها الثقافية داخل
سياق معرفي جديد. ذلك أن مفهوم الغرب، كان بالأمس يثير خلافات بين
الأوروبيين، ولم يعد في أيامنا هذه إلا مفهوما فارغاً، جيوسياسياً بالدرجة
الأولى، وخالياً من أي مضمون غني يمكنه الإسهام في بناء حياة العقل وبناء
مستقبل أفضل. وعليه يجري تتبع المسار التاريخي للمفهوم وما آل إليه اليوم،
حيث تلقفت الثقافة السياسية الأميركية هذا المفهوم، وكثفت استعماله خلال
الحرب الباردة، ويبدو أنها لن تتمكن من الانفصال عنه.

ويستند قرم في تفكيكه هذا لمقولة الغرب، إلى أطروحات وآراء العديد من
الكتاب والمفكرين والفلاسفة، سواء الداعمة لأفكاره أو المخالفة لها. ويبدأ
بالاستشهاد بما كتبته حنا أرند التي اعتبرت أن الشموليات اختفت ليحل محلها،
اليوم، الإرهاب، كـشرخ في الزمان، في صيرورته وفيضه اللا منتهي، وفي
الحيّز بين الماضي والمستقبل، وهو في الوقت نفسه مقاومة للماضي والمستقبل.
وقد تكسرت تلك الصيرورة والاستمرارية في القرن العشرين من قبل الأنظمة
الشمولية وممارساتها والحربين العالميتين، لكن ذلك الشرخ بعيد عن أن يُجبر
من جديد، لأن الأصل فيه يكمن في صدام الرؤى الذي أنتجته أوروبا في القرن
التاسع عشر.

وأفضى صدام الأفكار الأوروبية إلى قلب القارة الأوربية نفسها؛ إلا أن
الفجوات التي تركها على مستوى استقرار العالم أنتجت موجات اهتزازية أخرى
مازالت بعيدة عن التوقف، وأمام انفجار بركان الأفكار الأوروبية، فإنه ليس
من السهل فهم وتتبع الهزات تحت الأرضية لقوة الأفكار والعراقيل التي تقف في
طريق رواجها عبر العالم. إذ هناك كثافة لهذا الإنتاج الفكري داخل الثقافات
الأوروبية، وإنتاجها واسع في حقول الفلسفة أو التاريخ أو الميتافيزيقا أو
الشعر أو الأدب أو اللسانيات أو السوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا. وهنالك
خطرٌ في الاستسلام لسحر هذا الشكل الفلسفي أو ذاك أو الاستسلام للطموحات
التي قد تتولد عنها، أو الارتماء في بحر المعرفة المتخصصة، فيفقد الساعي
إلى هذه المعرفة الرؤية الشمولية ككل.

وفي عصرنا الراهن، فإن الشرق الذي كان يجعل الغرب كائناً كمفهوم
أسطوري، لم يعد هو الشرق السْلافي أو الأصفر، بل هو الشرق المسلم، حيث أصبح
الإسلام في خلال بضعة عقود، كياناً حياً، مهدداً، مضاداً للغرب بامتياز.
وجعلت منه كتابات كثيرة، أكاديمية وإعلامية، كائناً حياً متوحشاً،
وعملاقاً، يسعى إلى المواجهة مع الغرب. وقد تعددت الصور في المتخيل الغربي،
التي أفضت إلى تراكم سلسلة من الكليشيهات. وتفترض مقولة الغرب أن يبقى
الآخر / النقيض، ماثلاً في كل حين وزمان، حتى يمكن اختلاق هوية متميزة.
وفكرة الغرب بحاجة دائماً، إلى قطبها السالب، أي فكرة الشرق المختلف. لكن،
إذا كانت مقولة الغرب تجسد اليوم العديد من المفاهيم الشائعة، كالحداثة،
والفردية، والمساواة، والرفاهية، وتحرر المرأة، فإنه من الضروري، أن
تقابلها صورة عن الشرق، من محمولاته ومفاهيمه النقيضة، كالتعصّب، وغياب
القيم الفردية، والإرهاب، وحكم الديكتاتوريات الدموية، واضطهاد المرأة. ذلك
أن الغرب يلتمس شرقاً مبايناً كضرورة ماسّة لبناء هوية تحجب عن الأنظار،
بالرغم من ما عاناه هذا الغرب من حروب داخلية، ونزاعات دينية، ومن صراعات
وحروب.

ويعتبر جورج قرم أن أسطرة فكرة الغرب أفضت إلى إيجاد الروابط وتآزر
المختلفين والمتباينين حول غايات وأهداف تخطي تبايناتهم وصراعاتهم وحروبهم،
لتتشكل مقاماً جامعاً يستر الاختلافات والنزعات الداخلية.

ويلفت المؤلف إلى أنه تقوم الأسطورة بوظيفة أساسية في كل حياة اجتماعية،
بوصفها من يخلق ويقوي، بدون توقف، الروابط الاجتماعية، وبقيت دراسة
الأساطير، لفترة طويلة من الزمن، من اختصاص الإثنولوجيين الأوروبيين، الذين
راحوا يكتشفون القبائل «المتوحشة»، التي تعيش بعداً عن التيارات الكبرى
الحضارية، وشكلت موضوعاً للعديد من الدراسات الخاصة بالأساطير اليونانية،
خاصة تلك المتعلقة بالآلهة. ثم اختفى الإرث الأسطوري اليوناني عدة قرون تحت
تأثير المسيحية، وعاد إلى الواجهة خلال عصر النهضة الأوروبية، وأضحى فرعاً
هاًما من فروع المعرفة والثقافة في القرن العشرين المنصرم. وهكذا ينتقد
قرم أسطرة الغرب التي بلورتها الفلسفة الهيغيلية المتعالية والفيبرية،
ودعمتها النيتشوية، ومجمل الفلسفات التي قامت على أساس الروح الكلية.
ويوضح المؤلف انه ارتبطت مقولة «الغرب» بالفلسفة الألمانية، وبالتحديد
بكتابات هيغل وماكس فيبر، وكانت تشير إلى الانقسام داخل أوروبا نفسها ما
بين فلسفة الأنوار الفرنسية - الألمانية، وبين أوروبا التقليدية التي كانت
تحاول الحفاظ على القيم الدينية العتيقة، وعلى أنماط التراتب الاجتماعي
الموروثة عن العصور الوسطى.

وأخيراً، لا ينسى جورج قرم أن يبرز الوجه الأخر لأوروبا، الوجه المضيء
الذي غالباً ما ينساه المؤرخون والكتاب والفلاسفة، ألا وهو الإنتاج
الموسيقي الأوروبي، الذي جعله يضع صورة لحفل كونشيرتو غلافاً لكتابه. ويرى
أن ذروة العبقرية الموسيقية مجسدة في أعمال الموسيقار موتسارت، الذي شكلت
موسيقاه إسهاماً أساسياً في النهضة الموسيقية، حيث تعانقت فيها الموسيقى
الدينية بالموسيقى الدنيوية، وتنوعت مصادر وحيها وإلهامها، ولم ترض أن
تبقى حبيسة صالات وغرف الكنائس والكاتدرائيات والأديرة، بل حلّقت وتناثرت
فوق كل الأقاليم والقارات.
http://www.albayan.ae/paths/books/2011-02-27-1.1392406

mohamed mahg

عدد المساهمات : 322
تاريخ التسجيل : 11/11/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف mohamed mahg في الثلاثاء ديسمبر 27, 2011 11:03 am

كتاب جاد
لكم جزيل الشكر عليه

sofiane16

عدد المساهمات : 163
تاريخ التسجيل : 23/12/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف sofiane16 في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 11:22 am

هذا الكتاب سيصنع الحدث في أروقة الفضاء الافتراضي

بدون .

عدد المساهمات : 907
تاريخ التسجيل : 11/01/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف بدون . في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 9:47 pm

شكرا للكتاب بارك الله فيكم

anas12

عدد المساهمات : 361
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف anas12 في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 9:56 pm

الكتاب على ما يبدو قيم جدا شكرا لكم

فرحات

عدد المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 06/01/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف فرحات في الأربعاء ديسمبر 28, 2011 10:41 pm

merci beaucoup

الوظاف

عدد المساهمات : 1607
تاريخ التسجيل : 29/07/2011
العمر : 40

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف الوظاف في الخميس ديسمبر 29, 2011 2:40 am

مشكورين

alntaki

عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 06/12/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف alntaki في الجمعة ديسمبر 30, 2011 8:17 am

مشكورين

??? ???
زائر

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف ??? ??? في الثلاثاء يناير 03, 2012 10:43 am

اختيار رائع من أخ رائع

anasneoni

عدد المساهمات : 235
تاريخ التسجيل : 22/07/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف anasneoni في الثلاثاء يناير 03, 2012 11:21 am

شكرا جزيلا

محمد عبد الإله

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 03/10/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف محمد عبد الإله في الثلاثاء يناير 03, 2012 11:43 am

اختيار موفق
وياحبذا المزيد من كتب جورج قرم

anasneoni

عدد المساهمات : 235
تاريخ التسجيل : 22/07/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف anasneoni في الخميس يناير 26, 2012 12:07 pm

شكرا جزيلا

المشكاة

عدد المساهمات : 63
تاريخ التسجيل : 06/12/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف المشكاة في الإثنين يناير 30, 2012 1:30 am


ابو علي الكردي

عدد المساهمات : 204
تاريخ التسجيل : 12/10/2010
العمر : 55
الموقع : اربيل كردستان-العراق

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف ابو علي الكردي في الإثنين يناير 30, 2012 8:24 am

شكرا لك يبدوا كتابا مفيدا

المدني

عدد المساهمات : 401
تاريخ التسجيل : 29/11/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف المدني في الإثنين يناير 30, 2012 8:31 am

عظيم يا أستاذ
جزاك الله كل خير

عبير

عدد المساهمات : 1765
تاريخ التسجيل : 09/09/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف عبير في الإثنين يناير 30, 2012 9:06 am

سلمت لنا استاذي الجليل

حسن

عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 21/11/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف حسن في الإثنين يناير 30, 2012 11:51 am

Choukrane jazilane ya osthade

ابن خلدون

عدد المساهمات : 538
تاريخ التسجيل : 05/03/2011
العمر : 33
الموقع :

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف ابن خلدون في الإثنين يناير 30, 2012 12:31 pm

اشكرك شكرا جزيلا

كويتي بدون

عدد المساهمات : 121
تاريخ التسجيل : 13/10/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف كويتي بدون في الثلاثاء فبراير 07, 2012 9:19 am



جورج قرم: " أخشى أن تكون الثورات العربية قد توقفت في مصر وتونس"
جورج قرم، الباحث في السياسة والاقتصاد ووزير المال اللبناني الأسبق، يسلط الضوء على حقيقة الأسباب التي تدفع بالشعوب العربية للانتفاض على حكّامها، والأخطار التي تهدد " الربيع العربي" . حاوره كمال طربيه.

سؤال : الكل منشغل بـ"ربيع الثورات العربية" لكن المثقفين العرب جميعا إن لم يكن بمعظمهم فاجأهم هذا "الـربيع العربي"، وأخذتهم التطورات العربية على حين غرّة. هل أنت من بينهم؟ هل فوجئت ؟

جواب : منذ أمد طويل وفي كل كتاباتي كنت أندّد بشدة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبسوء أداء الاقتصاديات العربية وبانعدام العدالة الاجتماعية وبآفات أخرى في الاقتصاديات العربية. وكنت أقول دائما إن حركات التشدد الديني وحركات الانطواء على الهويات الدينية والعرقية هي نتيجة الأوضاع الاجتماعية البيئية.

سؤال : كنت اقصد التوقيت ؟

جواب : لا أحد كان يستطيع التنبؤ بموعد الشعوب العربية إلى الساحة بهذا الشكل العملاق، الكبير والمجيد في حالة تونس ومصر حيث تمت الثورات بدون عنف خلافا لما نشاهده اليوم في ساحات عربية أخرى. هناك عنف وهناك شهداء.

سؤال : البعض كان يتوقع أن تثور الشعوب العربية على حكامها لأسباب إيديولوجية ولمطالب قومية. تبين أن المحرك الأساسي لهذه الثورات هي المطالب المتعلقة بالحرية، بالديمقراطية وأيضا بالعيش الكريم ؟

جواب : هذا صحيح. هي مطالب للكرامة سواء كانت الكرامة السياسية أو الكرامة الاجتماعية. أنا لم أفاجأ بهذا بل وجدتها ظاهرة صحيحة. الأحزاب العربية، سواء كانت الأحزاب العقائدية التقليدية أو الأحزاب الجديدة على نمط الإيديولوجيات الغربية لحقوق الإنسان، لم تفلح في اكتساح الساحة الشعبية. أعتقد أن ما قام به محمد البوعزيزي في تونس من حرق نفسه كانت الشرارة وكانت له دلالة كبيرة للغاية. انطلقت الحركة من قواعد شعبية مضطهدة اجتماعيا ثم انضمت إليها الفئات الوسطى. الاغتراب العربي لعب أيضا دورا كبيرا في إعطاء هذه الثورات ضجة عالمية. وكانت بالفعل حركة عظيمة و ممتازة نفتخر كلنا بها. كتبت بعدها مقالا طلبت فيه من الدول الأوروبية ومن الشعوب الأوروبية أن تثور هي بدورها ضد نظام العولمة الذي سبب متاعب ومشاكل لمعظم الشعوب في العالم.

سؤال : ألا تعتقد أنه بالنسبة للطبقات المتوسطة التي كانت هي أساس ومحرك هذه الثورات أن العطش للحرية في مواجهة أنظمة القهر والاستبداد كان المحرك الأساسي ؟

جواب : أعتقد وأصر على تحليلي بأن المطالب الاجتماعية للقواعد الشعبية هي الأساس وأن الفئات الوسطى انضمت بمطالب سياسية ضرورية. هناك مكونان أساسيان للحركات الشعبية، وهو المكون الاجتماعي بطلب الكرامة الاجتماعية والاقتصادية وبطلب الكرامة السياسية والحرية وتداول السلطة.

سؤال : إنما المطالب الإيديولوجية والقومية كانت غائبة عن الساحة ؟

جواب : كانت غائبة تماما وهذا هو سر النجاح لان الساحات العربية تعبت وعانت من الانشقاقات الحزبية ومن التناحر بين الأحزاب وفي بعض الأحيان حتى بين أجنحة الحزب الواحد. قامت انقلابات عسكرية باسم إيديولوجيات عربية. الشعارات التي رفعت خلال هذه الثورات هي أحد أسرار النجاح و كانت شعارات غير إيديولوجية و طالبت بمطالب دقيقة هادفة إلى احتياجات ومشاعر الجماهير الشعبية كما للفئات المتوسطة.

سؤال : في مقال نشرته في العدد الأخير من شهرية "لوموند ديبلوماتيك" تقول فيه إن العمى الذي أصاب المراقبين العرب وأيضا الأوروبيين والأمريكيين كان تاماّ فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية، أعني فيما يتعلق بالثورات العربية ؟

جواب : هذا صحيح. لأن معظم التحاليل كانت تصدر سواء من جهات سياسية أو من مؤسسات التمويل الدولية، لم يكن فيها أي اهتمام يذكر بالتطور الاقتصادي الحقيقي. كانت فيها بعض الإشارات إلى معدل النمو والى التوازنات أو فائض أو عجز الموازنة العامة و هذا ما يسمى بالاقتصاد الإجمالي. أما ماذا كان يحصل في الأوساط الريفية، فإننا لا نجد أي اهتمام بهذه المسألة. هل يعلم الناس أن متوسط دخل الفرد الريفي في الدول العربية لا يتعدى 300 دولار سنويا ؟ هل يتذكر الناس جيوب الأمية الواسعة الكائنة في بلدان عربية عريقة في حضارتها مثل مصر والمغرب ؟ هل ينظر الناس إلى حالة اليأس عند عنصر الشاب المتعلم في كثير من الأحيان لعدم وجود فرص عمل في بلدانهم؟ وهذا الضبط الاقترابي المتواصل الذي يدل على فشل النموذج التنموي العربي الذي وصفته مرارا وتكرارا بأنه اقتصاد من النوع " الريْعي" ومركز على بعض المجموعات العائلية التي تستأثر على 80 بالمائة من الثروة الوطنية في معظم الأحيان، وهي على علاقة وثيقة مع أهل الحكم كما تبين هذه المرة بصورة جلية في الثورات التي تمت في تونس و مصر.

سؤال : تتحدث أيضا في مقالك عن تواطؤ دنيء بين الدول التي تمسك باقتصاديات الدول النامية وبين طبقة طفيلية تبيع وتشتري ؟

جواب هناك نموذج تنموي استفادت منه الدول الغربية لأن الدول العربية هي الساكنة من ناحية الإنتاج التكنولوجي ومن ناحية وجودها في سوق الابتكار الصناعي على خلاف الدول الآسيوية التي كانت أفقر من الدول العربية منذ ثلاثين أو أربعين سنة. نحن نتّكل على تحويلات المغتربين و تتّكل مصر على عائدات قناة السويس ونتّكل أيضا على تصدير النفط والسياحة حيث القيمة المضافة فيها قليلة. وليس هناك من نشاطات اقتصادية إيداعية تجعل من الدول العربية لاعبة في الأسواق الدولية المعولمة. حان الوقت الآن لنتعلم من الدول التي نجحت في التراكم التكنولوجي والعلمي وفي الإبداعات. كتبت حول هذا الموضوع منذ عشرين عاما في أحدى المؤلفات التي صدرت عام 1980 وتحدثت عن الأزمة التنموية والحضارية العربية وقارنت الركود العربي مع النهضة الإنتاجية لهذه البلدان الناشئة. في كتابي " انفجار المشرق العربي" كتبت كثيرا حول هذا الموضوع و الفصل الأخير من الكتاب يناقش موضوع تصدع الأنظمة العربية وشيخوختها وعدم إمكانية الاستمرار بمثل هذه الأنظمة لأسباب اقتصادية واجتماعية. عام 1981 نشرت كتابا بالعربية تحت عنوان " التنمية المفقودة. دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية" وأشرت إلى كل هذه القضايا الجوهرية.

سؤال : تحدثت عن ثلاثة أخطار تتهدد هذه الثورات العربية وتتخوف من أن تكون قد توقفت في مصر وتونس ؟

جواب : هناك تهديد لهذه الثورات بطبيعة الحال. القوى التي كانت مستفيدة من الوضع القائم سابقا سواء كانت داخلية أم خارجية فهي بلا شك ستعمل لاستعادة موقعها كما كانت في السابق ولو بتغييرات شكلية في النظام السياسي. الخطر الأول هو أن الثورة الاقتصادية المطلوبة لم تتحقق. ولكي تنجح هذه الثورات فإن ذلك يتطلب جهودا اقتصادية استثنائية بالتنسيق التام بين الدولة والقطاع الخاص، خاصة القطاع الخاص الذي لا يرتبط بشكل ذيلي مع الشركات المتعددة الجنسيات أو مع أهل الحكم السابق لكي تدخل الاقتصاديات العربية، واقتصاد تونس ومصر طالما أننا نتحدث عنها، في حلقة ايجابية من التراكم التكنولوجي ومن توفير فرص العمل للعنصر الشاب المتعلم وفي نهاية الأمر في تكريس الموارد التي نحتاج إليها حتى نكسر هذا السكون التكنولوجي والعلمي الذي نتخبط فيه في العالم العربي.

سؤال : أين السياسة في كل ذلك ؟ أنت تغلّب العامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي ؟

جواب : أعتقد أن الاقتصاد هو السياسة في نفس الوقت. عندما نتحدث عن تغيير أو عن الثورة في السياسات الاقتصادية في الدول العربية، فإننا نتحدث أيضا عن عقلية جديدة في ممارسة الحكم. إذا كان الحكم يهتم فقط بالقضايا الأمنية وبالاستمرار في اقتصاد "ريْعي" فإن لا شيء يتغير في الجوهر، ربما حيز من الحرية أكبر شيئا ، ولكن هذا لا يكفي. أعتقد أن الشعوب العربية لا يمكن أن تستمر مهمشة في التاريخ السياسي أو في التاريخ الاقتصادي. أتوقع أنه بعد أن تستب الأمور وتتم الثورة الاقتصادية المطلوبة سيكون هناك تغيير جوهري في الوضع السياسي في المنطقة. فراغ القوة عند العرب هو الذي يسبب كل التدخلات الخارجية سواء أيام الحرب الباردة أو التدخل الإيراني أو التدخل التركي أو تدخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كل هذه التدخلات ستزول لأن الدول العربية والشعوب العربية ستكون قد وقفت على رجليها وهذا ما سيغير كل الخارطة السياسية في المنطقة ويسهل عملية تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي.

سؤال : إذا تفاؤل حذر بالمستقبل ؟


جواب. نعم. هو تفاؤل حذر.

الحوار أجرته قناة فرانس24.

كويتي بدون

عدد المساهمات : 121
تاريخ التسجيل : 13/10/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف كويتي بدون في الثلاثاء فبراير 07, 2012 9:22 am

جورج قرم والمعضلة الأصولية

هاشم صالح

هذا الكتاب من تأليف المفكر اللبناني المعروف جورج قرم، وهو ذو تكوين اقتصادي وتاريخي في الأساس، كما أنه مستشار لدى الكثير من المنظمات الدولية الكبرى وأستاذ جامعي في آن معا. وكان أيضا وزيرا سابقا في حكومة لبنان. وهو صاحب الكثير من الكتب عن لبنان والعالم العربي. نذكر من بينها: الشرق الأوسط المتفكك (غاليمار، 1983)، أوروبا والشرق (1089)، الفوضى الاقتصادية العالمية الجديدة (1993)، الشرق ـ الغرب والقطيعة الخيالية (2000)، لبنان المعاصر (2005).

وفي هذا الكتاب يتعرض جورج قرم لموضوع حساس يشغل الساحة حاليا هو: موضوع الدين والحركات المتشددة المنتشرة في بدايات القرن الحادي والعشرين. ومعلوم أن التشدد ليس موجودا فقط في العالم الإسلامي وإنما أيضا في العالم البروتستانتي الأميركي الشمالي. وهذا شيء مدهش لأننا كنا قد اعتقدنا بأن الحداثة قضت على التعصب الديني في البلدان الغنية المتحضرة. هذا لا يعني بالطبع أن المسيحية الأميركية كلها أصولية! فالواقع أن التيار الغالب فيها أو عليها تنويري متسامح. ولكن لا تزال هناك جماعات كبيرة من الأصوليين في الولايات الجنوبية على وجه الخصوص. وهنا يكمن اختلاف المجتمع الأميركي عن مجتمعات أوروبا الغربية المعلمنة تماما والتي تجاوزت كليا مرحلة الأصولية. وبالتالي فالسؤال المطروح هو التالي: هل دخلنا في حرب حضارات يا ترى كما يقول صموئيل هنتنغتون؟ في الواقع أنه يقصد حرب أديان لأنه يقلص الحضارة إلى مجرد الدين فقط. ويعتقد بأن الحرب ستكون أساسا بين الغرب والإسلام.

المسألة أكثر تعقيدا من ذلك. ويرى الباحث أننا لا نشهد عودة الدين إلى الساحة العالمية بقدر ما نشهد استخدام الدين من قبل الجماعات المتشددة لأغراض سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالدين. والحل الوحيد للخروج من هذا الجو المشحون بالعصبيات الأصولية والطائفية هو العودة إلى فلسفة التنوير الكونية التي لا تفرق بين شخص وآخر على أساس الدين أو الطائفة أو العرق. وإنما تحترم كرامة كل الناس أيا كانوا. ففلسفة التنوير ذات النزعة الإنسانية الواسعة هي وحدها القادرة على إنقاذنا من خطر العصبيات العمياء والانغلاقات المذهبية التي تشغل العالم حاليا. انظر مشكلة الشرق الأوسط وعدم قدرتنا على تشكيل وحدة وطنية حقيقية بسبب الشقاقات الناتجة عن هذه العصبيات الدينية والمذهبية الملتهبة.

ولكن لكي يصل المؤلف إلى هذه النتيجة العقلانية المهمة فإنه يخوض مغامرة فكرية طويلة سواء داخل تاريخ الغرب أم داخل التاريخ العربي الإسلامي. وتشهد على ذلك الفصول الممتعة والمتوالية لهذا الكتاب القيم الذي يسلط الأضواء الفلسفية على المشكلة المطروحة. ويكفي تعداد فصول الكتاب لكي نأخذ فكرة عن مضمونه والمحاور الأساسية التي تعرض لها المفكر العربي اللبناني.

يتألف الكتاب من مقدمة عامة وستة فصول وخاتمة. في المقدمة يطرح جورج قرم التساؤل التالي: كيف حصل وأن هيمنت الظاهرة الدينية على اهتمام العالم بشرقه وغربه؟ في الستينات والسبعينات لم يكن لها وجود تقريبا. كان الناس مشغولين بالأفكار اليسارية والماركسية والتحررية والعالم ثالثية. ولم يكن أحد تقريبا يتحدث عن المشكلة الدينية. كنا نعتقد أننا تجاوزناها كليا. أما الآن فقد أصبحت الشغل الشاغل للجميع. وهكذا يحلل الباحث العوامل السياسية والاقتصادية التي أدت إلى ذلك.

فقبل ثلاثين عاما ما كان أحد يهتم بموضوع الأصوليات الدينية أو التطرف والإرهاب. كان الإرهاب يساريا آنذاك أو يساريا متطرفا بالأحرى، وكانوا يتحدثون عن جماعة العمل المباشر الفرنسية، أو الألوية الحمراء الإيطالية، أو جماعة بيدن بادر الألمانية التي أرعبت الناس. وما كان أحد يتحدث عن «القاعدة» أو سواها.

وبالتالي فالسؤال المطروح هو التالي: ما هي التحولات التي طرأت على العالم لكي تتغير أموره على هذا النحو؟ وهنا ينخرط جورج قرم في دراسة تاريخية معمقة ومطولة للكشف عن الملابسات السابقة التي أدت إلى الوضع الحالي ولكي يضيء الحاضر عن طريق الماضي والعكس بالعكس.

فالفصل الأول مكرس لموضوع الهوية وشعور الناس في الغرب والشرق بأزمة في الهوية. وهو يتحدث هنا عن التحولات التي طرأت على العقلية الفرنسية والغربية من جراء التشكيك بالثورة الفرنسية وقيمها الليبرالية التحررية. فالثورة كانت مقدسة سابقا بكل مبادئها التي شكلت فرنسا الحديثة وأضاءت العالم كله. ولكن بعض التيارات الثقافية الفرنسية أصبحت تدعو لمراجعتها إن لم يكن التراجع عنها.. ثم يطرح المؤلف السؤال التالي: هل هناك عودة إلى الدين في عصر العولمة أم لجوء إليه كمنقذ أو مخلص؟

وبعدئذ يفكك جورج قرم العنصرية ونزعة التأكيد على الجوهر والنظرية الكولونيالية ويعتبرها بحق بمثابة الثلاثي الفاسد والمفسد. كما يتحدث عن أفول القومية بالمعنى الإنساني التحرري في أوروبا وحلول العنصرية المحلية محلها. وبالتالي فهو يشير إلى حصول ردة رجعية في فرنسا في السنوات الأخيرة.

إنها ردة تحاول أن تتراجع عن قيم التنوير والثورة الفرنسية والنظام الجمهوري العلماني الحديث. وأما في الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث المفكر اللبناني عن حلول عهد الأمة القومية والطفرات النوعية التي أدت إلى تشكيل الهويات الحديثة. ويحلل هنا الدور الملتبس أو الازدواجي الغامض الذي لعبته الديانة التوحيدية في تشكيل الغرب الحديث.

كما يتحدث عن الدور الذي لعبه الاستعمار في استخدام الأقليات القومية أو الدينية ضد الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط. وهنا يدخل في نقاش معمق حول مسألة انتشار الفكرة القومية بالمعنى الأوروبي خارج نطاق أوروبا.

ثم يخصص فقرة مهمة للموضوع التالي: الانتقال من المرحلة الاستعمارية إلى مرحلة الحرب الباردة وكيف تم استخدام الدين سياسيا آنذاك. ثم يطرح هذا السؤال بخصوص إسرائيل: هل ذكرى المحرقة اليهودية هي عبارة عن عمل تأسيسي أم عودة للدين واستخدامه السياسي؟

ثم يواصل المؤلف بعدئذ تحليله التاريخي للظاهرة عن طريق كتابة فصل ممتع جدا عن الحروب الطائفية أو المذهبية في أوروبا. ويخلع على الفصل الثالث من كتابه العنوان التالي: أركيولوجيا العنف الحديث:

حروب المذاهب المسيحية في أوروبا. وكلمة أركيولوجيا هنا تعني الـ«جذور» وهي من اختراع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو. ولكن الكثير من الباحثين أخذوها عنه بعدئذ. فالبحث عن جذور الظاهرة يتطلب منا الحفر الأركيولوجي عن أعماقها من أجل الكشف عن هذه الجذور بالذات.

إن هذا الفصل الذي يروي بالتفصيل وبشكل دقيق وموثق قصة الأصوليات المسيحية وصراعها مع بعضها البعض على مدار التاريخ الأوروبي وبخاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر يضيء بشكل كامل قصة الأصوليات الإسلامية الحالية عن طريق المقارنة.

من هنا أهمية كتاب جورج قرم، فهو لا يدرس الأصولية المتعصبة والمنغلقة على ذاتها داخل دين واحد أو تراث واحد وإنما من خلال عدة أديان. وهو يكشف هنا عن العنف الذي سببته الأصولية المسيحية في نسختها البروتستانتية وليس فقط الكاثوليكية كما يجري الأمر عادة. فالواقع أن المذهب البروتستانتي تحول أيضا إلى عقيدة جامدة ونهائية وراح يضطهد أتباع المذاهب الأخرى وبخاصة المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.وهذا ما فعلته كل المذاهب والأديان عندما كانت أغلبية وتمتلك القوة. كلها تحولت إلى أصولية تزعم امتلاك الحقيقية الإلهية المطلقة من دون بقية الأديان والمذاهب. وهذا الاعتقاد هو الذي يؤدي إلى التعصب والإرهاب.

ولكن ذلك ينبغي ألا ينسينا أن محاربة الحداثة وممارسة التعصب الأعمى وعدم التسامح، كلها أشياء كانت من اختصاص الفاتيكان والمذهب الكاثوليكي قبل غيره. لا ريب في أن البروتستانتيين مارسوا العنف حيثما كانوا أغلبية ولكن بشكل أقل من الكاثوليك. كما أنهم كانوا أقل عداء للحداثة العلمية والفلسفية الصاعدة من الكاثوليك. هذه حقيقة مثبتة تاريخيا ويعترف بها حتى مفكرو الكاثوليك أو مؤرخوهم. ولا يزال المذهب الكاثوليكي حتى الآن يعتبر نفسه بمثابة المذهب الصحيح الوحيد داخل المسيحية على الأقل لدى تياره الأصولي المتشدد. انظر تصريحات البابا الحالي التي أثارت حفيظة الأرثوذكس والبروتستانتيين. فهم لا يعتبرون أنفسهم أقل مسيحية منه. بل يرى معظم المفكرين أن الكنيسة الكاثوليكية خانت رسالة الإنجيل طيلة العصور الوسطى وحتى انتصار الحداثة مؤخرا. لم تتصالح معها إلا عام 1965 مع انعقاد المجمع الكنسي التحرري الشهير باسم: الفاتيكان الثاني. انظر محاكم التفتيش وملاحقة العلماء والفلاسفة ووضع مؤلفاتهم على لائحة الكتب المحرمة. معظم روائع الأدب والفكر الأوروبي كانت محرمة على المسيحيين من قبل السلطات اللاهوتية الرجعية للفاتيكان. حتى كتب كانط الرصينة الرزينة كانت محرمة وليس فقط كتب فولتير أو جان جاك روسو أو الموسوعيين إلخ. وانظر وقوفها غالبا إلى جانب الحكام والأقوياء ضد الفقراء والضعفاء. وهذا مضاد تماما لرسالة المسيح الأساسية.

أما الفصل الرابع فيكرسه المؤلف للتحدث عن انبثاق نظام الحداثة وحلوله محل النظام الأصولي المسيحي ومحاكم التفتيش السيئة الذكر. هذا في حين أن الفصل الخامس مكرس لدراسته الأزمة المزدوجة الدينية والسياسية في مجتمعات الأديان التوحيدية المعاصرة. أما الفصل السادس والأخير فيتحدث عن مستقبل الحرب والسلام طيلة القرن الحادي والعشرين.

هذا في حين أن الخاتمة تجد الحل لكل مشكلات التعصب والأصوليات، إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية، عن طريق تأسيس ميثاق علماني عالمي جديد. باختصار فإن الكتاب يعالج كل المشكلات الملتهبة دفعة واحدة وبشكل منهجي وعن طريق التبحر العلمي الواسع والعميق.

كويتي بدون

عدد المساهمات : 121
تاريخ التسجيل : 13/10/2011

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف كويتي بدون في الأربعاء فبراير 08, 2012 2:53 am

حسب معلوماتي هذا أول كتاب ينشر في النت للبروفيسور "جورج قرم".
و هو كما يقول الكاتب إمتداد لكتابيه السابقين:
- شرق غرب:الشرخ الأسطوري (دار الساقي 2003).
- المسألة الدينية في القرن الواحد و العشرين (دار الفارابي2007).
و أتمنى تصوير الكتابين لتكتمل السلسلة.
و أظن أن هذا الكتاب هو تعميق و نقد لكتاب البروفيسور "إدوارد سعيد" (الإستشراق)،و بذلك من الواجب الإهتمام به قدر الإهتمام بالآخر.
شكرا جزيلا.

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة مايو 17, 2013 6:06 am

مجلة الآداب » 4-5-6 /2009 » مقابلة مع جورج قرم
مقابلة مع جورج قرم
(أجراها: يسري الأمير)

د. قرم، ما هو مفهومك لتعبير "الإصلاح الدينيّ"؟
هذا المفهوم، بشكل عامّ، مستوردٌ من تاريخ أوروبا، أيْ من حركة الثورات ضدّ احتكار السلطة الكنسيّة لأمور العقيدة الدينيّة، ومن ادّعاء سلطة كنيسة روما الإشرافَ المتواصلَ على الممالك والإمارات الأوروبيّة. فلقد ورثنا، كمعظم ثقافات العالم، مفهومَ "الإصلاح الدينيّ" من الپروتستانتيّة، وما تولَّدَ عنها من كنائس عديدة ومختلفة في ما بينها. وفي اعتقادي أنّ تصوّر أنّ الپروتستانتيّة أَدخلتِ العقلَ والمنطقَ في فهم الدين والتعامل معه هو تصوّرٌ خياليّ وخاطئ.
وأذْكر أنّ محمد عبده دعا إلى ثورةٍ على النمط الپروتستانتيّ في الإسلام، وذلك (في رأيه) من أجل هجر عالم الغيبيّات والتقاليد الجامدة والموروثة التي لا تمتّ إلى عبقريّة الإسلام بصلة. غير أنّني، مع إعجابي الكبير بتفسير عبده، أعتقد أنّه وقع ضحيّةَ النظرة إلى الپروتستانتيّة على أنّها حركةٌ عقلانيّةٌ ومعتدلةٌ لا تمارس الغلوَّ في الدين، وأنّها كما ادّعى هيغل وفيبر أسّستْ للحداثة ولسيادة المنطق والرشد في أوروبا. أما أنا فأرى أنّ الپروتستانتيّة مصدرُ ثوراتٍ متعدّدة قضت على المؤسّسة الكنسيّة الجامعة، المتجسّدةِ في كنيسة روما الكاثوليكيّة (وريثةِ الإمبراطوريّة الرومانيّة)، ووضعتِ اليدََ على كلّ أملاك الكنيسة آنذاك، وقُضي على نمط حياة رجال الدين المنفصلة والمنعزلة عن المجتمع، وتمّ أيضًا إدخالُ الدين في صلب الحياة المجتمعيّة. يضاف إلى ذلك العودةُ إلى قراءة حرفيّة للنصوص التوراتيّة القديمة، لا القراءة الرمزيّة والصوفيّة الطابع. وقد أسّس لوثر لمفهوم "دين الدولة،" أيْ إجبار الرعيّة على اتّباع دين الملوك والأمراء الذين يَقْطنون ضمن أراضيهم. كما أنّ كالفان في جينيف أسّس لديكتاتوريّةٍ دينيّةٍ متوحّشةٍ قلّ نظيرُها في التاريخ. وإذا نظرنا إلى المجتمعات الدينيّة الإسلاميّة، حيث لا "كنيسةَ" بالمعنى المسيحيّ الكاثوليكيّ للكلمة، فإننا قد نستنتج أنّ المجتمعات الإسلاميّة تشْبه المجتمعَ الپروتستانتيّ؛ ذلك أنّ "رجالَ الدين" أناسٌ يعيشون داخل المجتمع، ويتزوّجون، والدين إجمالاً داخل المجتمع لا خارجه.

من هنا فإنّ مفهوم "الإصلاح الدينيّ" في الإسلام، بهذه النظرة، لا معنى له نظريّاً. وفي دراسةٍ سابقةٍ لي نُشرتْ في الآداب، سعيتُ إلى تحديد ما سميّتُه "إشكاليّة العلمانيّة،" بمعنى تحييد الدين في الحياة السياسيّة والحياة العامّة في أيّ مجتمع، بحيث لا يُستغلّ ولا يوظَّف في الصراع أو التنافس الطبيعيّ على السلطة، لا بالمعنى الأنغلوساكسونيّ الپروتستانتيّ (Secularism) الذي يعني إدخالَ الحياة الدينيّة والكنسيّة في صلب المجتمع. وهذه الإشكاليّة في الجوهر، بمعنًى إسلاميّ عميق، هي إعادةُ تأسيس حريّة الاجتهاد في النصّ المُنزَل، كما كانت موجودةً في القرون الأولى من تاريخ الدين والمجتمعات الإسلاميّة، حيث تعدّدتْ تأويلاتُ النصّ وطرقُ تطبيقه، وكانت هناك عشراتُ المِلل والنِّحَل كما ذكر الشهرستاني، وكلُّ واحدةٍ تعيش معتقدَها الدينيََّ بحريّة. ومن هذا المنطلق فإنّ المطلوب هو إصلاحُ الفكر العربيّ من ناحية تحرّره من القراءة الحرفيّة للنصّ، ومن الاجتهادات المتشدّدة التي أصبحتْ تسود الساحةَ العربيّة والإسلاميّة، وبشكل خاصّ تحت تأثير المذهب الوهّابيّ السعوديّ، مع تشعّباته الآسيويّة في باكستان وأفغانستان وإلى حدّ ما في أندونيسيا. ونحن نَعْلم أنّ ثمة معاركَ فكريّةً طاحنةً تدور في هذا الصدد، ويذهب بعضُ المثقّفين الكبار المؤمنين ضحيّةً للاضطهاد أو الاغتيال.
أضف إلى ذلك أنّ تراثَ الحركة التنويريّة العربيّة في عصر النهضة (الكواكبي، عبده، قاسم أمين، الطهطاوي، أحمد أمين...) طُمس طمسًا كاملاً لصالح أعمال سيّد قطب على سبيل المثال، ولصالح غيره من أتباع مدرسةٍ طوباويّةٍ تستلهم أيضًا من أدبيّات الغرب المسيحيّ حنينَ العودة إلى جذورٍ خياليّةِ الطابع، إلى "إسلامٍ أسطوريّ،" وبشكلٍ خاصّ إلى إسلام الخلفاء الراشدين، الذي جُعل نموذجًا نمطيّاً شكليّاً، لا مصدرَ إثراءٍ وتجدِّدٍ باستلهام المعاني السامية لتلك الفترة، ومن دون التطرّق إلى ما حلّ خلال القرون: من تكيّفٍ وتطوّرٍ في المؤسّسات الإسلاميّة الطابع، وفي التقاليد والاجتهادات التي نسمّيها "الشريعةَ الإسلاميّة." والحقيقة أنّ اطّلاعي القليلَ على الشريعة الإسلاميّة، ولاسيّما ما يختصّ بعلاقة المسلم بأهل الكتاب ـ وهو موضوعُ أطروحتي للدكتوراه (تعدّد الأديان وأنظمة الحكم، بيروت: دار النهار، 1977) ـ يُظهر أنّ التعدّد الرائع الموجود في الاجتهادات المختلفة في ذلك الشأن يدلّ على طرق مختلفة جدّاً ارتآها الفقهاءُ لإرشاد تصرّف المسلمين تجاه أهل الكتاب: من أقصى التشدّد إلى أروع المعاملة.
وهذا يدلّ أيضًا أنْ لا معنى للاختباء وراء الشريعة بشكلٍ جزئيّ أو انتقائيّ، حَسْبَ أهواء الذين يدّعون فهمَ الشريعة الإسلاميّة. وأضيف هنا أنّنا، من دون إعادة تأسيس حريّة الاجتهاد، فلن نتمكّن في العالم العربيّ من الولوج إلى الحريّات الأخرى (السياسيّة ـ الفرديّة ـ الإعلاميّة...) التي تتوق إليها الإنسانيّةُ. ولذلك أرى الحديثَ عن أنّ الإسلام لا يَفْصل بين الروحيّ والزمنيّ، وأنّه دينٌ ودولة، وأنّه ثقافة لا دينٌ وحسب، حديثًا مستورَدًا من الأدب الغزير المسيحيّ الغربيّ والرومنطيقيّ الطابع، الذي انقضّ على فلسفة الأنوار ومبادئ الثورة الفرنسيّة، ومجّد حياةَ القرون الوسطى الأوروبيّة، التي يُفترض أنها كانت كلُّها مبنيّةً على الدين والواجبات الدينيّة الشكليّة وممارسة الطقوس بحذافيرها والتضامن بين أبناء الدين الواحد.. وغير ذلك من التخيّلات، من دون النظر إلى ما كان يتعرَّض إليه الإنسانُ في تلك الأزمنة من الاضطهاد والموت في كثير من الأحيان في حال إظهاره أيَّ نوعٍ من الاختلاف في شؤون الاجتهاد الدينيّة مع العقيدة الرسميّة للكنيسة.
وربّما ما ينقصنا في المعرفة هو النظامُ القيميّ الذي تميّزتْ به الإمبراطوريّةُ البيزنطيّةُ التي حكمت المنطقةَ قرونًا طويلة، وأثّرتْ فيها. فالدراسات الأخيرة في الغرب حول النظام البيزنطيّ تَدْحض مقولةَ القيصريّة ـ البابويّة (Césaro-Papisme)، إذ كان يُفترض أنّ الإمبراطور يَجْمع بين وظائف الإمبراطور الدنيويّة ووظائفِ بابا كنيسة روما العقائديّة. وهذا مفهومٌ قديمٌ موروثٌ من أيّام الفراعنة في المنطقة، ولم ينوجد فعليّا في المسيحيّة الشرقيّة؛ فالحال أنّ الأمور العقائديّة جميعَها كانت تناقَش بالشورى في ما يسمّى "المجْمع،" وكان يُعقد مجْمعٌ كلّما باتت قضيّةٌ ما خلافيّةً، ولم يكن إمبراطورُ بيزنطيا هو الذي يحدِّد العقيدة. وفي المسيحيّة الغربيّة نفسها، كان انعقادُ المجمع ضروريّاً دائمًا لحلّ قضايا العقيدة الخلافيّة، وإنْ أصبحتْ لبابا روما الكلمةُ الفاصلةُ في أمور العقيدة وما يمكن أن يتفرّع عنها من أمورٍ دنيويّة.

ما أسبابُ استخدام هذا المصطلح في عالمنا العربيّ، برأيك؟ وما هي علاقتُه بالتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة؟
هذه القضيّة تعود إلى الصدمة التي أصابت النخبَ العربيّةَ، بمن فيهم الفقهاءُ وأبناءُ الأزهر في مصر، عندما وُعي تخلّفُ العرب والمسلمين مقارنةً بالحضارة الأوروبيّة، سواء نُظر إليها كأنّها مسيحيّةُ الطابع أو ملحدةٌ ومادّيّة. هذه الصدمة فَتحتِ المجالَ لتفاعلٍ ثقافيّ كبيرٍ بين النخبة العربيّة والثقافة الأوروبيّة، وهو ما جعل النهضةَ العربيّةَ تنطلق في بدايات القرن التاسع عشر. وهذا القلق صار وجوديّاً أمام تقدّم الاستعمار الأوروبيّ، وأمام الوهن والتفكّك التدريجيّ للسلطنة العثمانيّة، فاستحوذ مفهومُ "التخلّف" على العقول، وتمّ السعيُ الحثيثُ لإزالته. ونحن ما نزال نتخبّط في هذه الإشكاليّة، ولا نتّفق إلى اليوم على أسباب التخلّف. والحقّ أنّ التخلّف مفهومٌ يشْمل الأوجهَ الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعلميّة، وربّما أيضًا الأوجهَ العقيديّة الدينيّة الطابع. وموقفُنا في معظم الأحيان هو إمَّا التماهي مع تخيّلنا للغرب، وإمّا رفضُنا المطلقُ لنظام القيم الغربيّ وللعلمانيّة ولمفهوم الحريّات، مندّدين، وبشكلٍٍ ديماغوجيّ، بالأوجه البشعة للحرّية الجنسيّة، أو لحريّة المعتقد، من دون أن ننظر إلى الأوجه الأخرى، ومن دون أن نعي شدّةَ تأثّر فئةٍ من العرب الرافضين للغرب بجزءٍ من الثقافة الغربيّة: جزءٍ رََفَضَ الحداثة، ورَفَضَ فصْلََ الدين عن الدولة، ورَفَضَ إزالةَ التراتبيّات الاجتماعيّة التقليديّة، ورَفَضَ عدمَ سيطرة "الروحانيّات" لمصلحة حياةٍ مادّيّةٍ سخيفة.
وفي هذا السياق لا أرى فرقًا بين ما كتبه أديبٌ فرنسيّ شهيرٌ مثل شاتوبريان حول "عبقرية المسيحيّة،" وما كتبه سيّد قطب في مؤلّفه الشهير: في ظلال القرآن. فالحقيقة أنّ إدراكنا للتشعّبات المعقّدة للتفاعل الحضاريّ بيننا وبين المكوِّنات المختلفة للفكر الغربيّ يكوِّن قصورًا كبيرًا في نظام المعرفة عندنا.
أضفْ إلى ذلك النموذجَ الإسرائيليّ المزروعَ في قلب الوطن العربيّ، وهو نموذجٌ توراتيّ متجدّد ومطعَّم بالأوجه الأكثر تخلّفا ورجعيّة من الفكر الغربيّ. وفي إحدى دراساتي السابقة تحدّثتُ عن "صهينة العقل العربيّ،" أي النظرِ إلى أمورنا ـ عربًا ومسلمين ومذاهبَ مختلفةً ضمن الديانة الإسلاميّة أو المذاهب المسيحيّة الشرقيّة ـ من منظورٍ متأثّرٍ، بشكلٍ واعٍ أو لاواعٍ، بالانحياز المأساويّ الذي فرضتْه أوروبا في قلب المنطقة العربيّة للتكفير عن ذنوبها جرّاء اضطهادها لليهود؛ وهو ربّما التحدّي الأكبر بالنسبة إلى التعدّديّة الدينيّة التي يمتاز بها الشرقُ العربيّ والفارسيّ والتركيّ. فنحن ننسى دائمًا ما امتازت به عبقريّةُ المجتمعات الإسلاميّة بالتكيّف الكبير، لا مع وجود أهل الكتاب وحسب، وإنّما مع الوجود الوثنيّ أيضًا مثلما كانت الحالُ في الهند، أو في بلاد فارس قبل أن تتحوّل إلى الديانة الإسلاميّة. والمفارقة هنا أنّ قبولَ التعدّدية الدينيّة هذا (ضمن معايير بطبيعة الحال) قد قُضي عليه بالصورة التي تُقدِّمها اليومَ المجتمعاتُ الإسلاميّةُ عن نفسها، وهي صورةُ رفضِ التعدّدية وجهلِ التعامل معها؛ في حين كانت أوروبا المسيحيّة هي النموذجَ الذي لم يتحمّل التعدّديةَ الدينيّة، فقُضي على وجود اليهود والمسلمين هناك، مع أنّهم [الأوروبيين] يُلْقون اليومَ علينا دروسًا في التعامل مع قضيّة التعدّديات! وهذه المفارقة الموجعة تدلّ على مدى الانحطاط الذي أصابنا مجدّدًا بعد النهضة العربيّة الأولى.

كيف ترى إلى علاقة الإصلاح الدينيّ بالسلطات الحاكمة؟
هي قضيّةٌ عويصةٌ ومعقّدة. وبالاختصار، وبسبب عدم وجود مؤسّسة دينيّة مماثلة للمؤسّسة الكنسيّة في الإسلام، فإنّ العلماء في معظم الأحيان كانوا يَخضعون لسيطرة الحاكم المدنيّ، وكانوا في بعض الأحيان يقفون في وجههم إذا طغوا. إلاّ أنّ النموذج التاريخيّ في الحكم هو أنَّ قبضة الحاكم المدنيّ ـ أأميريّاً كان أمْ ملكيّاً أمْ سلطانيّاً ـ هي المهيمنة، وهي التي توجِّه اجتهاداتِ الفقهاء، وبخاصةٍ عندما فَقدت الحياةُ الثقافيّةُ والدينيّةُ بريقَها وحرّيتَها الفكريّة.
ولكي تستمرّ السلطةُ في بلداننا بلا منازعٍ أو مراقبٍ أو مُحاسب، فإنّها تحتاج جمودَ الفكر وإخضاعَه إلى المفهوم الضيّق للشريعة، أو للثقافة "الأصيلة" الإسلاميّة الطابع، أو لما تقتضيه حياةُ المسلم من تصرّفاتٍ معيّنةٍ يجب أن تحترمها السلطاتُ القائمةُ مهما مارست الاستبدادَ. ولذلك نرى دائمًا أنّ بعضَ رجال الدين المتشدّدين هم الذين يتمّ توظيفُهم من قِبل أهل السلطة، وذلك لردع أيّ نيّةٍ في إعادة الحيويّة والحريّة إلى مجتمعاتنا.
صحيح أنّ المجابهة مع الاستعمار، ولاسيّما أيامَ النفوذ الناصريّ في المنطقة، كانت قويّة. غير أنّ هذه المجابهة انطفأتْ بالتدريج، رغم استثناءاتٍ قليلة. وهذا الانطفاء أعطى دفعةً قويّةً للحركات التي نسمّيها "أصوليّة،" فحلّت محلَّ رياح القوميّة العربيّة التحرّريّة. ولا بدّ هنا من ذكر أنّ حريّة الاجتهاد قد ازدهرتْ في أواخر النظام الملكيّ في مصر وأيّام الناصريّة، إذ رأينا العديدَ من مشايخ الأزهر يميلون إلى إعادة النظر في تقاليد عديدة، بل في الحياة الاقتصاديّة نفسها، من دون أن يتعرّضوا للمضايقة كما كانت الحالُ أيّامَ النهضة العربيّة. فلنتذكّرْ فقط ما حصل عندما وضع علي عبد الرازق كتابَه، الإسلام وأصول الحكم، الذي حُرق وسُحب من الأسواق، ولنقارنْ ذلك بحريّة الاجتهاد في الخمسينيّات والستينيّات، وبخاصّةٍ في بلدٍ كمصر!

وكيف تبرِّر، إذًا، القمعَ بحقّ الإخوان المسلمين في تلك الفترة؟
أنا لا أُنكر أنّ النظام المصريّ [الناصريّ] مارس القمعَ السياسيّ، ومارسه بالشدّة نفسها تجاه الشيوعيين بالرغم من المساعدة التي قدّمتها موسكو إلى مصر. ولكنْ لا ننسى أنّ الإخوان حاولوا اغتيالَ عبد الناصر. لذلك أرفض تمامًا مقولة إنّ عبد الناصر اضطهد الدينََ من خلال اضطهاده الإخوانَ؛ فلقد كان القمعُ آتيًا من نظامٍ ديكتاتوريّ يسْري على أيّ فئةٍ يشعر أنّها تهدَّده.

ألا تعتبر أنّ ما تسمّيه انفتاحًا ناصريّاً على حريّة الاجتهاد الدينيّ مرتبطٌ بمصلحته فيه، من حيث القيمُ "الحديثةُ" التي رفعها شعاراتٍ له، كالقوميّة والاشتراكيّة؟
لا أنكر ذلك. ويمكن في هذا السياق أن نفسّر العديدَ من الاجتهادات التي أتت من مشايخ من داخل الأزهر (خالد محمد خالد مثلاً)، ومنها أنّ الإسلام أقربُ إلى الاشتراكيّة منه إلى الرأسماليّة؛ وهذه ظاهرة تؤكّد استقلاليّةَ الفقهاء بالنسبة إلى السلطة المدنيّة السائدة. غير أنّ التغيير في الاجتهادات كان يتطلّب جرأةً، نظرًا إلى المنظور الضيّق السائد في المجتمعات الإسلاميّة] للاجتهاد. وأودّ أن أذكّر هنا بأنّ العديد من العلماء التنويريين العرب، قبل الكواكبي أو غيره، حَمّلوا العنصرَ التركيّ مسؤوليّةَ جمود الفكر والتقوقع على تطبيقٍ مقيّدٍ وضيّقٍ للشريعة الإسلاميّة.

هل تعتبر أنّ الفكر المسيحيّ المشرقيّ شهد أيضًا "حركةَ إصلاح" كالتي نناقشها عند الفكر الإسلاميّ؟
إذا نظرنا إلى المسيحيّة الشرقيّة العربيّة فإنّ أوضاعَها لا تقلّ رداءةً عن أوضاع الإسلام! فالانحطاط أصاب الكنائسَ، كما أصابها التنافسُ في ما بينها. وما أراه خطأً شنيعًا هو نسيانُ أنّ مهدَ المسيح هو في فلسطين، وأنّ على المسيحيين الشرقيين قبل المسلمين واجبَ الدفاع عن فلسطين وعن وجود المسيحيين فيها. ولئن نسي الغربُ المسيحيّ هذه الحقيقةَ الساطعةَ ولا يريد أن يتعرّفَ إليها، نظرًا إلى ما حصل لليهود خلال الحرب العالميّة الثانية، أو إلى فشل الحملات الصليبيّة، فإنّه كان على المسيحيّة الشرقيّة أن تقودَ المسيرةَ العربيّةَ لوقف المشروع الصهيونيّ. صحيح أنّ بعضَ المسيحيين في بدايات القرن العشرين حَذّروا إخوانَهم العربََ المسلمين من خطورة المشروع الصهيونيّ؛ وصحيح أيضًا أنّ ميشال شيحا في لبنان أثار الوعيَ اللبنانيّ بخطورة الصهيونيّة، وأنّ العلاّمة الأب يواكيم مبارك كان من الشخصيّات البارزة التي تصدّت بكلّ جرأةٍ في أوروبا لتبريرات الصهيونيّة وتحالفها مع الولايات المتّحدة. غير أنّ الكنائس لم تتحرّكْ بشكلٍ جدّيّ، ولم تسْعَ إلى استعمال نفوذها لدى المسيحيّة الغربيّة لإيقاف هوسها بالمشروع الصهيونيّ. وأعتقد أنّ هذا جزءٌ من انحطاطٍ مؤسّسيّ كبير.
وفي بعض الكنائس الشرقيّة سيطر الانشدادُ إلى الغرب بشكلٍ أعمى، أو سيطر في كثير من الأحيان الخوفُ المتعاظمُ من سيطرةٍ إسلاميّةٍ على المسيحيين تعيدهم إلى نظام أهل الذمّة. وهناك، لسوء الحظّ، أدبيّاتٌ عديدةٌ تصوِّر، بشكلٍ مخالفٍ للوقائع، حياةَ المسيحيين في المجتمعات الإسلاميّة؛ وتمّ ذلك تحت تأثير الأدبيّات الفرنسيّة، بشكل خاصّ، في القرن التاسع عشر، ويتمّ اليومَ تحت تأثير الأدبيّات الصهيونيّة الهوى. هذا بالإضافة إلى المشهد الحاليّ مع صعود الحركات التكفيريّة، التي تستعمل لغةً حادّةً مشتعلة، فتخيف المسيحيين؛ وهم محقّون في خوفهم، مع أنّهم لا يروْن مصدرَ هذه الحركات في الحرب الباردة، عندما كانت الولاياتُ المتّحدة الأميركيّة هي التي تَستخدم بعضَََ التشدّد الإسلاميّ لمناهضة المدّ الشيوعيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ! وفي كثير من الأحيان بقيت المؤسّساتُ الكنسيّة، وجزءٌ كبيرٌ من الرعيّة، في حالة خوفٍ وانزواء.
المشهد، إذنْ، لا يثير التفاؤل: من انقراض المسيحيين في فلسطين على أيدي الصهيونيّة، إلى الحرب اللبنانيّة الأهليّة الطويلة التي هَجّرتْ أعدادًا كبيرة من الطرفيْن، فإلى المشهد في العراق حيث راح يتضاءل بشكلٍ كبيرٍ عددُ المسيحيين بعد الغزو الأميركيّ، وإلى ظهور التنظيمات التكفيريّة في لبنان، والأحداث الدمويّة المتواصلة بين الأقباط والمسلمين في مصر بعد حياةٍ مشتركة لقرون، وتراجُعِ أعداد المسيحيين في سوريا. وهذه العوامل مجتمعةً تفسِّر، إلى حدٍّ ما، تقوقعَ الكنائس الشرقيّة وشللَها.

كيف تعلّل تمركزَ الحركات الإصلاحيّة الدينيّة في القرن الماضي في العالم العربيّ؟
خلافًا للرؤية المحجوبة، ما تزال هناك معاركُ فكريّةٌ طاحنةٌ ذكرتُها سابقًا من أجل حرّيّة الاجتهاد والتعامل مع النصّ الدينيّ. وهناك أعمالٌ ضخمةٌ لا يُنظر إليها، لا في الغرب في الأكاديميّات الاستشراقيّة، ولا بالشكل الكافي عندنا: من نصر حامد أبي زيد في مصر، إلى محمد شحرور في سوريا، إلى محمد محمود طه الذي شَنَقَه نظامُ النميري في السودان، وإلى أسماء عديدةٍ لها إنتاجٌ غزيرٌ يُحارَََب ولا يهتمّ به الإعلاميّون والأكاديميّون لأنّ كلّ الانتباه مشدودٌ إلى الحركات السلفيّة والحركات التكفيريّة على الطريقة الـ "بن لادنيّة." وهذا يصبّ طبعًا في مصلحة الغرب والصهيونيّة، وذلك في تأكيده صوابيّةَ الطرح السخيف بأنّ النزاعات في الشرق الأوسط تدور كلّها حول صِدام الحضارات والأديان... لا حول الهيمنة الغربيّة، والاحتلالات، والاغتصاب الصهيونيّ، واستباحة أراضي العرب منذ أيام بوناپرت إلى اليوم، وعدم تطبيق مبادئ القانون الدوليّ على إسرائيل، بينما تُطبّق (بشكلٍ مشوّهٍ، بل إجراميّ) على العراق عبر فرض الحظر الاقتصاديّ الشامل على الشعب العراقيّ فأودى بحياة مئات الآلاف من فقرائهم.

في هذا السياق هل نجد حركاتٍ إصلاحيّةً دينيّةً قامت عند الكنائس الشرقيّة بموازاة الحركات الإسلاميّة؟
الكنائس الشرقيّة ذاتُ تراثٍ تنافسيّ في ما بينها، يعود إلى الخلافات اللاهوتيّة العميقة في القرون الأولى من المسيحيّة. وابتداءً من القرنيْن السادس عشر والسابع عشر بدأت الإرساليّاتُ الأجنبيّةُ تتوافد إلى المنطقة وتؤثّر بشكلٍ كبيرٍ في هذه الكنائس وتُدْخلها رويدًا رويدًا في قنوات نفوذ الدول الأوروبيّة الكبرى وروسيا (بالنسبة إلى الروم الأورثوذكس). كما توغّلتْ أيضًا الإرساليّاتُ الپروتستانتيّةُ وشقّت العديدَ من الكنائس الشرقيّة. ثم إنّ كنيسةَ روما تمكّنتْ من شقّ الكنيسة الأورثوذكسيّة في حلب في القرن الثامن عشر. وهذه العوامل مجتمعةً أدّت إلى بلبلةٍ كبيرةٍ في صفوف المسيحيّين العرب، وجعلت العديدَ منهم يخرجون من طور نفوذ الكنيسة القويّ ليُسْهموا في تأسيس الحركات القوميّة العربيّة. وهناك مثلاً ظاهرة جبران خليل جبران، الذي ندّد، من جهة، بممارسات الكنيسة ورجال الدين، واستلهم، من جهة أخرى، الكثيرََ من أدبيّات الغرب حول ثنائيّة العالم: بين غربٍ مسيحيّ مادّيّ فَقَدَ روحانيّاتِ الدين والصوفيّة، وشرقٍٍ بقي متمسّكًا بها ورافضًا لماديّات الغرب. وهذه ثنائيّةٌ خياليّةُ الطابع وصفتُها بإسهابٍ في أحد مؤلَّفاتي (شرق وغرب: الشرخ الأسطوريّ، بيروت: دار الساقي، 2003).
وفي هذا المضمار لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مفهوم "الأصالة" مستورد هو أيضًا من الأدبيّات الرومنطيقيّة الألمانيّة، لا من صلب الأدبيّات العربيّة. بل إنّ كلّ إشكاليّات "الأصالة" و"التجديد" هي إشكاليّاتٌ مفخّخةٌ مستوردةٌ أيضًا من أدبيّات الغرب.

بالعودة إلى بدايات القرن الماضي، هل يمكن اعتبارُ ما كُتب ونُشر وسُمّي "إصلاحًا دينيّاً" إصلاحًا دينيّاً بالفعل؟ ولماذا بقي على مستوى النخبة فقط ولم يتحوّل إلى حركة فاعلة، بحيث تمّ القضاءُ عليه واستيعابُه بيسر؟
لا شكّ أنّنا نعني في هذا الموضوع الإصلاحَ الدينيّ عند المذهب السنّيّ؛ فمعرفتنا بما حصل عند المذهب الشيعي أقلُّ بكثير، ويجب سدُّ هذه الثغرة في ثقافتنا العربيّة. هذا من جهة. أمّا من الجهة الثانية، فلا شكّ أنّه كانت هناك روحٌ تحديثيّةٌ في إطار إشكاليّة الخروج من التخلّف، وهي إشكاليّة أصبحت النخبةُ العربيّةُ واعيةً بها مقارنةً بما كان قد حصل في أوروبا من نهضة عملاقة منذ القرن السادس عشر. وهذه الروح سمحتْ بالتركيز على عبقريّة الشريعة الإسلاميّة من حيث إمكانيّة تأقلمها مع ظروف الزمان والمكان، والابتعاد عن التقيّد باجتهادات متشدّدة لا تتيح للمجتمعات العربيّة أن تتكيّف مع زمن الحداثة وتحدّيات الهيمنة الاستعماريّة. وهذا ما فعله محمد عبده وقاسم أمين وأحمد أمين والكواكبي وعلي عبد الرازق وغيرُهم من كبار العلماء.
غير أنّ هذه النهضة الاجتهاديّة بقيتْ محصورةً لدى النخبة. وهذا هو وجهُ القصور الأكبر في النهضة العربيّة والتنوير الإسلاميّ المرافق له، ويعود إلى عدم اهتمام النخبة العربيّة، وبخاصة في مصر وبلاد الشام، بالقضاء على الأميّة، ولاسيّما في الأرياف. وذلك هو خلافُ ما فعله اليابانيّون بعد ثورة إمبراطور المييجي عام 1868، حيث تقرّرتْ مجابهةُ الغرب بعد فتنة طويلة بين التقليديين والحداثيين في اليابان، وتقرّر استيرادُ ما ينفع المجتمعَ اليابانيّ من علومٍ وتصرّفاتٍ اجتماعيّة جديدة مرافقةٍ لها. وكانت سياسةُ محو الأميّة لدى الفلاحين (وكانوا الأغلبيّة السكّانيّة الكبرى) من أهمّ أولويات الإصلاح، وذلك كي تُقام الإصلاحاتُ المؤسّساتيّة والمجتمعاتيّة على أرضيّةٍ صلبةٍ لا تَسمح للفئات المتشدّدة بتأكيد "الأصالة" اليابانيّة في مواجهة الحداثة الغربيّة "المنافية للتقاليد،" ولا للقوى الاجتماعيّة المتضرّرة من التغيير والإصلاح (والمتّكلة على الفئات الريفيّة والمدينيّة الفقيرة لصدّ موجة التحديث الجديدة) بأيّ ردّ فعل.
لسوء الحظّ أنّ هذا لم يحصلْ عندنا كما قلتُ. فلا محمّد علي، ولا جمال عبد الناصر، ولا الأنظمة العربيّة المختلفة، تمكّنتْ من القضاء على الأميّة بشكلٍ كامل، وإخراج العالم الريفيّ العربيّ من وضعه التاريخيّ كفئةٍ مهمّشة وفقيرة ومتمسّكة ـ من ثمّ ـ بالأوجه السلبيّة لتقاليدَ عديدةٍ كانت النهضةُ العربيّةُ تهدف إلى القضاء عليها. ونحن نَعْلم أنّ ثمة، إلى اليوم، جيوبًا واسعةً جدّاً من الأمّيّـة المطْلقة في مصر والمغرب والسودان على سبيل المثال، ومن شبه الأمّيّـة في معظم الأقطار العربيّة.
أضفْ إلى ذلك ما حصل من ابتعاد بعض مريدي الإمام محمد عبده، وعلى رأسهم الشيخ رشيد رضا، عن تراث الإمام والتنويريّين الآخرين، والتقوقع على اختيار وجه الشريعة المتشدّد تحت تأثير المذهب الوهّابيّ الذي اعتمدتْه المملكةُ السعوديّةُ الناشئة. وقد برز منذ ذلك الحين مجدّدًا إلى الساحة الصراعُ بين المصلحين والتنويريين المحبِّذين للحداثة ولتجديد روح الشريعة ولقراءة القرآن الكريم بروحيّته ورمزيّته لا بالحَرْفيّة الجامدة؛ وبين المتشدّدين الذين وَجدوا مساندةً كبيرةً وملجأً وتمويلاً من الدولة السعوديّة، التي تعتمد المذهبَ الوهّابيّ وتسعى إلى نشره في كلّ الأقطار الإسلاميّة والعربيّة.
وممّا ضاعف من هذا الصراع عنصران مهمّان. أولاً، إخفاقُ النخبة العربيّة الإصلاحيّة في إقناع الدول الغربيّة الاستعماريّة بأن تعدّل من سياساتها تجاه الدول العربيّة والإسلاميّة، فتتركَ لها حرّيتها وتنسحبَ سياسيّاً وعسكريّاً من الديار العربيّة. وثانيًا، تشجيعُ بريطانيا لآل سعود في الخليج، وعدمُ تقديم المساعدة للعائلة الهاشميّة التي كانت تَحْكم مكّةَ أمام زحف التحالف السعوديّ الوهابيّ. وكما نعْلم فقد كان لهذا الحدث تأثيرٌ بالغٌ على المنطقة العربيّة، إذ تأسّست المملكةُ العربيّة السعوديّة سنة 1925 بعد أن سيطرتْ على مكّة والمدينة وجدّة ومناطقَ شاسعةٍ من الجزيرة العربيّة. وقامت المملكةُ كدولةٍ دينيّةِ الطابع، اعتمدتْ طريقةً متشدّدةً جدّاً في تطبيق الطريقة الوهّابيّة في العودة إلى الجذور، أيْ إلى عهد الخلفاء الراشدين.
وقد نشأ صراعٌ ذو أوجه سياسيّة وعسكريّة مأساويّة في الخمسينيّات والستينيّات من القرن الماضي، في عهد التوسّع العقائديّ العروبيّ، سواء على الطريقة الناصريّة أو البعثيّة أو طريقة القوميين العرب، مع المملكة وحلفائها في الأنظمة العربيّة الأخرى والغرب. وكانت نتائجُ هذا الصراع واضحةً للعيان في حرب اليمن وانقسام اليمن إلى يمنيْن، وفي المعركة حول حلف بغداد، وغيرها من الأحداث. وكانت للحرب العربيّة ـ الإسرائيليّة عامَ 1967 آثارٌ ضخمةٌ غيّرتْ وجهَ المنطقة، خصوصًا في ظلّ ارتفاع أسعار النفط أربعةَ أضعاف سنة 1973، وظهورِ المملكة العربيّة السعوديّة زعيمةً للعرب ومؤسِّسةً لمنظمة الدول الإسلاميّة (وهي منظّمة تأسّستْ لمنافسة منظّمة دول عدم الانحياز التي لم تكن مبنيّة على الرابطة الدينيّة إطلاقًا، ولمنافسة الجامعة العربيّة التي لم يُبنََ ميثاقُها على رابطة إسلاميّة هو كذلك). وهكذا تمّت الغلبةُ المطلقةُ لمدرسة رشيد رضا وللتشدّد الدينيّ، وأُعيد تأسيسُ الدين رابطةً أساسيّةً في حياة المجتمعات العربيّة، وأصبحت النهضةُ العربيّة والحركةُ التنويريّة تراثًا مهمَّشًا ومقصِيّاً في ثقافة الأجيال الجديدة من العرب.
زدْ على ذلك أنّ الإنجازات التي حصلتْ في بعض الدول العربيّة المتأثّرة بالناصريّة أو بالحركة القوميّة العربيّة بأشكالها الأخرى ـ وهي إنجازاتٌ تتعلّق بالقضاء على الأميّة، وتطبيقِِ الإصلاح الزراعيّ لتحسين الأوضاع المعيشيّة للفلاّحين، وحركة التصنيع المتسارعة أيّام عبد الناصر ـ قد تمّ القضاءُ عليها في عهد أنور السادات وسياسة الانفتاح. ومن ثمّ اعتمدتْ مختلفُ تيّارات الإسلام السياسيّ وجهةَ نظرٍ معاديةً لما سُمّي "الاشتراكيّة العربيّة،" وانحازت إلى نظامٍ رأسماليٍّ بلا ضوابط، وبشكلٍ خاصٍّ إلى نظامٍ رأسماليّ يعتمد نموذجًا تنمويّاً مبنيّاً على توزيع إيرادات الريْع المختلفة بشكلٍ غير عادل، أَسْهم في إعادة تركيز الثروات في أيدٍ قليلةٍ متحالفةٍ باستمرار مع الفئة الحاكمة، سواء أكانت ملكيّةَ الطابع أمْ جمهوريّةً. وقد عمّ الاقتصادُ الريعيُّ المنطقةَ العربيّةَ على حساب الاقتصاد المنتِج، فأصبحت الاقتصاداتُ العربيّةُ أسيرةَ مستوى أسعار النفط، وأسيرةَ تحويلات المغتربين العرب المتزايدة أعدادُهم مع تفشّي البطالة، وأسيرةَ المساعدات الخارجيّة، وإيرادات السياحة والريع العقاريّ، وإيرادات توظيف فائض الرساميل في الأسواق الماليّة الدوليّة، أو (ابتداءً من الثمانينيّات) التوظيفات في البورصات المحليّة النامية، المتأثّرةِ بدورها بعمليّات الخصخصة في قطاع الاتّصالات (على الأغلب) أو فائض الأموال العربيّة بذاتها عند كلّ موجة من ارتفاع أسعار النفط.
وممّا لا شكّ فيه أنّ هيمنةَ هذا النموذج الاقتصاديّ غير المنتِج، والذي يُولّد باستمرارٍ المزيدَ من البطالة وهجرةِ الكفاءات وهجرة الفقراء، تساعد على استمرار الاستبداد السياسيّ بأشكاله المختلفة. ذلك أنّ تحالفَ رجال الأعمال مع أهل الحكم، وتركُّزََ الثروات في أيدٍ قليلة، وتركّزَ وسائل الإعلام الجديدة في أيدي رجال أعمال متحالفين مع الحكّام أو الأمراء، كلّ ذلك أمّن الاستقرارَ للأنظمة السياسيّة العربيّة وأقفل بابَ الانقلابات والتغيير نهائيّاً. وتمّ توظيفُ التشدّد الدينيّ في الحفاظ على هذا النمط التنمويّ الريعيّ الطابع.
ومن التناقض الذي تولّد عن هذا النموذج الحركاتُ التكفيريّةُ الإرهابيّةُ العبثيّةُ الطابع في دولٍ عربيّةٍ عديدة، ودولٍٍ إسلاميّةٍ أخرى كباكستان وأندونيسيا. وهذه الحركات تعبِّر في النهاية عن السخط العميق تجاه عدم عدالة توزيع الإيرادات وأرباح الاقتصاد الريعيّ، خاصّةً أنّ الفقهاء اهتمّوا بشكلٍ كبيرٍ في القرن الأوّل من الإسلام بتطوير قواعد تؤمِّن عدالةَ توزيع النشاط الاقتصاديّ الناجم عن الغزوات والحركة التجاريّة النشطة والنشاطات الأخرى غير الإنتاجيّة الطابع. لذلك عندما عاد الاقتصادُ العربيُّ ريعيّ الطابع، وفي ظلّ جوّ التشدّد الدينيّ، جاء الاحتجاجُ على قضايا التوزيع والعدل الاقتصاديّ على شكل أنّ "الإسلام هو الحلّ" في الأقطار العربيّة السُّنيّة، وجاء من الثورة الإيرانيّة بإبراز "قضيّة المحرومين."

هل نسمّي كلَّ حركةٍ دينيّةٍ إصلاحًا؟ وبالتالي ما العلاقة بين الفكر الوهّابي الـ "بن لادنيّ" والنزوع الدينيّ المسيحيّ الجديد في العالم الغربيّ؟
لا أعتقد أنّ هناك حركاتٍ دينيّةً بمعنى حركاتِ تنويرٍ تعمل على نشر عبقريّة الدين كمُثُلٍ عليا، وكإطلالةٍ إنسانويّةٍ على شراسة حياتنا في الدنيا. إنها [أي الحركات الدينيّة] تسميةٌ مخادعةٌ لأنّها جميعَها حركاتٌ سياسيّةُ الطابع، تستغلّ الفراغَ الفكريّ الذي نعيش فيه، وتستغلّ انهيارَ المقوِّمات الثقافيّة للعرب أو لشعوبٍ أخرى تدين بالإسلام. أهدافُها محض سياسيّة، حتّى إنّها حين تمارس العنفَ الأعمى تستهدف المسلمين أنفسَهم. وأنا أستثني هنا، بطبيعة الحال، حركاتِ المقاومة ضدّ الاحتلال، التي تحارب محتلاً وغاصبًا تحت الراية الدينيّة، لأنّ الراية القوميّة كما وصفناها سابقًا قد أخفقتْ في جمع العرب لمجابهة التحدّيات الخارجيّة الفظيعة، ولأنّ وجود إسرائيل أيضًا يتستّر وراء الديانة اليهوديّة لإخفاء الاغتصاب والعنف المتواصل، ولأنّ العالم أصبح أسيرَ نظرةٍ جيوبوليتيكيّة تُبرز الدياناتِ لتبرِّر الحروبَ والاغتصاب. وهذا ما تفعله الولاياتُ المتّحدة منذ أيّام الحرب الباردة. فقد وَظّفت الدينَ بشكلٍ مكثّفٍ في محاربة الشيوعيّة، وشجّعتْ كلّ الحركات الأصوليّة في المسيحيّة والإسلام واليهوديّة، بالإضافة إلى الهندوسيّة أو البوذيّة بشكلٍ أقلّ. وعندما انهار الاتّحادُ السوفياتيّ كانت هذه الحركة السياسيّة، المتعدّدةُ الأطراف والعابرةُ للجنسيّات والقوميّات، قد اتّخذتْ ديناميكيّةً مستقلّة، بحيث لم يقتصر الأمرُ على العجز عن إيقافها بشكلٍ سريع، بل استمرّت في التوسّع انطلاقًا من الولايات الأميركيّة نفسها. ذلك أنّ القوميّة الأميركيّة هي ذاتها مبنيّةٌ إلى حدّ بعيد على نظرة توراتيّة ترى في فتح القارة الأميركيّة، وإبادةِ السكّان الأصليين، وعدًا جديدًا من الربّ إلى الغزاة المتشدّدين دينيّاً من المذهب الپروتستنتيّ الذين كانوا يأتون من إنكلترا (Puritans). وهذا ما يفسّر ما نشهده من صلةٍ أكثر من وثيقة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل. والسكوتُ الأميركيّ التامّ عن التوسّع الاستيطانيّ الإسرائيليّ والعذابِ والقمعِ والقهرِ والاضطهادِ التي يتعرَّض لها الشعبُ الفلسطينيّ هو سكوتٌ نابعٌ من أسباب دينيّة إيمانيّة الطابع ترى في عودة اليهود إلى فلسطين تمهيدًا لعودة المسيح إلى الأرض. وهذا الاعتقاد موجود لدى العديد من الكنائس الپروتستانتيّة. بالإضافة إلى أنّ الأوروبيين، بسببٍ من علاقتهم المضطربة باليهوديّة الأوروبيّة، يرتاحون أكثر إذا كانت لليهود دولتُهم، ويروْن من واجبهم المعنويّ والأخلاقيّ مساندةَ هذه الدولة، ولو خالفتْ في ممارساتها كلَّ مبادئ القانون الدوليّ الحديث ومفهوم الإنسانويّة الحديث.
هنا يمكن أن نرى أنّ الأصوليّات المتشدّدة في الأديان السماويّة الثلاثة تجتمع في نظرةٍ توراتيّةٍ إلى الكون، وكلُّ واحدةٍ منها ترى أنها هي التي تجسِّد الرسالةَ الدينيّةَ الحقّة التي يجب نشرُها لصالح البشريّة. وتسود الساحةَ الإعلاميّةَ الآن هذه النظرةُ التوراتيّةُ المعتمدةُ على قراءةٍ حرفيّةٍ للنصّ التوراتيّ، على حساب نظرات الديانات الأخرى، فتصبح الآراءُ والاجتهاداتُ التنويريّة المسالمة والمعتدلة مهمَّشةً. وفي بعض الأحيان يُعرَّض أصحابُ التنوير إلى المضايقات وإلى شتَّى أنواع التهجُّم، خاصّةً في اليهوديّة وفي الإسلام حاليّاً، رغم الأعداد الكبيرة من المتنوّرين مثل اليهود المعادين للصهيونيّة، أو مثل المسلمين الداعين إلى تجنّب القراءة الحرفيّة للنصّ القرآنيّ والعمل على القراءة الرمزيّة ومعانيها، أو مثل بعض المفكّرين الكاثوليك والپروتستانت الذين يقفون بشدّةٍ ضدّ الطروحات المتشدّدة في الديانة المسيحيّة، وبشكل خاصّ تلك التي تؤدّي إلى تدعيم الكيان الصهيونيّ بشكلٍ أعمى على حساب حقوق الإنسان العربيّ.

هل الإصلاح الدينيّ ينطلق، فعلاً، من داخل المؤسّسة الدينيّة وحدها؟ وأيُّ دور للعلمانيين فيه؟
أنا لا أحبّ تقسيمَ الناس بين دينيين وعَلمانيين. فكثيرٌ من المؤمنين الدينيين ذوو تصرّفٍ علمانيِّ الطابع، أيْ يكنّون احترامًا كبيرًا للاختلاف الدينيّ أو المذهبيّ أو السياسيّ. وفي المقابل نجد العديدَ من العَلمانيين، هنا أو في الغرب، يمارسون تعصّبًا أعمى تجاه الاختلاف في الرأي أو العادات، أو تجاه أشكال معيّنة من الممارسة الدينيّة، دون أن يَسْعوا إلى الحوار والانفتاح. هذا بالإضافة إلى أنّ كلمة "علمانيّة" صارت ترمز في ثقافتنا العربيّة الراهنة المنحطّة إلى الإلحاد وعدم الاكتراث بالقيم الروحيّة؛ وهذا خطأٌ طبعًا، لكنّ العديد من العلمانيين "النضاليين" يثْبتون بأقوالهم وتصرُّفاتهم وجهةَ النظر هذه. ففي كثير من الأحيان يصبح العلمانيون العرب منتمين سياسيّاً إلى هويّة ثقافيّة سياسية غربيّة محضة، لا تأخذ في الاعتبار تراثَنا ومشاكلَنا، ولاسيّما المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة الطابع، ويردّدون شعاراتٍ جوفاءَ كالتي نسمعها في كلام صانعي القرار الغربيين والنخبة المثقّفة الغربيّة التي تدور حولهم. إنّ جزءًا كبيرًا من الخطاب العلمانيّ العربيّ يتجاهل تمامًا قضايا الكرامة الوطنيّة، ومكافحة الاستعمار الغربيّ، وعدوانيّة إسرائيل، ومعاناة الفلسطينيين واللبنانيين من جرَّاء هذا الكيان الغاصب، وكذلك قضايا العدالة الاجتماعيّة، والقضاء على الأميّة، وإرساء قواعد اقتصاد منتِج. لقد أصبح أصحابُ هذا الخطاب مثلَ المبشّرين، يردّدون شعاراتٍ جوفاءَ وينسوْن حقيقة أوضاع أمّتهم العربيّة أو قطرهم العربيّ!
أمّا الإصلاح الدينيّ فهو، كما ذكرنا في البداية، وقبل أيّ شيءٍ آخر، إصلاحُ الفكر، وتطويرُ الثقافة، وبناءُ التراكم المعرفيّ. فالإصلاح الدينيّ لا يمكنه أن ينجح خارج استعادة الفكر والعلم والمعرفة. وفي هذا المضمار يمكن أن يكون لرجال الدين والعلماء دورٌ بارزٌ، كما كان الحال في فترة النهضة العربيّة الأولى. ونحن نرى في الساحة العربيّة بعضَ الفقهاء من أصحاب المواقف المتنوّرة والمتكيّفة مع العالم المضطرب الذي نعيش فيه. غير أنّ القضيّة ليست قضيّة دينيّة، بل قضيّة صياغة تدريجيّة لمنظومة فكريّة عربيّة ترتاح إليها الأغلبيّةُ الكبرى من العرب والأعراق الأخرى التي تعيش معهم منذ أقدم الأزمنة مثل الأكراد والبربر، كما يرتاح إليها المسيحيّون العرب بتعدّديتهم الكبيرة، والمذاهبُ الإسلاميّةُ المختلفة التي تعيش حاليّاً حالةً من النفور والحذر والخوف في ما بينها، وهي حالة تُنْذر بالكثير من المشاكل السياسيّة الطابع. ومن أجل إرساء دعائم هذه المنظومة يجب أن نقضي على الانقطاع في تراثنا الحديث، ونعيد الصلةَ مع ما حقّقتْه النهضةُ العربيّةُ الأولى في القرن التاسع عشر. وعلينا أيضًا أن ننظر إلى ما حصل للعرب عند نسيان تراثهم الأقدم، بعد أن سيطر عليهم العنصرُ غيرُ العربيّ ابتداءً من القرن الحادي عشر، وأن نستعيدَ أيضًا تراثَنا الفلسفيّ العظيم الذي كان من أحد أسباب النهضة في أوروبا (ولم يكن كذلك عندنا)، وأن نعيد بناءَ تاريخنا بكلّ أبعاده، وألاّ نقع في الوسواس الدينيّ المتواصل كعنصر هويّةٍ أحاديِّ الجانب. والحقيقة أنَّ الهويّة البشريّة في أيّ بقعة من هذا العالم هي، باستمرار، هويّةٌ مركّبة: لا شكّ في أنّ للدين دورًا فيها، ولكنّ هناك عواملَ متعدّدةً إلى جانبه، اجتماعيّة ومناطقيّة ومهنيّة واقتصاديّة وسياسيّة.. إلخ. وعندما يكون العنصرُ الدينيّ مختصّاً بديانة تمتدّ عبر القوميّات والأعراق واللغات، فلا يمكن أن تُبنى هويّةٌ جماعيّةٌ في مجموعةٍ لغويّةٍ واحدة على العامل الدينيّ وحده، وإلاّ ذابت الهويّةُ العربيّةُ في هويّةٍ إسلاميّةٍ خياليّةِ الطابع أكثر ممّا هي واقعيّة، وهي روحيّة أيضًا قبل أن تكون سياسيّة. ولا شكّ في أنّ الرابطة الروحيّة مهمّة، إلاّ أنها لا تكوِّن بمفردها هويّةَ مجتمعٍ ما.
نَسْمع كثيرًا عن وجود ثقافة إسلاميّة تَحْكم تصرّفاتنا كعرب، ولكنّني لا أعتقد ذلك. نعم، هناك تراثُ الفكر الدينيّ الذي شارك فيه الفرسُ والأتراكُ وشعوبٌ أخرى عديدة. ولكنْ يجب ألاّ نخلطَ بين الفكر الدينيّ والعقيدة المتفرّعة من الفكر الدينيّ، وبين الثقافة التي هي مفهومٌ أوسعُ بكثير: فهذه تعتمد أساسًا على لغة مشتركة بين الناس، وعلى أنماطٍ خاصّةٍ بالمجموعة التي تتشارك اللغةَ، في الهندسة المعماريّة وفي شتّى أنواع الفنون، وفي العادات الاجتماعيّة، وإنْ تشابهتْ تلك العاداتُ في الأعياد الدينيّة الطابع بين العرب وغير العرب من المسلمين. والحقيقة أنّ صياغة منظومة ثقافيّة عربيّة يجب أن ترتكز على توضيح المفاهيم التي نستعملها، وبخاصّةٍ في مجال تحديد هويّتنا. كذلك لا يكفي تجديدُ التراث بمعناه الدينيّ بشكلٍ خاصّ، بل علينا أن نقومَ بقراءة جديدة للتراث، لننطلقَ إلى منظومة فكريّة مبدعة تحرِّر الطاقاتِ الفكريّةَ الكامنةَ لدينا، وتَسْمح لنا بأن نقضي على الاقتصاد الريعيّ لندخلَ عالمَ الإنتاج، ولكي نتمكّن من بناء تضامنٍ بين الأنظمة العربيّة بحيث نصبح مجموعةً محترمةً في النظام الدوليّ، وبحيث نتمكّن عسكريّاً من الدفاع عن أنفسنا مادمنا نتعرّض للغزوات والاحتلالات، من قِبل إسرائيل والدول الغربيّة.
فما فائدةُ الفكر السائد إذا كان يُخفق في تأمين كرامة الإنسان وحرّيته؟! ولذلك علينا أن نغيِّر تقاليدَنا الفكريّة الجامدة لنُطْلق حركةً نهضويّةً جديدةً تَشْمل كلَّ أوجه حياتنا العربيّة المعاصرة.

شكرًا، باسمي وباسم الآداب، يا د. جورج على هذه المقابلة الغنيّة الرائعة.

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف بدون في الجمعة مايو 17, 2013 6:09 am


حرّية التأويل، مفتاح العلمانية في الإسلام

جورج قرم
الحوار المتمدن-العدد: 2964 - 2010 / 4 / 3

حرّية التأويل، مفتاح العلمانية في الإسلام:
اختلاف إشكاليّات العلمانية بين أوروبا والعالم العربي

الفيلسوف إبن رشد - كان له تأثير كبير في الفكر الأوروبي خلال القرون الوسطى


*العلمانية التي ما انفكّت تثير سجالات لم تهدأ في العالم العربي والإسلامي حتّى اليوم، باتت بحاجة ماسّة إلى إعادة نظر، بعيداً عن التبسيط والنمذجة التي لحقت بهذا المفهوم وأضرّت به بشدة. فالنقاشات التي تدور حول العلمانية في الإسلام تنطلق من أداة قياس هي التجربة الأوروبية، ولعلّ هذا أول إشكالات التعاطي مع الأمر. فإذ تحيلنا التجربة الأوروبية إلى حروبٍ دينيّة استمرّت قرونا، فإن الاستقراء الدقيق للتاريخ العربي والإسلامي يشير بوضوح إلى أن القيمة الجوهريّة للعلمانية، ونعني "حريّة الفكر" وما إليها من احترام التنوّع الديني، كانت مزدهرة في التاريخ الإسلامي المبكِّر قبل أن تتبلور في أوروبا بعد قرونٍ من الحروب الدامية*


لماذا تُعتبر المجتمعات الإسلامية غير مؤهّلة لاتّباع نظامٍ علمانيّ كالذي طوّرته ومارسته المجتمعات الأوروبية؟ لنكتفِ بالتذكير بالصعوبات الضخمة التي تمّت مواجهتها خلال تاريخ أوروبا، ومنها الحروب الدينيّة الرهيبة بين الكاثوليك والبروتستانت. ولنذكّر أيضاً بالتاريخ الطويل للمسيحية الأرثوذوكسية، البيزنطية والروسية، وبالعلاقات المعقّدة التي كانت قائمة بين الكنيسة والدولة على مدى قرون، بما فيه خلال الفترة التي أعقبت انهيار الشيوعيّة.
تنتمي الأدوات المفهوميّة التي نستخدمها، للحديث عن الدين والسياسية أو عن الدولة والدين، إلى نموذجٍ خاصّ بأوروبا، وهي علاقات لم تتّخذ طابعاً سلميّاً فعليّاً إلاّ مع بداية القرن العشرين. واستخدامها المباشر والمُفرِط، لتحليل العلاقة بين السلطة والدين في المجتمعات المسلمة، يشوّش في الواقع طبيعة المشاكل الحقيقية التي تخصّ تلك المجتمعات المسلمة.
فالعلمانية لا تعني سوى غياب استغلال السياسة من قبل السلطة الدينية، والعكس أيضاً. وبهذا المعنى، تشكّل العلمانية الركيزة الأساسيّة للحرّية الإنسانية. وبغية تحقيقها، تفرِض هذه الحرّية فصل المؤسّسات السياسية عن المؤسّسات الدينية. لكنّ الإغراء كبير في اللجوء إلى استغلال الدين من قبل السياسة، والعكس، في إدارة المجتمعات. علماً أنّ هذا هو ثمن الحرّية الإنسانية، حتّى تلك التي تُوصي بها النصوص المقدّسة الأساسية والمؤسّسة للديانات السماوية الثلاث.
إن كان الإنسان بحاجة إلى الشعور بما هو مقدّس والتعبير عن روحانيّته، فهو يحتاج بالقدر نفسه لتحكيم عقله وحرّية قراره ، بعكس ما قد تؤكّد عليه بعض المدارس الدينية التي تتذرّع بالقدريّة في الديانات السماوية الثلاث. لكن العلمانية ليست مفهوماً مُطلَقاً يتحقّق على أساس عقيدةٍ موحّدة ونموذجٍ مؤسّساتي محدّد. بل هي خلاصة لتطوّرات تاريخية معقّدة، ككلّ ظاهرةٍ بشريّة. لذا، لا يجب أن نبقى رهينة الخصوصية التاريخيّة للنموذج الأوروبي وتلاوينه المختلفة.

// لم يمكِن لأيّ ملكٍ أو إمبراطورٍ أو أميرٍ الادّعاء بممارسته الحكم دون موافقة البابا
لقد طُبع هذا النموذج في الواقع بالنفوذ التاريخي القويّ للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، الذي شكّل سابقة. فقد نُسخ نظامها عن نظام الإمبراطورية الرومانيّة التي ورثتها، بعدما تسبّبت السلطات البربرية بانهيار المؤسّسات الرومانية في أوروبا الغربية. حينها بدت الكنيسة بمثابة المؤسّسة القادرة على صون إدارة المجتمع والمحافظة على الثقافة والمعرفة. وهذا ما سيكون الوضع عليه على مدى القرون الوسطى.
لقد عزّزت الكنيسة باستمرار سلطتها الموحِّدة، من خلال محاربتها التي لم ترحم، للوثنية، ولليهوديّة ولكافّة أشكال الهرطقات المسيحيّة بالنسبة إلى العقائد التي حدّدتها المجامع الكنسية، والتي كانت تهدّد وحدتها ووحدة المجتمعات التي أخذتها على عاتقها. وإن كانت قد سمحت تدريجيّاً بتطوير سلطاتٍ مدنيّة الطابع، فكانت تُخضع أيّ سلطةٍ خارجةٍ عن سلطتها لمراقبةٍ دقيقة من قبل البيروقراطيّة الضخمة للإكليروس التي تستمدّ سلطتها السياسية الدينيّة من قائد الكنيسة الرومانية. فما من ملكٍ، أو إمبراطور أو أمير أو دوق كان يمكنه الادّعاء في أوروبا الإقطاعية بسط سيطرته على منطقةٍ جغرافية ما، دون موافقة البابا قائد الكنيسة، ودون مراقبةٍ مستمرّة من قبل ممثّليه في المناطق، خصوصاً الأساقفة؛ تلك الشخصيّات التي لعبت دوراً سياسيّاً بارزاً في نظام مراقبة السلطة المدنية لحساب قائد الكنيسة في روما. وما احتفال التتويج الذي يخصّ به البابا أيّ سلطةٍ سياسيّة إلاّ عنصر لا غنى عنه لعمل أيّة سلطة مدنية.
سيستمرّ هذا الوضع إلى حين اندلاع الثورات البروتستانتية المختلفة التي شهدها القرن السادس عشر؛ لكنّه سيظلّ قائماً في الدول التي بقيت كاثوليكية لثلاثة قرونٍ إضافية. ففي بداية القرن التاسع عشر، شعر نابوليون بونابرت بالحاجة إلى تتويج نفسه إمبراطوراً من قبل البابا، في حين أنّ وجود الكنيسة في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، سيظلّ يشكّل عنصراً مهمّاً في الحياة السياسية والاجتماعية، خلال القسم الأكبر من القرن العشرين. لنذكّر هنا بأنّ مسألة العلاقات بين الكنيسة والدولة، في فرنسا، خصوصاً فيما يتعلّق بالنظام التربوي، لم تُحَلّ إلاّ من خلال قانون 1905 الشهير الذي سيثير السجالات حتى طوال القرن العشرين [1].
بدءاً من أوائل القرن السابع عشر، ولّدت الثورات المختلفة التي قامت ضدّ وصاية الكنيسة الرومانية مئة وخمسين سنةً من الحروب الدينيّة المروّعة فتكت بأوروبا. إنّها أولى الحروب الحديثة التي زرعت بذور التوتاليتارية الشموليّة في أوروبا، لأنّها كانت حروب إبادة للآخر، وليست حروب غزوٍ عسكريّ لأراضٍ بغية توسيع نفوذ مملكةٍ أو إمارةٍ ما [2]. فتعصّبٌ غير اعتيادي كان يحرّك الكاثوليك والبروتستانت، على حدٍّ سواء، المصمّمين كلاهما على وضع حدٍّ لوجود الآخر. والعنف الذي اتّسمت به بعض فصول الثورة الفرنسية، لم يكن سوى استعادة لنموذج العنف نفسه الذي ظهر خلال هذه الحروب الدينية.
لم تهدأ تلك الحروب بالكامل إلاّ مع معاهدة وستفاليا (1648) التي أقرّت مبدأ "صاحب الملك هو صاحب الدين cujus regio egios religio" الشهير والمكروه، الذي فرض ديانة الأمير أو الحاكم على كافّة سكان المنطقة التي يحكمها؛ بحيث لم يبقَ أمام معارضي هذا المبدأ سوى مغادرة المنطقة. وخلال هذه الفترة من التاريخ الأوروبي، فرض مفهوم "دين الدولة" نفسه في التنظيم السياسي لأوروبا [3]. ووسط هذا المناخ، أرسى كالفين في جنيف، حيث استحوذ على السلطة، حكماً إرهابيّاً سياسيّاً دينيّاً، يمكن اعتباره أول نظام توتاليتاري حديث ومنظّم رسمياً [4].
لكن فترة الحروب الدينية في أوروبا ستساهم أيضاً، بصورة متناقضة، في تبلور ذهنيّة النهضة Renaissance. فهذه الذهنية هي أيضاً ذهنية التسامح والانفتاح، كما بشّر بها إيراسموس، الشخصية البارزة. وهي أيضاً ذهنيّة تطوّر الفنون والعلوم والعودة إلى الإرث اليوناني الروماني القديم، لتحويله إلى نموذجٍ للمستقبل المفتوح على التقدّم ونشر قيم الكائن البشري كمواطنٍ يتمتّع بكامل حقوقه ضمن حيّز المدينة. لذا كانت الفلسفة الليبرالية لعصر الأنوار قابلة للتفتّح بالكامل في القرن الثامن عشر.
بحسب الشرح الممتاز للمؤرّخ الإنجليزي الكبير، أرنولد توينبي، ستترك أوروبا النقاشات الدينية العقائدية التي ولّدت حروب الدين العنيفة، لتتّجه أكثر فأكثر نحو العلم وتطوير العقل [5]. وسيجسّد الموسوعيّون بالفعل هذه الحركة؛ وكذلك سيفعل فكر مونتيسكيو في فرنسا أو فكر إيمانويل كانط في ألمانيا. فقد حرّر هذا الأخير الأخلاق من الدين، من خلال بذله جهداً مذهلاً في التفكير في قوانينٍ أخلاقية عالميّة، فرديّة وجماعيّة على حدّ سواء.
إنّ النزعة الإنسانية والمواطنيّة العالمية اللتيْن تشكّلان الوجه الأسمى للثقافة الأوروبية، تعبّران جيداً عن هذا الرفض لأيّ تعصّبٍ دينيّ سياسي، وعن الرغبة في تحرير الإنسان من كافّة أشكال القمع وانعدام المساواة الذي لا يرتكز على الكفاءة والعمل الفعّال إجتماعياً. هذا ما سيهدف إليه الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن الذي أنتجته الثورة الفرنسية، والذي لا يزال يُلهِم حتى يومنا تطوّر العالم. فهذا الإعلان الذي ينصّ على حرّية الاعتقاد المطلقة، باعتبارها حقّاً إنسانياً أساسيّاً، يشكّل أيضاً العقد المؤسّس للذهنية العلمانيّة، لأنّه يهدف أيضاً إلى تجنّب أيّ استغلالٍ للدين من قبل السلطة السياسية أو أيّ إخضاعٍ لهذه السلطة من قبل الدين. كما أنّه يحلّ المبدأ المكروه الذي يرغم الرّعايا على اتّباع ديانة أميرهم.
هكذا، لم يتطلب الأمر أقلّ من أربعة عشر قرناً لنشر ذهنية العلمانيّة وقبول التعدّدية الدينيّة داخل حيّز المدينة. وسيتطلّب تطبيقها في أوروبا قرناً آخر. لكنّ المسألة لم تمنع تعرّض اليهود، مرّةً جديدة، في القرن العشرين، وتحت تأثير النظريات العنصريّة للتوتاليتارية الهتلريّة القاتلة، لإبادةٍ وحشيّة بشكلٍ إستثنائي، يُشار إليها اليوم بعبارة الـ"هولوكوست" (المحرقة) الواردة في الكتاب المقدّس.



// تقدّمت النهضة في الإسلام على الانحطاط، وهذا اختلافٌ أساسي مع أوروبا
المسار التاريخي للديانة الإسلامية مختلف تماماً. إذ اتّبعت هذه الأخيرة تطوّراً معاكساً لتطوّر المسيحية. وستتّسم خصوصيّتها أيضاً بتكيّفها مع التركيبات الاجتماعية السياسية التي ورثها الغزاة العرب. إنّها من جهة، تركيبات الإمبراطورية البيزنطية التي كانت مسيطرة على المحيط الشرقي والجنوبي للبحر المتوسط مع ظهور الإسلام، ومن جهةٍ أخرى تركيبات الإمبراطورية الفارسيّة الساسانيّة التي كانت تبسِط سيطرتها على بلاد ما بين النهرين والهضاب الإيرانية العالية. فالأهمّية المعطاة لسلطة الإمبراطور في الشؤون الدينية، كما كانت عليه الحال في بيزنطة، ستولّد الممارسة السنّية للسلطة خلفاً لها؛ في حين سنجد اليوم السلطة الدينية للكهنة الزرادشتيين في الإمبراطورية الساسانية، متمثّلة في نفوذ واستقلالية رجال الدين الشيعة بالنسبة إلى السلطة السياسية.
في كلا الحالتيْن، لا نشهد فقط على عدم وجود كنيسةٍ في الإسلام، تمارس نفوذها على السلطة المدنيّة، بل أيضاً على خضوع الفقهاء والعلماء المسلمين بصورةٍ عامّة للرقابة الوثيقة للسلطة السياسية المدنيّة. لا شك أنّه من واجبات السلطة المدنيّة الحرص على "الأمر بالإحسان والنهي عن المنكر" الإسلامية، وتحقيق العدالة استناداً إلى المعايير والتعاليم التي تمّ تطويرها من خلال النصوص المقدّسة وتأويلاتها، إضافةً إلى النموذج السلوكي الذي تمّ استنباطه من سيرة الرسول (السنّة النبوية). غير أنّ النفوذ المطلق للسلطة المدنيّة يسمح لها بالتحكّم بالفقهاء والقضاة، حرّاس القانون، وتوجيههم. فهؤلاء ليسوا منتظمين أبداً ضمن تركيبةٍ هرميّة قويّة للسلطة. والسلطة المدنية هي التي تعيّن ممثّلي السلطات الدينية، القضاة والشيوخ الذين يشرفون، من خلال الفتاوى، على حسن تطبيق القانون المُستنبط من النصّ القرآني.
ولن تصبح السلطة المنظّمة رسمياً في متناول الإسلام الشيعي الذي كان يتعرّض للمحاربة والتهميش من قبل الإسلام السنّي، سوى مؤخراً، بمناسبة الثورة الدينية الإيرانية في العام 1979، التي شكّلت تجربةً فريدةً من نوعها ومحصورةً جغرافياً بإيران. حيث تمّ إيجاد تسوية من خلال وضع تركيبةٍ دستوريّة توفّق بين المبادىء الحديثة للسيادة الشعبية وانتخاب ممثلين للشعب، إضافةً إلى رئيسٍ للجمهورية يتمّ انتخابه من خلال الاستفتاء العام، وتنظيم مراقبة مؤسّساتية لرجال الدين على هذه السلطة المدنية من خلال نظام "ولاية الفقيه".
بحكم ذلك، ستشكّل القرون الأولى لمسار السلطة، في ظلّ الإمبراطورية الأمويّة، ومن ثمّ خلال القرن الأول للإمبراطورية العباسية، فترةً إستثنائية تتميّز بليبراليّتها في مجال حرّية الفكر وتأويل النصّ القرآني. طبعاً انتفت بالكامل بقايا الوثنية المتركّزة في شبه الجزيرة العربية، في حين أنّ حرّية المعتقد لدى اليهود والمسيحيّين وحتّى الزرادشتيّين في بلاد الفرس، سيتمّ تأكَّيدها بقوة. هذا في حين انتشرت عشرات مدارس تأويل النصّ القرآنيّ والسنّة دون أن يتمّ قمعها من قبل السلطة المدنية [6]. لاحقاً، ستعود هذه الليبرالية التي اختفت في الشرق المسلم، لتظهر في الهند، بلد التعدّدية الدينيّة بامتياز، أثناء بناء إمبراطورية المغول.
على أيّ حال، وخلال العصر الذهبي الأوّل للحضارة الإسلاميّة، لم يكن هنالك من مطاردة للزنادقة، ولا محارق، ولا ثيوقراطية، كتلك التي سينشئها كالفين في جنيف. حتى أنّ الفلسفة ستبدأ بالازدهار، مُستعيدةً الإرث اليوناني ومطوّرةً إيّاه من خلال طرح مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل [7]. هكذا ستشكّل الإمبراطورية العبّاسية التي كانت تُشعّ من بلاد ما بين النهرين والتي أسّست بغداد، لكن أيضاً الأندلس (الأمويّة) في شبه الجزيرة الإيبيرية، نماذجاً لليبراليّة إسلاميّة كبيرة استبقت الليبرالية الأوروبية بعدّة قرون، وشكّلت في الوقت نفسه العصر الذهبي لعلوم الفلك والطبّ وعلوم النباتات والمياه [8]. هنا، تقدّمت النهضة على الانحطاط؛ ما يشكّل اختلافاً أساسياً مع التاريخ الأوروبي. فقد أثار الإسلام، بعد فترةٍ قصيرةٍ على ظهوره، نهضةً مدهشةً في المجتمعات التي أصبح فيها هو الدين المُسيطِر.
أمّا سخرية الأقدار، فتجلّت في أنّ هذا الإرث التمديني الثريّ جداً قد خصّب الفكر الأوروبي وزرع فيه بذور نهضته، في حين شهد الشرق على الخسارة التدريجية لهذا الإرث أو على حدّه بقوّة؛ فمنذ بداية القرن العاشر تمّ الإعلان عن إقفال أبواب التأويل وتجميد العقيدة السنيّة التي أصبحت مهيمنة [9].
ففي تلك الفترة، تمّ الإبقاء رسميّاً فقط على أربع مدارسٍ فقهيّة، لتُشرِف على التأويلات القرآنية، بهدف ممارسة العدالة أو إصدار آراءٍ شرعيّة تتعلّق بقضايا الحياة والمدينة [10]. وهكذا تمّ تجميد العقيدة واعتبار الفكر الفلسفيّ خطراً على الإيمان الديني.
ترافق هذا الإقفال مع سلسلةٍ من الأحداث التاريخيّة الأساسية والمأساوية، كالحروب الصليبية التي استُتبعت فوراً بغزوات المغول، وبالتدمير الكثيف المادّي والاجتماعي الذي تسبّبت به. وأصبحت مؤسّسة الخلافة مجرّد طيف، في حين فرض الغزاة المحرّرون، أي الأتراك السلاجقة، ومن ثمّ العثمانيون، هذا التوحيد القسريّ للعقيدة لمصلحة المذهب السنّيّ، الذي بات منوطاً بمدارس الفقه الأربع هذه. وسيستمرّ الوضع إلى حين استعادة الصلة بالثقافة الأوروبية مع بداية القرن التاسع عشر.
وسيكون للثورة الفرنسية صدى كبير في العالم العثماني، خصوصاً في مقاطعاته العربية. ففي مصر، سُلب الحكم من المماليك الأتراك من قبل محمّد علي، الألبانيّ الأصل هو أيضاً، والذي بادر إلى عملٍ إصلاحيّ مهمّ في المؤسّسات السياسيّة والاجتماعيّة وفي الاقتصاد المصري؛ وقد امتدّت هذه النزعة الإصلاحية إلى لبنان وسوريا اللذين خضعا للسيطرة المصرية لبضعة أعوام (1830-1840)؛ في حين أُرغم السلاطين العثمانيّون في اسطنبول، وبضغطٍ من أوروبا، على الانخراط بدورهم في إصلاحٍ تحديثيّ من خلال ما سمي بـ"التنظيمات".
في المقاطعات العربية، اتّخذت حركة النهضة هذه بُعداً لغويّاً، أدبياً وثقافياً مهمّاً. حيث بدأ الإعجاب بفلسفة عصر الأنوار ومبادىء تحرّر الإنسان، وكذلك المرأة، يتجلّى في أوساط النخب؛ حتى أنّه ظهر لدى العلماء المتخرّجين من جامعة الأزهر الدينية العريقة في مصر [11]. وستحتدم السجالات بين المحافظين والمُحدثين الليبراليين. وسيبدأ القانون الوضعيّ الطابع، المُتسورد من أوروبا، يدخل الحيّز الجزائي والتجاري والقضائي. وستتطوّر الحركة في القرن العشرين، خصوصاً في مصر وسوريا والعراق وتونس، في حين سيفرض مصطفى كمال في تركيا، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وإلغاء الخلافة، نظاماً سياسيّاً ودستوريّاً مرتكزاً على مبادىء العلمانية على الطريقة الأوروبية.
حتى بداية سبعينات القرن الماضي، كانت حركة التحديث الفكري والثقافي، والدستوريّ أيضاً، تتقدّم بخطى كبيرة داخل العالم العربي. وكانت كلّ من مصر وتونس وسوريا والعراق، تمارس، بدرجاتٍ متفاوتة الجرأة، علمانيةً متوسّعةً راحت تثير استياء الأوساط المحافظة التي كانت تعتبِر نفسها وصيّة على العقيدة الإسلاميّة. وقد تأثّرت القومية العربية، التي شهدت أوج ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية، هي أيضاً بمفهوم وضعيّ للأمة، وفق النموذج العلماني الذي لا يتنكّر للدين، لكنّه لا يجعل منه العنصر الأساسي للهويّة الاجتماعية والقوميّة العربية. وقد تجسّد هذ المفهوم حينها في الأحزاب الجماهيريّة، على غرار الحركة الناصرية وحزب البعث في العراق وسوريا [12].
ونحن نعلم بأنّ هزيمة الجيوش العربية في مواجهة إسرائيل، خلال حرب حزيران 1967، ومن ثمّ تصاعد النفوذ النفطيّ والمالي والسياسيّ للمملكة العربية السعودية، قد شكّلا العنصريْن الأساسيّيْن للتداعي السريع جداً للقوميّة العربية ذات الطابع العلمانيّ. فالسعوديّة التي كانت تشكّل القلب النابض للنزعة الدينية المحافظة في المنطقة، منذ نشوء المملكة في العام 1925، قد نشرت وصدّرت العقيدة الوهّابية التي تُقصي الآخر، آخذةً عنوان "الصحوة الإسلامية" في منتصف السبعينات مستغلّةً الأوضاع للاستفادة من الخيبة القومية الشاملة نتيجة الهزيمة التي تكبّدتها الدولتان العربيتان الرائدتان لهذه القوميّة، مصر وسوريا، في مواجهة إسرائيل. وسيخضع العالم العربي، والعالم المسلِم بصورة أشمل، في الفترة السعوديّة، لسياسات ناشطة تقوم على "إعادة أسلمة" المجتمعات، كنذيرٍ للعودة الكبيرة للدين إلى مجمل المجتمعات التوحيدية [13].
منذ ذلك الحين، بدأ إرث النهضة يتداعى تدريجياً. واعتُبرت العلمانية "مؤامرةً" من قبل الغرب، لتجريد المجتمعات المسلمة من ثقافتها وشخصيّتها ولمنعها من استعادة "أصالتها". ومن خلال استعادة الإشكالية الأوروبيّة لأخصام العلمانية، أكّد هذا الإسلام المتصلّب جداً على ضرورة الحفاظ على الدين في كافّة مجالات الحياة في المدينة، وتفسير تطوّر العالم ضمن إطارٍ دينيّ، وبالتالي قذف الحداثة المقرونة بحضارة وقيم المجتمعات الغربية المسيحيّة. فكان العلماء أو المفكّرون الداعون إلى الإسلام يُشبعون سامعيهم باستمرار بأنّه لا يمكن للإسلام إطلاقاً التكيّف مع نظامٍ سياسيّ يفصل الدين عن الدولة، أو الزمني عن الروحي، دون إدراكهم حتّى لولوجهم عالماً ثقافياً وإشكاليّة خاصّة بالسجالات حول العلمانية، شهدتها بالذات الأوساط المسيحية الأوروبية، لا علاقة لها بالمشاكل الاجتماعية السياسيّة للمجتمعات المسلمة.
في تلك الفترة نفسها، جاءت الثورة الدينيّة الإيرانية بنموذجٍ جديدٍ للحكم الإسلامي، يوفّق بين تقليد الإرث الديني الشيعيّ والمبادىء الدستورية الحديثة. مع العلم أنّ هذا النموذج لم يرفض فقط من قبل السلطات الدينيّة السنيّة كافّة، بل حتّى من قبل العديد من أساتذة الفقه ضمن المجتمعات الشيعيّة، بما فيه داخل إيران نفسها.



// في الإسلام، تقضي العلمانية بإعادة حرّية التأويل
إنّ المشكلة الأساسية التي تعاني منها المجتمعات المسلمة ليست إذاً الفصل بين الزمنيّ والدينيّ، أو بين الدولة والدين، بما أنّ الدولة لطالما كانت بين أيدي سلطةٍ وحيدة، يترأسها مدنيّون بصورةٍ حصرية، وهي بالتالي مدنيّة الطابع. بالأحرى تقتصِر الإشكالية الحقيقيّة للعلمانية في الإسلام، على إدراجها ضمن إطارها التاريخي الحقيقيّ (وليس الخيالي) والإرث الثقافي والفكريّ للمجتمعات المسلمة، وفي خوض معركة عامّة للعودة إلى الممارسة القديمة للقرون الذهبية التي شهدتها الحضارة الإسلامية، عندما كانت السلطات تمارس حرّية مطلقة في تأويل النصّ المقدّس، الأمر الذي سمح بالازدهار الاستثنائي للفنون والآداب والعلوم والفلسفة.
فعوضاً عن استخدام مفاهيم وأفكار الإشكاليّة العلمانيّة الأوروبيّة، على المفكّرين في العالم العربي، والعالم المسلم بصورةٍ أشمل، المطالبة بالعودة إلى إرث الحرّية الفكرية الذي شكّل فيما مضى عظمة المدينة المسلمة؛ وعليهم المطالبة بإعادة فتح أبواب الفقه والتأسيس لحرّية التأويل في النصّ المقدّس، التي تشكّل مسألةً أساسيةّ وأوّليّة لتنمية حرّية الفكر في نطاقها الواسع. وضمن الإطار الإسلاميّ اليوم، يمرّ المنفذ إلى الحرّيات السياسية، أوّلاً وأساساً، بهذه الحريّة الأوليّة والأساسية التي أسّسها العالم المسلم في الماضي، والتي لم تكُن موجودة على الإطلاق في أوروبا المسيحية أو في الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية.
إنّ دولة القانون، وحقوق الإنسان، وصون كرامة كلّ كائنٍ بشريّ، هي أيضاً مفاهيمٌ دُمِجَت بثقافة النهضة العربية الحديثة. لكن هذه المفاهيم قد فقدت معناها تحت تأثير "الصحوة الإسلامية" المحافظة والسلطويّة [14]. تجدر إذاً المطالبة بإصرار بحرّية التأويل، التي تشكّل الشرط الأوّلي لتفكيك أواصر السلطويّة السياسية والامتثالية الفكريّة المتصلّبة والمعقِّمة السائدة منذ نصف قرن.
إنّه النضال الأكثر بسالةً، وحتى الأكثر خطورةً وسط المناخ السائد؛ ذاك الذي يقضي بالمطالبة بإعادة التأسيس لحرّية التفكير، ضمن إطار الوحي القرآنيّ نفسه. وقد دفع البعض حياتهم ثمن ذلك [15] أو اضطرّوا للعيش في المنفى [16]. وخلال السجالات والمناظرات التي هزّت عصر النهضة العربية حول هذا الموضوع، غالباً ما كان الأزهريّون أكثر شجاعةً من العلمانيّين أنفسهم، الذين نأوا عن ساحة المعركة أو تخلّوا عنها بالكامل، بما فيه خلال العصر الذهبي للقوميّة العربيّة العلمانيّة.
ومن المهمّ هنا التذكير بأنّ القرآن الكريم نفسه قد تحدّث مرّات عدّة عن التنوّع البشري الذي يريده الله، والذي يجب بالتالي احترامه. حتّى أنّ هنالك آيةً تقول بوضوحٍ تام أنّه: "لا إكراه في الدين"، كما أنّ هنالك عدداً كبيراً من الآيات الأخرى التي تفرِض إجراء مناقشات لاهوتيّة مع المسيحيّين أو اليهود، بروحيّةٍ من التسامح والتهذيب [17].
في المقابل، إنّ الثقل الذي لا ينتهي، ودوران السجالات حول الإسلام التي تشهدها أوروبا والولايات المتحدة في دوائر مفرغة، عدا عن العقيدة الواهنة للتصادم المزعوم بين الحضارات والردود على هذه العقيدة من خلال الدعوة إلى حوار الحضارات والثقافات والأديان، تشكّل كلّها عناصر إضافية في التشنّج الانتمائي الذي تشهده المجتمعات الإسلامية، والذي تستفيد منه السلطات الدكتاتورية المتواجدة على تلك المجتمعات [18]. فهي تشلّ أيّ فكرٍ مُحدثٍ ونقديّ، وتجمّد كافّة الأفرقاء في مواقفٍ دفاعيّة اعتذاريّة، وتغذّي أيضاً ترسّخ إشكالية العلمنة الخاصّة بتاريخ المسيحية الأوروبية في جميع السجالات حول الإسلام.
آن الأوان للنضال من أجل إرساء المعنى العميق لمفهوم "العلمنة"، كعنصرٍ أساسيّ في حرّية كلّ وعيٍ بشريّ [19]. وأيّ شكلٍ آخر من النضال ليس في محلّه ويشكّل انحرافاً لا جدوى منه.



(*) أستاذ في جامعة القديس يوسف - بيروت. وزير المالية اللبناني الأسبق، استشاري إقتصاديّ وماليّ – المقال عن المطبوعة العربية لمجلة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية.

// هوامش:

[1] Mona OUZOF, L’Ecole, l’Eglise et la République (1871-1914), Editions Cana/Jean Offredo, Paris, 1982.
[2] حول هذا الموضوع، الاطّلاع على كتابنا: La question religieuse au XXIè siècle. Géopolitique et crise de la postmodernité, La Découverte, Paris, 2006.
[3] من العبث ربط دولةٍ ما، بصفتها نظامٍ للسلطة البيروقراطية، بديانةٍ ما، أيّاً كانت. فقد تلعب دوراً في الحرص على حسن تطبيق الأخلاق والقيم، وحتّى القوانين المنبثقة من الدين، ولكن لا يمكنها اتّخاذ صفةٍ دينيّة إلاّ في حال ترأسها رجال دين، كما كانت الحال عليه بالنسبة إلى الحكومات الدينية، النادرة جداً في التاريخ. وهذا المفهوم هو، ببساطة، نتيجة حروب الأديان في أوروبا. وقد أدّت الحداثة الأوروبية إلى اعتماد هذا المفهوم في دساتير كافة الدول المسلمة.
[4] الاطّلاع على كتاب: Stephen ZWEIG, Conscience contre violence ou Castellion contre Calvin, Paris, Le Castor Astral, 1997 (الذي تُرجم الى الألمانية في العام 1935)، وهو قصة رائعة عن دكتاتورية كالفين في جنيف، للروائي الذي يعتبرها صواباً التجربة الأوروبية الأولى للتوتاليتارية، ضمن إطار تصاعد النازية.
[5] Arnold TOYNBEE, La Religion vue par un historien, Gallimard, Paris, 1963 (pp. 205-206)
[6] يشهد على ذلك الكتاب الشهير لمحمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، "كتاب الملل والنحل" (الذي قدّمه وترجمه جان كلود فيرنيه لدى منشورات Geuthner باريس في العام 1984، والذي يصف كافّة مدارس التأويل هذه. يعتبرها المترجِم "هرطقات"، الأمر الذي يشكّل بالطبع تفسيراً لا معنى له ضمن الإطار التاريخي المسلم في فترة ما قبل إقفال أبواب التأويل. ويظهر ذلك الترسّخ القوي للإشكاليات المسيحية في تحليل المجتمعات المسلمة. يمكن أيضاً الاطّلاع على كتاب: Henri LAOUST, Les schismes dans l’Islam. Introduction à une étude de la religion musulmane, Payot, Paris, 1965 (يستخدم الكاتب كلمة "الشرخ" (schisme) نسبة إلى التيّار السنّي السائد في فقه القرآن والسيرة النبويّة، وقد أصبح هذا الفقه مُسيطراً ومُهيمناً منذ إنشاء السلطة العثمانية).
[7] الاطلاع على كتب:Alain DE LIBERA, Penser au Moyen Âge, Seuil, Paris, 1991 و Kurt FLASCH, Introduction à la philosophie médiévale, Flammarion, Paris, 1992 . إضافة الى السيرة الذاتية للفيلسوف الشهير والعالم المسلم إبن رشد الذي كان له تأثير كبير في الفكر الأوروبي خلال القرون الوسطى، والتي وضعها دومينيك أورفوي: Averroès. Les ambitions d’un intellectuel musulman, Flammarion, Paris, 1998. وإقرأ: باتريك مكربنة وهوا هوي فونغ: "هل فضح سرّ المعرّي؟، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربيّة، كانون الأوّل/ديسمبر 2009، http://www.mondiploar.com/article.p...
[8] هذا لم يمنع السجالات اللاهوتية السياسية داخل السلطة من اتّخاذ منحى عنيف، كما كانت الحال عليه بالنسبة إلى الخصومة بين مختلف فروع عائلات مكّة الكبرى التي خرج منها النبي، والتي أدّت إلى المواجهة بين أنصار الخليفة علي ابن أبي طالب وأنصار معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي، والتي ستكرّس الاختلافات بين الشيعة والسنّة؛ أو حتّى الخلاف حول منزلة القرآن بين المعتزلة (أنصار تاريخية النصّ القرآني ومقاربته بالعقل) والمحافظين المؤيّدين لقراءة حرفية للنصّ الذي يعتبرونه مُنزلاً لأنّه من صنيع الله.
[9] لكن يجب ألاّ ننسى أنّ إنشاء جامعة الأزهر في القاهرة قد جاء خلال الحقبة الفاطمية، وهي خلافة شيعية.
[10] إنّها المذاهب الحنبليةّ والمالكية والشافعية والحنفيّة، التي تحمل كلّ منها إسم مؤسّسها. وهي تدّعي انتماءها للسنّة وتُعتبر جميعها شرعية، وتُطبّق في مختلف أنحاء العالم المسلم. في حين لا تزال الشيعيّة حتى يومنا هذا تسمح بتعدّدية الآراء الدينية التي تصدرها المرجعيات الدينية، المقيمة في مراكز التعليم الشيعية الكبرى مثل "قم" في إيران أو النجف في العراق أو في لبنان.
[11] يمكن مراجعة كتاب ألبرت حوراني الكلاسيكي حول الموضوعArabic Tought in the Liberal Age, 1798-1939, Oxford University Press, Londres, 1967.
[12] Georges CORM, Le Proche-Orient éclaté 1956-2007, Gallimard, Folio/histoire, Paris, 2007.
[13] المرجع السابق وGeorges Corm, La question religieuse … op. cit.
[14] إن ممارسات الدول الغربية في قضايا حقوق الإنسان، من الكيل بمكيالين إلى العقوبات الدولية غير المسؤولة ضد التجاوزات التي تحصل في الشرق الأوسط، قد ساهمت كثيراً في إفقاد مبدأ الديموقراطية الأساسي مصداقيته. حيث يصار إلى التغاضي عن الأنظمة السياسية "الصديقة" للغرب وأولها اسرائيل بينما تتعرض الانظمة التي لا توالي المصالح الغربية في سياستاها الاقليمية لحملات إعلامية عدائية مكثّفة.
[15] خصوصاً محمود طه الواعظ المستنير والمحدث في السودان، والذي حكم عليه بالعدام شنقاً في ظل حكم النميري، أو فرج فوده الذي اغتيل في مصر على يد مجموعةٍ إسلامية متطرفة. حول محمود طه وغيره من المفكرين الاسلاميين الذين مارسوا حرية التأويل للنصّ القرآني وفككوا بعض المفاهيم اللاحقة للقرآن وهي من تطوير علماء الشريعة في ظروفٍ تاريخية وصراعات محدّدة على السلطة، راجع Ziad HAFEZ, Vers une refondation de la pensée religieuse musulmane: quatre penseurs arabes d’aujourd’hui, en cours de parution aux éditions Actes Sud/Sindbad, Paris.
[16] هذه حال نصر حامد أبو زيد الأستاذ في جامعة القاهرة والذي منعت مؤلّفاته وأصدر بعض رجال الدين بحقّه فتاوى بالقتل فعاش في المنفى الهولندي. دون ذكر الإرهاب الذي تمارسه هذه الأفعال على مثقّفين آخرين يمارسون الفكر الديني النقدي. راجع Ziad HAFEZ, Vers une refondation …, op. cit. . نلاحظ بأنّ المفكرين الذين يمارسون الفكر النقدي من داخل التراث الإسلامي نفسه ومن ضمن منطقه التاريخي نفسه هم الذين يتعرضون غالباً للهجمات الأكثر شراسةً، وحتّى إلى الاعتداءات الجسدية وصولاً إلى الاغتيال.
[17] Georges CORM, Histoire du pluralisme religieux …., op. cit.
[18] Georges CORM, Orient-Occident, La fracture imaginaire, La Découverte, Paris, 2002 et L’Europe et le mythe de l’Occident. La construction d’une histoire, La Découverte, Paris, 2009.
[19] راجع مفهوم "علمنة العلمانية" الذي حدّدناه داخل منطق النصوص المقدّسة المسيحية والإسلامية في مقال صدر في جريدة "النهار" اللبنانية عام 1985 واستعدناه في كتابنا: "لبنان المعاصر. تاريخ ومجتمع"، المكتبة الشرقية، بيروت 2004؛ وقد طوّرنا هذا المفهوم في كتاب Orient-Occident…, op. cit. حيث أشرنا إلى "العلمنة الخادعة"، أي تلك التي تعتمد فقط على واقع مؤسساتي صوريّ، في حين تبقى النظرة الحقيقيّة إلى العالم مضبوطة بالإيمان باعتلاء دينٍ أو حضارة على الآخرين، وهذا ليس من العلمانية بشيء.

emad77

عدد المساهمات : 2029
تاريخ التسجيل : 29/05/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف emad77 في الخميس مارس 06, 2014 9:15 pm


hacewan

عدد المساهمات : 178
تاريخ التسجيل : 12/10/2013

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف hacewan في السبت مارس 08, 2014 9:39 am

شكرا جزيلا لك استاذ علي

احمد مصرى

عدد المساهمات : 100
تاريخ التسجيل : 10/10/2013

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف احمد مصرى في السبت مايو 03, 2014 2:00 pm


bigpapa2012

عدد المساهمات : 59
تاريخ التسجيل : 01/12/2012

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف bigpapa2012 في الأحد أكتوبر 12, 2014 10:09 pm

مشكور جدا

علي مولا.
باحث عن المعرفة

عدد المساهمات : 1004
تاريخ التسجيل : 20/12/2009
الموقع : هنغاريا

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف علي مولا. في السبت يونيو 27, 2015 8:31 am


حمدي المنياوي

عدد المساهمات : 1500
تاريخ التسجيل : 16/06/2010

رد: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب - جورج قرم .

مُساهمة من طرف حمدي المنياوي في الأربعاء مارس 09, 2016 1:35 am

تم التعديل

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 3:45 am