مكتبة


خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

شاطر

شكري

عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 11/05/2010
الموقع : كي اش اتش

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف شكري في الإثنين أبريل 25, 2011 4:14 am

:112233123:

????
زائر

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف ???? في الإثنين أبريل 25, 2011 4:30 am

رائع ياخ ي وارجو ان تتموا فضلكم علينا باعمال غائب طعمة فرمان كلها

mohmad

عدد المساهمات : 263
تاريخ التسجيل : 25/09/2010

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف mohmad في الإثنين أبريل 25, 2011 3:30 pm

شكراااا لكم

ghandi

عدد المساهمات : 630
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف ghandi في الإثنين أبريل 25, 2011 10:51 pm


????
زائر

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف ???? في الثلاثاء أبريل 26, 2011 6:25 am


خالد الشيخ

عدد المساهمات : 427
تاريخ التسجيل : 02/02/2011

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف خالد الشيخ في السبت مايو 07, 2011 7:53 am

لأول مرة أشتاق الى قراءة نصوص الشعرية أو الروايات للكاتب املنفي غائب طعمة فرمان، لذلك لايسعني إلا أن أشكركم الى هذا العمل الرائع.

khaled.24

عدد المساهمات : 277
تاريخ التسجيل : 12/01/2011

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف khaled.24 في السبت مايو 07, 2011 9:29 am


naseefrs

عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 19/06/2011

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف naseefrs في السبت يوليو 02, 2011 11:49 pm

شكراً جزيلاً

kadir8691

عدد المساهمات : 236
تاريخ التسجيل : 23/12/2010

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف kadir8691 في الأحد يوليو 03, 2011 6:02 am

merci frere

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف بدون في الإثنين مايو 20, 2013 2:49 am

الدكتور زهير ياسين شليبه

حوار قديم مع الأديب الراحل غائب طعمه فرمان




حول هذا الحوار:
منذ نهاية عام 1981 أخذت التقي بكاتبنا العزيز غائب طعمه فرمان باستمرار، وكنت أحاول في هذه اللقاءات "الاصطياد بالماء العكر" كما يقال فاطرح له أسئلة فيها نوع من الاستفزاز رغبة مني في الحصول منه على أجوبة شافيه. وكان من الصعب على أن أحصل على ما في روح هذا الكاتب الصموت لاسيما وأن الأسئلة الموجهة تختلف كثيرا عن أسئلة الصحفيين التي يطرحونها له في المقالات الصحفية الكثيرة جدا. غائب طعمه فرمان يضيق ذرعا من الأحاديث الطويلة، وخاصة الأحاديث التي تتناول أعماله بالذات، ولهذا كنت أعطى لنفسي وقتا قليلا للغاية لتحقيق "مآربي"، واكرس الوقت الأكبر للأحاديث أيضا إن حصلت إجابة على استفسار معين أطرحه على غائب طعمه فرمان "بالاقساط"!!، فكنت أسجل "دفعات" الإجابة وأجمعها لتكون جوابا كاملا يعكس رأي الكاتب فعلا.

قبل فترة قصيرة سجلت بعض هذه الأحاديث مع فرمان، وقررت أن أطلعه على "حصاد" جلساتنا. تركته يقرا الحوار، وعندما رجعت قال لي وهو ينظر إلى بعينين ضاحكين:
- متى كان هذا؟ هل صحيح أنا حدثتك بكل هذه الأمور؟ أنت الظاهر استدرجتني في جلسات السمر.
فقلت له:
- طيب المهم أنا عندى نية نشرها فما هو رأيك؟
- أنا شخصيا لا مانع لدي.
وهكذا قررت نشرها لإطلاع القراء العرب على جوانب من أعمال غائب طعمه فرمان، وسنقوم في مرة أخرى بإعداد مادة أخرى من هذا الطراز.
- أرجو أن تحدثنا عن مطالعتك الأولى
أذكر إني قرأت رواية "في روسيا" أو "في الناس" أو "بين الناس" لمكسيم غوركي. وأنا طبعا لا أذكر بالضبط عناوين هذه الكتب، واعتقد أن مترجمها هو عبد المجيد المويلحي، بل قد يكون اسمه المليجي. كذلك أذكر أني قرأت "أهوال الاستبداد" لالكسى تولستوى، وهي ترجمة لروايته "بطرس الأول". وأنا تأثرت بهذه الكتب، وما زالت انطباعاتي الأولى عنها باقية حتى الآن في ذاكرتي.
- بمناسبة الحديث عن مكسيم غوركي هل لك أن تحدثنا عن تأثيرأعماله عليكم.
اعتقد أن مكسيم غوركي أثر تأثيرا كبيرا عليّ لأسباب ثلاثة:
أولاً أن الكتب التي يقرأها الإنسان في بداية حياته المبكرة تبقى عالقة في الذاكرة، وتصمد الانطباعات المتكونة عنها أمام النسيان. ثانيا: أن مكسيم غوركي طرح عالما جديدا بالنسبة للحياة القديمة التي كنا نألفها. مكسيم غوركي قدم لنا أمثلة نموذجية أخرى من نوع آخر، إضافة إلى عظمته الأسلوبية. أقصد عظمة لغته، وأسلوبه المليء بالتشابية، وتعابيره التي كانت جديدة بالنسبة لنا. كذلك يجب ألا ننسى ذخيرته العميقة، ومعرفته القوية بالحياة، ولهذا يحركك غوركي عندما يتحدث عن شخصية معينة، وتحس بحب كبير لها، وتتعاطف معها، ذلك لأن شخصياته مستمدة من الواقع، يأخذها من المجتمع الذي عرف كل تفصيلاته. غوركي لا يلفق بأعماله وهذا سر نجاحه.
إنه يجمع ماده دقيقة وكبيرة عن المجتمع والناس ويبني على هذه المادة ما يريد أن يقدمه من الشخصيات الاجتماعية في أعماله الأدبية. اعتقد أن التأثير برز من هذا المنطلق.
- لابد أنك أعدت قراءة مكسيم غوركي فما هي الانطباعات الجديدة؟
أعتقد أن مجموعتي الأولى "حصيد الرحى"، تتجسد فيها تأثيرات غوركي، تأثيرات مباشرة من أعمال غوركي.. أقصد تأثير غوركي من حيث اختيار الشرائح الاجتماعية والمادة الحياتية. والتأثير واضح من حيث الموضوعات التي تطرقت إليها في قصص هذه المجموعة. حتى أسلوب "حصيد الرحى" في التعبير، والوصف والتشبيهات، فيه الكثير من أسلوب غوركي.. من الممكن ملاحظة تشابيه ومقارنات وعبارات معينه في "حصيد الرحى" تشبه كثيرا مقارنات غوركي. مكسيم غوركي يفرط باستخدام التشابية، ويفرط بالأسلوب، الذي يحاول فيه أن يرتفع إلى مستوى رفيع جدا، مكسيم غوركي متمكن من اللغة الأدبية وأنا الآن أنظر إلى مسألة تأثير مكسيم غوركي بطريقة أخرى، أو بالأحرى من زاوية أخرى.. فأنا الآن – أقصد بعد فترة الشباب المبكرة – أهتم بصنعة غوركي الأدبية الإبداعية، الصنعة بمعناها العربي، أقصد بالصنعة الأستاذية، وفيها نوع من التكلّف والاهتمام والدقة والجديه والحذاقه اللغوية والتشابيه الحياتية التي استنبطها من تجاربه الشخصية الخاصة به، من تجواله في روسيا ومعايشته لأهلها وطبيعتها.
- هناك رأى مفاده أن ثقافة الخمسينات كانت محدودة، وأن تكنيك القصة آنذاك كان ضعيفا. هل يمكن أن تحدثنا عن مدى دقة هذا الرأى باعتبارك واحدا من أبرز كتاب الخمسينات؟
في أوائل الخمسينات، أقصد حتى 1953 تقريبا، كانت المعلومات في العراق عن تكنيك القصه بشكل عام والقصة القصيرة بالذات قليلة جدا. وأحب أن أؤكد لك في هذه المناسبة أن سنة واحدة كفترة زمنية كانت تلعب دورا كبيرا في تطور الثقافة والأدب والحياة بشكل عام والقصة بشكل خاص. أقصد أن أعوام ما بعد الـ1953 شهدت تطورات كبيرة في مفاهيمنا الأدبية، وفي الطرق الإبداعية، وأخيرا في تبلور شخصياتنا. فمثلا أن السياب تطور بقفزات كبيرة، فهو يختلف كثيرا عن سياب بداية الخمسينات ومنتصفها. قصيدته "أنشودة المطر" التي كتبها عام 1953، حصل بعد نشرها على شهرة كبيرة، وكانت حالتنا كما لو كنا نتبارى مع بعض. كان يتملكنا شعور الانبهار والدهشة.. الانبهار أمام شيء جديد، مثلا "امرأة من روما" اندهشنا بها، لأنها تطرح قضية اجتماعية كبيرة من خلال امرأة مومس. خذ مثلا كتاب "الخبز والنبيذ" للكاتب الإيطالي اينازيو سيلوني، الذي قرأته باللغة الإنكليزية، وهو عمل روائي بطله قس، كنت معجبًا به للغاية، كنت معجبًا بأعمال هذا الكاتب الإيطالي المعادي للفاشيه.
- قرأت في الصفحة الثانية من غلاف مسرحية "موت بائع جوال" للكاتب الأمريكي آرثر ميلر([1]) الإعلان التالي
"فونتمارا: قصة صراع الشعب الإيطالي المرير ضد الفاشية والإرهاب والاستبداد: بقلم اينازى سيلوني – تعريب غائب طعمه فرمان. مقدمه بقلم الدكتور عبد العظيم أنيس". هلا حدثتنا عن "قصة" هذا الإعلان، وعن تأثير هذه الرواية على أعمالك، وبالذات على روايتك الأولى "النخلة والجيران"؟.
فعلا أنا ترجمت رواية "فرنتمارا" إلى العربية، وكان ذلك في عام 1956 في مصر، وأعطيت النسخة المترجمة الأولى والوحيدة لدار "المكتب الدولي للنشر والتوزيع"، الذي نشر الإعلان المذكور، ومن المؤسف حقا أنني فقدت النسخة المترجمة، ولم احتفظ بنسخة أخرى، في الحقيقة لا اذكر كيف فقدتها، وصدرت فيما بعد بترجمة عيسى الناعوري(*)، عن الإيطاليه، بينما أنا ترجمتها عن الإنكليزية. كما سبق وأن ذكرت لك في هذا اللقاء بأني كنت معجبا بأعمال إينازى سيلوني، وتأثرت كثيرا بروايته "فونتمارا"، وقد انعكس هذا التأثير في روايتى الأولى "النخلة والجيران". كتب اينازى سيلوني "فونتمارا" بلغة مليئة بالعبارات الشعبية المحلية. أن أجواء هذه الراية لا تختلف كثيرا عن أجواء رواية "النخلة والجيران"، ما عدا أن الأخيرة كتبت عن أحداث كانت تدور في المدينة وأزقتها، بينما أحداث الأولى مأخوذة من الريف، من قرية إيطالية، أما أنا فقد كتبت عن أحداث دارت في بغداد. واتسمت أعمال اينازى سيلونى بموضوعة العداء للفاشية، وله رواية أخرى غير "فونتمارا" و"الخبز والنبيذ"، لا أذكر عنوانها الآن ولكنها هي ايضاً عن الدكتاتورية. وبالمناسبة أن "فونتمارا" تعتبر من الأعمال الأولى، التي كتبها سيلوني.
أبطال "فونتمارا" بسطاء وأنا أحببتهم وتأثرت بهم، بشكل خاص بشخصية الطالب المزمن، ذلك الإنسان البسيط والطيب ولكنه فاشل، فيه شبه كبير لشخصية حسين بطل "النخلة والجيران" فهوأيضاً طالب مزمن. أنا مازلت حتى الآن أذكر الكثير من تفصيلات مضمون هذه الرواية، وصفات شخصياتها وما عانوه من آلام ومتاعب كثيرة من أجل الحصول على لقمة العيش. أنا لا ارفض تأثير أحد الكتاب على وخاصة إذا كان من أولئك الكتاب الذين أحبهم سواء كانوا من الأجانب، أو من العرب، إلا أني أرفض الآراء التعسفية، التي يطلقها أحيانا بعض النقاد. من ذلك أن أحدهم أخبرني بأن روايتي "ظلال على النافذة" متأثرة "بالصخب والعنف"، فقلت له: أذهلتني برأيك هذا لأنك ذكرت هذا الرأي، عفارم عليك، إلا أنني عندما راجعت نفسي وسألتها: هل من المعقول أن تكون "ظلال على النافذة" الرواية العراقية الصميمة شبيهة بـ"الصخب والعنف"؟. وأخيرا توصلت إلى عدم وجود أوجه شبه بين هاتين الروايتين، لا بالأسلوب ولا بالشخصيات ولا بالأفكار، فـ"ظلال على النافذة" لا تشبه إطلاقا "الصخب والعنف".
أنا قرأت "الصخب والعنف" قبل نقلها إلى العربية، وقرأت كل أعمال فولكنر باللغة الإنكليزية، ولا يعجبني عالمه لأنه ليس قريبا روحيا من شخصيتي، لا أنكر إعجابي بأسلوبه وتكنيكه، ومع ذلك كنت أقرأه على مضض، لمجرد الإطلاع، هذا هو هدفي الوحيد من قرائته. طبعا أنا لا أنفي اللحظات الإنسانية الموجودة في أعمال فولكنر، ولكن أنفي الاستيعاب للجو العام، أنفي معرفته الدقيقة لشخصيات واقعية، حقيقية عاشت في الجنوب. فولكنر ذو أسلوب خاص به، ولهذا يمكن أن نقول: هذا أسلوب فولكنر، وهو واحد من كتاب عديدين قرأت أعمالهم ولم أتأثر بها، لا يعجبني أن أقلد أسلوبهم. قد أكون تأثرت بطريقة فولكنر في بناء الرواية وتكنيكها.
- كيف تنظر إلى الفكرالوجودي؟([2])
في تلك الفترة كان من الصعب الاعتقاد بأن كاتبا عراقيا يكتب عن عوالم الوجودية. كتاب "دروب الحرية" لجان بول سارتر مثلا لم يكن مترجمًا إلى العربية، وأنا قرأته آنذاك بكامل أجزائه الثلاثة باللغة الإنكليزية، وبلا شك أن الكاتب العراقي الموهوب وصديقي فؤاد التكرلي قرأها أيضا، ولكن السؤال الذي فاجأني هو: هل يفكر فؤاد التكرلي بنفس طريقة تفكير سارترو يتأثر به. هذا ما كنت أريد أن أقوله في معرض حديثي عن مجموعة فؤاد التكرلي "الوجه الآخر"، الذي قرأت لي مقطعا منه الآن.
- كثيرا ما نسمع في اللقاءات الشخصية والصحفية معك عن حبك الكبير للكاتب العربي المعروف نجيب محفوظ. أرجو أن تحدثنا عن تأثير محفوظ عليك.
أنا فعلا معجب بنجيب محفوظ شخصًا وصديقًا وكاتبًا، ولاأزال أذكر لقاءاتنا في مقهى الأوبرا في القاهرة، وأنا معجب بأعماله، ولكن ليس بالضرورة أن أكون قد تأثرت به، بل وقلدته كما ذهب بعيدا بعض النقاد العراقيين. كتبت "النخلة والجيران" وكنت أعيش أجوائها العراقية والبغدادية الصميمه، ولم أتذكر عند كتابتي هذه الرواية أي عمل أدبي آخر. حين يأتي ناقد ويطرح رأى مفاده أن "النخلة والجيران" تشبه كثيرا بتفصيلاتها رواية "زقاق المدق" فأنا أرفض هذا الرأى رفضا قاطعا، لأن كل ما في "النخلة والجيران" عراقي أصيل بدون تزوير، لا بسمات الشخصيات، ولا بتصرفاتها، ولا بلغتها. وقد أشار الدكتور علي الراعي في مقالته الأخيرة عن "النخلة والجيران" إلى هذه المسألة، ولم يتطرق حتى إلى موضوع شبهها برواية "زقاق المدق" أو رواية أخرى. الطريف أن أحد المستعربين السوفييت هنا ذكر في إحدى مقالاته بأن نجيب محفوظ كتب "ميرامار" تأثرا منه بروايتي "خمسة أصوات" وهذا غير صحيح إطلاقا لأن "خمسة أصوات" صدرت بنفس العام الذي صدرت فيه "ميرامار" فتصور!!
وهناك رأى آخر مفاده أن روايتي "القربان" متأثرة برواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"، وهذا الرأى هو أيضا لا يخرج عن دائرة الآراء التعسفية، لأنه يلغي كل التجارب الشخصية للكتاب، ويلغي حضور الشخصيات العراقية البحته والتقاليد. هذا ظلم صارخ، إذ لمجرد لمس أوجه شبه بين هذه الرواية أو تلك ترى النقاد يصرخون: إنها متأثرة برواية فلان بن فلان. كنت أرغب في "القربان" تصوير مرحله معينة من مراحل العراق، أما "أولاد حارتنا" فإن نجيب محفوظ يصور أجيال الأنبياء. الرمز موجود في أي أدب بكثرة. من غير المعقول أن يتخلى الناقد عن كل تفصيلات الحياة العراقية في "القربان" ويقول إنها متأثرة بـ"أولاد حارتنا". أنا شخصيا لا أجد أوجه شبه بينهما، واعتقد أن هذا تجني. في "القربان" يتجسد الشعب العراقي بشخصية مظلومة البطلة الرئيسية للرواية، وأن كل الناس يتحدثون عن هموم الشعب العراقي، ولكنه يبقى مظلوما في كل الفترات، حتى جاء شخص أبله، غبي وقال: إنني أستطيع أن أحل المشكلة المستعصية بتغيير الاسم، فبدلا من مظلومة نسميها مسعودة.
- أنا اعتقد أن الشكل الاليجوري([3]) الاستعاري المجازى الذي اتخذته في كتابة "القربان" هو نفس الشكل الذي اعتمد عليه نجيب محفوظ في "ميرامار"، مع ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار أن الأولى طرحت الواقع العراقي لا من خلال السياسة فقط، بل من خلال الواقع الاجتماعي المعاش، بينما طرحت الثانية واجهات سياسية تعبر عنها شخصيات الرواية. "القربان تطرح الحياة العراقية وهي في الشوارع والمقاهي"، بينما "ميرامار" تعيش حياة الفندق ولهذا فهي تخلو من أهم سمات النوع الروائي ألا وهو كشف الواقع. هل تحدثنا عن سبب اختيارك لهذا الشكل؟
في الحقيقة أنا لا أتذكر "ميرامار" الآن ولا عند كتابتي "القربان"، أما عن سبب اختياري لهذا الشكل الذي اسميته بالاليجوريا، أو الرمز المجازي فهو يكمن بتجنب مشاكل الرقابه.
- هل لك أن تحدثنا عن محمود أحمد السيد وأنور شاؤول وذو النون أيوب؟
اعتقد أني قرأت ذو النون أيوب أكثر من غيره، وهو كان يدرسنا مادة الجبر في المدرسة المتوسطة التي كنت أدرس فيها. ثم تعرفت عليه وعرفني هو ككاتب، وأخذنا نتبادل الآراء عن مختلف المسائل. أما محمود أحمد السيد وأنور شاؤول فلم أقرأ لهما شيئا يذكر لعدم توفر كتب الأول في العراق، أما الثاني فلا أذكر أني احتفظت بكتاب له. لا أذكر له أي عمل. في تلك الفترة تأثرت فقط بأعمال ذو النون أيوب، ثم تخليت عنه قبل إصدار "حصيد الرحى".
- هل لك أن تحدثنا عن البداية؟ هل بدأت بمقال صحفي أم بقصة أو قصيدة شعرية؟
أذكر أني كتبت أول مقالة لي في عام 1942 باسم مستعار في باب بعنوان "منبر الشعب" في جريدة "الشعب". مازلت أذكر ذلك اليوم، وكان من أسعد الأيام بالنسبة لي، لا لأنه أحد ايام العيد، بل لأن مقالتي نشرت يومها وفرحت بها فرحا كبيرا، وهي في الحقيقة خاطرة أكثر مما هو مقاله. وأذكر لحد الآن أنني ذهبت إلى زميل لي من محلتنا، وكنت فخورا وسعيدا وأردت أن احتفل بهذه المناسبة رغم أن ملابسي كانت عتيقة.
- كيف انتقلت من المقال إلى القصة؟
أعتقد أن لغة هذه المقالة التي حدثتك عنها كانت قصصية، كنت أفكر بصورة قصصية، أو بلمحة قصصية. ويبدو أن أول قصة كتبتها تعود إلى عام 1946 أو عام 1945، ونشرتها في إحدى المجلات العربية الصادرة آنذاك في القدس، أي قبل ذهابي إلى مصر عام 1947. ولا أعرف فيما إذا سبق وأن نشر قاص عراقي غيري في هذه المجلة أو لا. أما الشعر فلي أيضًا قصه معه، لكنها قصه ليست طويلة.
نشرت قصيدة شعرية، بل أكثر من قصيدة واحدة في صحيفة "الشعب" العراقية و"السياسة" و"الثقافة" المصرية، وقد أكون نشرت في "الرسالة" أيضا.
وأذكر أيضا أني أرسلت قصيدة "ليلتان من ليالي شهريار" إلى محطة "الشرق الأدنى" وأذاعها عبد الرحمن الخميسي بصوته وأذكر منها:

مل طول السرى بليل عذابه


وانطوى بين كأسه وشرابه



واستمرت التجربة الشعرية عندي ما بين 1946-1945.




في قصصك القصيرة الأولى تنبأت بمستقبلك فكتبت في إحداهن عن حياة شخص عاش في الغربة خمسة عشر عاماً. كيف تفسر هذا الأمر؟ يبدو أن الغربة كانت وما زالت بالنسبة لك أكثر من حدث حياتي.
الحياة في الغربة هي عالم جديد، صفر، أمر مجهول بالنسبة للمغترب. في الغربة يشعر الانسان كما لو أنه بدأ لتوه في الحياة، وهذا الأمر يجعله يخاف من الخطأ، يخاف أن تنقطع عنه الدنيا فيبقى لوحده. وهذا شيء مخيف ورهيب. والغربة تولد حالة الفردية فهو أمام مجتمع غريب عليه. ومهما بقي الانسان يعيش في بلاد غريبةٍ، فهو سيقى غريباً وإن طالت مدة إقامته في الخارج، سيبقى غريباً وسيرجع إلى وطنه. إضافة إلى ذلك فإن السنة الأولى والثانية تتضح فيها مشاكل الغربة وتعقيداتها بشكل جلي.
في الغربة لم يكن عندي أساس، كنت مهدداً إقتصادياً، كنت في حالة من العوز المادي باستمرار، وكنت قلقاً من هذه الغربة. من أدراك بأن هذه الغربة ستمتد إلى سنين طويلة. في إحدى قصصي الأولى التي أشرت إليها في دراستك، ذكر لي أحد قرائي بأن بطلها يطل برأسه من سطح البناية على البيوت الصغيرة، وكأنها حفر بالنسبة إليه، حفر كثيرة، وقال إنها رمز طريق الحياة. في الحقيقة هذا هو هاجس نفسي. في الحقيقة أن الغربة حالة وجدانية تبقى عند الانسان حتى بعد رجوعه إلى وطنه، إنها نوع من الاستمرارية في الغربة أو الاغتراب.
ـ ولكن من الغريب أنك رجعت إلى نفس الشكل في "المخاض"، روايتك الثالثة.
عانيت من الغربة في وقت مبكر، وهذا هو سبب تأثيرها على كياني،
وأنا أشبه الطفل المقطوع عن حليب أمه في فترة مبكرة. أنا طفل مفطوم قبل الموعد. هذا هو سبب ترسخ انطباعات الغربة في ذهني وفي مشاعري. انطباعات الغربة تنغرز في ذهني بسبب سفري المبكر.
حتى أخطاء الغربة لها طعم خاص، أهمية خاصة. أذكر في إحدى المرات قالوا لي في مصر: رمضان كريم!فأجبتهم: أيوه، بينما كان المفرض أن أقول: الله أكرم، وأنا أذكر هذا الخطأ.
وأود أن أقول أيضاً، إن الغربة موضوع رومانتيكي عاطفي تتجسد
فيه تجربة الموت، فالغربة تعني الارتباط بالمصير، تعني الانقطاع والتحول من حياة إلى أخرى جديدة. وأعتقد أن الغربة في تاريخ الأدب العربي القديم جرى تناولها، مثل قصص السندباد وغيرها التي تتحدث عن الأبطال الذين يسافرون إلى بلاد غريبة. للغربة عندنا مدلول شعبي في الأدب العربي.
ـ أنا أعتقد أنك كنت متلبساً في الغربة قبل سفرك من العراق.
هذا صحيح، أنا كنت أريد الدراسة في دار المعلمين العالية، ورفضت بسبب ضعف بصري بينما قبل عبد الوهاب البياتي. وأذكر أني شعرت بالغربة في قاعة كلية الحقوق الكبيرة.
ونفس الشيء يمكن أن يقال عندما قدمت للدراسة في كلية الآداب في القاهرة، كانت هذه التجربة نوعاً من المغامرة، وتعهد أبي بإرسال خمسة دنانير شهرياً ولكنه لم يستطع أن يرسل لي فيما بعد، أذكر أنه أرسل لي النقود داخل رسالة!
ـ "النخلة والجيران" واحدة من الروايات العربية النادرة، التي اهتمت بالتراث الشعبي وتفصيلات الحياة اليومية، ومن الغريب أن نهاية الستينات شهدت ظهور مقالات عديدة، في النقد المصري بخاصة، تنادي الكتاب بالتوجه نحو التراث الشعبي والقومي.
أنا في الحقيقة فكرت في كتابة روايتي الأولى "النخلة والجيران" عام 1956، وفي عام 1959 نشرت القسم الأول منها، أقصد قصة "سليمة الخبازة" وهي عملياً تشكل مضمون الرواية كلها. وكانت لميس زوجة نوري عبد الرزاق تلح علي لنشرها وكنت أتريث.
بالنسبة للاهتمام بالفلكلور بالطريقة التي ذكرتها، فأنا لم يكن عندي وعي نقدي بالكتابة عن التراث. أنا هنا متأثر بكتاب "طفولتي" لغوركي.
في الحقيقة أن الموضوع هو الذي فرض نفسه علي. أنا كنت أريد أن أصور الحي الشعبي الذي عشت فيه. لا يمكن كتابة "النخلة والجيران" بطريقة أخرى.
هؤلاء الناس الصغار لا يعانون من أزمات نفسية بقدر ما هم يعانون من الصراع مع الطبيعة والحياة من أجل لقمة العيش، حتى الطقس كان يحاربهم، الأمطار كانت تهدد حياتهم بالجوع والمرض، هناك ناس كانوا يعيشون من بيع بضاعتهم المعروضة في الشارع كارثة كبيرة بالنسبة "لفتحية" بائعة الفول إذا أمطرت الدنيا، يعني أنها يجب أن تتوقف عن عملها، وهذا يعني الجوع.
هذا كله ممزوج بجو القصة. لم تكن عندي أي فكرة، أو ضرورة بكتابة رواية "النخلة والجيران" بأسلوب آخر، غير الذي استخدمته. شخصيات "النخلة والجيران" ليست شخصيات تأملية، بمعنى أن الانسان بسبب اللهاث من أجل تأمين كسرة الخبز، ليس لديه الوقت الكافي للتأمل. هذه هي الحقيقة، فهؤلاء الفقراء أبطال "النخلة والجيران" محرومون وليس لديهم الوقت ليستريحوا ويفكروا بأمور خارج النضال من أجل البقاء. فالموضوع هو الذي اختار الاسلوب.
أنا تأثرت بإنازيو سيلوني الذي كتب عن القرى. أما "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، فلم أكن أفكر بها عندما كتبت "النخلة والجيران".
كان المفكرون المصريون يعتبرون نجيب محفوظ كاتباً غير جدي على عكس الكتاب الآخرين.
ـ في "النخلة والجيران" القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، هل هو منطق الحياة أم هو تصورك الروائي؟ هل هناك علاقة لهذه الفكرة بنيتشه؟
لم أكن أفكر بالضعيف، كنت أفكر بالفقراء فقط. أنا محامٍ عنهم. "النخلة والجيران" هي صرخة. ضد مَن هذه الصرخة؟ غير محدد بالذات ضد مَنْ؟ ولكنها على أية حال صرخة ضد الواقع الذي تعيشه شخصيات هذه الرواية.
أنا مقتنع بفكرة تقسيم الناس إلى فقراء وأغنياء، وليس لدي فكرة تقسيمهم إلى أقوياء وضعفاء.
"المحتشمون" هم الأغنياء. أما بالنسبة لنيتشه وكتابه "هكذا تكلم زرادشت" فأنا كنت متأثراً به، وأذكر أني قرأته بترجمة دكتور بشير فارس واعجبت باسلوب الكتابة وليس بالأفكار. أي إن المسألة شاعرية لا فلسفية لم أفكر سابقاً بمثل هذه الأمور.
ـ في "المخاض" يشعر القارىء بوجود نهاية قسرية، أرادها الكاتب لها. ويشعر القارىء أيضاً بوجود مغزى أدبي. في هذه النهاية: السائق نوري يحمل ياسين في المحكمة... في هذا الموقف يمارس الخيال حضوره، وهو، كما يرى قراؤك، يخالف منطق الحياة الواقعية في الشرق، وفي العراق بخاصة.
وفي لقاء كريم داوود لابن محلته "عدنان" الجندي أيضاً (كأخيه)، يشعر القارىء بأنك تدخلت في الأحداث بشكل مفتعل... إنه موقفك.
أنا مبررها نفسياً. مأساة شيخ يغادر الحياة ويجب أن يضع مكانه الشاب. إنه شاب فتى، حي. اقصد هنا تواصل الأجيال، إنه يحمل ضحيته بيده، كما لو أنه أجرم بحق جيل كامل، شباب كامل. هذا إحساس بقي يراودني، وهو أنني أجرمت في الحياة، ليس عندي قناعة بأنني عملت شيئاً في الحياة، إنني لم أقدم شيئاً، أنا متألم. أنت تقدم كل الاخفاقات، اخفاقاتك وجرائمك وظلمك للناس أمام محكمة غامضة لا تفهمك، بحيث تفرض حكمها عليك بقسوة.
الانسان يمكن له أن يتصالح مع نفسه، مع اخفاقاته، مع جرائمه، ولكن يبقى الحق العام. القاضي الذي لا يفهم الدافع أو السبب النفسي للمصالحة فيحكم عليك، الحق العام يحكم عليك ويجردك... هذا نوع من التجريد. واضافة إلى ذلك فإن هذا الحدث له جذور واقعية، أعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يحدث في الحياة.
أنا أذكر أن الحاكم أجبر والدي، وهو من سائقي السيارات القدامى في بغداد، على أن يحمل شاباً في المحكمة. طبعاً لم يكن والدي آنذاك شيخاً كما هو الحال في رواية "المخاض".
أما مسألة التقاء الجندي عدنان ببطل "المخاض" كريم، فأنا في الحقيقة أردت جندياً.
كان عندي في ذلك الحين شعور بأن جنودنا هم عبارة عن دمى، وهم مسخرون للسلطات والحكام. ولهذا أردت من الجندي أن يقول كلمته. أما الاسم فلا يعني شيئاً هنا.
إبن خالتي كان اسمه عدنان. أنا أتعذب في اختيار الأسماء.
وفي هذه المناسبة... يقول الناقد ياسين النصير بأن، هذه المحكمة هي محكمة التاريخ فالطبقات تحاكم بعضها هنا.
أنا لا أؤمن بهذا الكلام. لم أفكر بمثل هذه الأمور. ولا أعتقد بوجود مبررات لها. لم تخطر ببالي مثل هذه الأفكار عندما كتبت "المخاض". أنا لا أحب مثل هذا النوع من النقد: برجوازية صغيرة وطبقة عاملة، قد يكون له أهمية تفسيرية ولكنه لا يؤثر على كتاباتي.
في "المخاض" تحاشيت ذكر الصين، فأشرت إليها بـ "الجنوب" أو "هناك".
صحيح، هذا مجرد نوع من التعميه، بهذا الشكل تكون احداث الرواية أكثر تشويقية ورومانتيكية، أفضل من التشخيص. قد يكون السبب سياسياً لأنني لم أرد أن أشير إلى الصين بالذات.
من الواضح أن روايتك الرابعة "القربان" اتخذت الشكل الاليغوري الاستعاري المجازي أسلوباً لها لطرح أفكار الروائي، وليست هي الرواية الوحيدة ولا الأولى وليست الأخيرة، وهناك روايات عديدة أخذت هذا الشكل، وتكون النهاية مطابقة لأفكار الكاتب، فإذا كان الكاتب متفائلاً عمد إلى استخدام النهاية السعيدة: التقاء الأخيار وانتصار الخير على الشر، والعكس صحيح وهذا نادراً ما يحدث في الآداب. وحسب مفاهيم هذا النمط من النتاجات الروائية فإن نهاية "القربان" يجب أن تكون سعيدة. هذه هي النهاية الوحيدة الملائمة لمسار الأحداث الروائية منذ بدايتها، والخيال الابداعي يسمح لمثل هذه النهايات، فما هو سبب ترككم النهاية فريسة للغموض؟
في "القربان" وفي كل رواياتي الأخرى لم تكن عندي فكرة، أقصد لم تسيطر علي فكرة... فكرة الوصول إلى هدف، لأن بعد تحقيق هذا الهدف يحصل فراغ. الفكرة في الرواية عبارة عن تحرك، دفع، الحياة ليست راكدة، ليست آسنة، الحياة بكل صراعاتها وتناقضاتها تتحرك، والتحرك يكون صاعداً. كم هو صعود الخط؟ أنا لا أحدده، ولا الفكرة. الفضيلة تكتسب في وجود الخط الصاعد، والحركة الفّوارة في الحياة. وبالنسبة لوجود القناعة... إن البقاء على هذه الحال غير ممكن ويجب أن تتطور الحياة. حتى عبد الله، أحد أبطال "القربان" حاول أن يتطور رغم غبائه، ولكنه تطور شكلياً فنقل المقهى التي أصبح مالكاً لها بالصدفة، من محل خرِب إلى منطقة جيدة وجديدة على شاطيء نهر دجلة، أو يعمل على تغيير الأسماء، ويحاول أن يسيطر على الأشياء كلها.
ومن خلاله تشاهد الحياة، ولكنه حكم على نفسه بالفشل والجنون، وأصابه مس من الجنون لأنه، كان منذ البداية لديه "خويطات!!" يضحك غائب طعمه فرمان. ياسر مخلص ومؤمن بالتطور ولكنه طيب أكثر من اللازم. إنه يحاول أن يجمع أطرافاً متناقضة، كأن يحب مظلومة، في حين يكره صباح حبيبها لأنه ينافسه. يتقرب من حسن العلوان، ونتيجة لهذه التناقضات قتل. من قتله؟ غير معلوم. هل عبد الله المجنون هو الذي قتله؟ غير معلوم! هل قتله شخص آخر؟
أنت كاتب لصيق التجربة الشخصية، وعندما يؤلف الكاتب أعماله الأدبية عن تجاربه الحياتية فهو يلجأ في نهاية حياته الأدبية، أقصد بعد المرحلة الأولى من نشاطه الابداعي، يلجأ إلى موضوعات أخرى كي لا يتوقف عن الابداع، مثل الرواية التاريخية وأدب الأطفال والبحث عن مضامين قصصية من الأصدقاء، من المحاكم وملفاتها، من الأرشيفات وإلخ. هل استعرت مضامين لقصصك من أصدقائك؟
سؤالك يذكرني ببعض الكتاب "الشنطرنجيين" هناك كاتب شطرنجي يكتب رواية في اسبوعين!! فالعمل الروائي بالنسبة له كالشطرنج، هو أيضاً يأخذ من حياته وتجاربه ما يريد، ولكنه يقنن كل شيء مسبقاً. وهذا النوع من الروائيين موجود في أوروبا واميركا بخاصة. هناك كاتب فرنسي ألف رواية باسبوعين، وكاتب سويسري ألف رواية في فترة قصيرة. وأعتقد أن رواية "الجائزة" لأحد الكتاب السويسريين ينطبق عليها سؤالك فهي حصيلة معلومات مأخوذة من الملفات والارشيفات وإلخ. وهذه الطريقة من العمل تحتاج إلى تفرغ تام، وأنا كما تعلم لا يمكن لي أن أعمل هذا لاسباب أخرى، إضافة إلى أن الترجمة تأخذ كل وقتي. كتاباتي النابعة من الداخل هي التي لها اليد الطولى أنا بحاجة ماسة إلى الوقت، والترجمة تمتص كل الوقت أما بالنسبة للمضامين المستعارة من الأصدقاء. صحيح أنا أسمع ما يقترحه علي الآخرون، ولكني لم أحصل على معلومات نافعة دائماً. أنا التقط حكايات عفوية من أقاويل الناس.
زهير الجزائري (*) مثلاً... قلت له: إحكِ لي عن شخصيات واقعية، فحدثني لمدة ساعتين عن شخصية لم أستفد منها إلا القليل. أستطيع أن أبني من شيء معين قصةً، وأجعل هذا الشيء منطلقاً لي في ذهني.
الملامح آخذها من شخصيات عدة، أصدقاء، أقارب. من الصعب أن تقول إن أحداً ما أعطاني فكرة أو قصة لرواية. قد تكون "حشوات" حصلت عليها من آخرين فدونتها.
الرواية الجديدة التي اكتبها الآن (يقصد المرتجى والمؤجل) أعاني من مشاكل كثيرة، وكلما أسأل الأصدقاء عن بعضها وهي تخص المضمون وعلاقته بالحياة يقدمون لي أجوبةً لا أقتنع بها.
فيما يخص شخصية المعلم في رواية "القربان" لا أنكر أن رشيد رشدي (*) حدثني عن حادثة "فشل" (سرقة) حبوب الاسهال، قد يكون أنه حدثني عنها... أما البطل كله فأنا جمعته من أبطال معينين، وجمعته، وصورت هذه الشخصية بشكل أدبي، لمحة معينة واحدة ابني عليها شخصية أدبية أخرى.
مرة سألت ضياء نافع (*)، وكان وقتها قادماً من العراق، من هو جارك؟ إحكِ لي عنه فقال لي: هذا كذا وهذا كذا وإلخ...، وحدثني عن واحد مجنون يدق جرس الجيران ويهرب. في روايتي الأخيرة جعلت هذا الشخص تائهاً ومفلساً والناس يضجرون منه، طورت هذه الشخصية واصبحت لدي ذات بعد آخر.
في سياق الرواية يأتي إليه أحد المدمنين على لعب الريسنر ويقول له: تعال، أنت مجنون ومفلس والناس تكرهك، تعال معي، في الريسز ستجد فرصة للربح... استفدت من تفصيلات أعطاني إياها ضياع نافع. كان المجنون يعيش عند جدته، يسرق النقود التي كانت تجمعها (تكاليف دفنها)، ويستخدمها في الريسز ويصبح عنده ستمائة ديناراً، يصبح أنيقاً، يلبس الملابس الجديدة، ولكنه يبقى يدق الجرس ويهرب متخفياً كالأطفال إلا أن الناس لا يمل و ن منه، بل بالعكس يطلبون منه المزيد، وفيما بعد أصبح يكره دق الجرس.
هل تفكر بموقف النقاد والقراء والفئات والجماعات السياسية قبل الكتابة؟ هل توجه عملك الأدبي إلى مجموعة معينة من الناس؟
في الحقيقة أن للرأي النقدي تأثيره علي وأنا لا أسخر من الآراء النقدية، ولكني عندما أكتب رواية لا أفكر برد فعل الجماعات والأحزاب والنقاد. المهم عندي أن أكون صادقاً بفكرتي. أنا أضع القناعة أولاً، وأعتقد أن الفكرة يجب أن تحدث فعلها. أنا طبعاً لا أضع أمامي أن أكون أديباً منتمياً بالمفهوم الضيق، منتمياً لحزب معين... المهم أن أكون صادقاً للفكرة التي أطرحها وهي تبرر نفسها ويجب أن تدافع عن نفسها.
أنا لا أهتم بموقف أي حزب مع احترامي الكبير للأحزاب الوطنية.
وإذا كان العمل الأدبي مفتعلاً فسيلقى رد فعل سلبي وتظهر احتجاجات ويُصدم الناس، أما إذا كان النتاج واقعياً وحقيقياً فإن رد الفعل من قبل الأحزاب سيكون طبيعياً وهادئاً وحتى إذا كان التصوير الأدبي غير منسجم مع مواقفها.
أنا أريد أن أخلق رجه عند الناس ولكن لا أريد أن استغل عواطف الناس، عواطف الجماهير السياسية والحزبية... هذا لا يخطر علي.
وكتاباتي غير مرتبطة بالموضات والبدعات الجديدة... أنا بطبيعتي لا أميل إلى هذا النوع من الكتابة. أنا كاتب سياسي ولكن ليس بالمعنى الضيق، بالمعنى اليومي. أنا مع الفكرة الاجتماعية والسياسية. الأدب مرتبط بالحالة الاجتماعية، بالفكرة السياسية التي لها لبوس سياسي، ولا يمكن أن تنتج أدباً إذا لم تكن مقتنعاً بالمدلول الاجتماعي للظواهر السياسية. وأحياناً تكون الظاهرة الاجتماعية هي بحد ذاتها فكرةً سياسيةً وانعكاساً للظاهرة السياسية.
في أعمالك الروائية يعاني الابطال من الاحباط السياسي: كريم بطل "المخاض"، ماجد في "ظلال على النافذة" معروف في "آلام السيد معروف" وغيرهم.
هذا السؤال صريح. أنا عاشرت سياسيين حزبيين وملتزمين، ولكني لم أنفذ إلى أعماقهم. إنهم مغلقون ولم يفتحوا قلبهم لي. عالمهم الداخلي مغلق بالنسبة لي. صحيح أنهم أبطال لكني لم أعرف مشاكلهم النفسية، لم أعرف عالمهم الداخلي تماماً، هنا تكمن الصعوبة. بينما كان بعض السياسيين المحبطين الذين يشعرون بضغط الأحداث، ويشعرون بأنهم غير منسجمين مع الحالة العامة، كانوا يفتحون قلوبهم إلي وأفهمهم أكثر من غيرهم.
وفي الحقيقة أن هذا هو خطي الفكري العام. أنا أطرح قضيةً اجتماعيةً عامة، وكان بعض السياسيين يناضلون أيضاً من أجل تحقيق هذه الفكرة وهم أصدقائي ولو نتحدث عن المنحدرات الطبقية والسياسية لاصدقائي فهم من البرجوازيين الصغار والمثقفين الديمقراطيين وغيرهم من أصحاب المبادىء والمواقف وهم معذبون في حياتهم بسبب هذه المبادىء.
موسكو 1981-85
صحيفة الحياة 1/9/1990 لندن



[1]- آرثر ميلر. موت بائع جوال. المكتب الدولي للترجمة والنشر. القاهرة – 1956.
*- الأستاذ عيسى الناعورى ترجم هذه الرواية عام 1963، إلا أننا عثرنا على ترجمة أخرى لنفس الرواية صدرت عام 1957 لمترجم مصري فقدنا اسمه الكامل بالضبط.
[2]- بعد إصدار "الوجه الآخر" لفؤاد التكرلي كتب غائب طعمه فرمان عنها مقالاً نقدياً، ونورد للقارئ نفس المقطع الذي قرأناه له في معرض سؤالنا عن الفكر الوجودي. لقد قال فرمان آنذاك: ".. وفؤاد التكرلي في قصة الوجه الآخر يقحم نفسه في الجو القصصي. وكثير من هذه الأفكار، تبدو طائفة على السطح ومقحمة في كيانها. ولست أدري ما الذي اضطره إلى أن يأتي بهذه الأفكار في حين أن القصه ذاتها تستطيع أن تفي بالفكرة، التي يريد التعبير عنها. ونحن نغمط القصة حقها إذا قلنا مجرد تعبير عن فكرة مجردة. إنها تعكس واقعا اجتماعيا معينا". (راجع أماسي اتحاد الأدباء العراقيين).
[3]- اليجوريا: من اللغة اليونانية وتعني: أخر Allos، وأتحدث Agorúo وهي شكل من أشكال الاستعارة والمجاز لتوصيل أفكار معينة بواسطة شخصيات محدده. وقد أنتشر هذا الشكل في الفن بالذات (كأن ترسم امرأة معصبة العين بينما تحمل بيدها ميزانا أشارة للعدل، وتشير المرساة إلى الأمل وغيرها من الصور الاستعاريه المجازيه).
انتشر الشكل الاليجوري في أدب العصور الوسيطة، وكذلك في الفن الكلاسيكي، الذي ركز على تصوير شخصيات الأساطير اليونانية القديمة لفرض التعبير المجازي عن أفكار العدالة والشر وحصلت الاليجوريا في علم الجمال الرومانتيكي على مكانة كبيرة، إلا أن مفهومها تحدد منذ بداية القرن 19 فأصبح يفهم كوسيلة فنيه للتعبير عن الأفكار. ومن الجدير بالذكر أن أكثر الشخصيات الاليجورية في الأدب المدون أخذت من الفولكلور، من الحكايات القديمة عن الحيوانات (فالذئب مثلا يرمز إلى البخل، والثعلب يعني الخداع). والأمثلة كثيرة في كل أداب الشعوب القديمة، وخاصة في الأساطير والمواعظ وحكايات الإرشاد.
وقد استخدم الكتاب الواقعيون الشكل الاليجوري، مثل بوشكين في عمله "البلبل والوقواق" وحكايات سالطيكوف شدرين وغيرهما بسبب مضايقات الرقابه. ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن الاليجوريا تختلف عن الرمز لما للأخير سمات أخرى ومفاهيم متعددة، وهو لا يتصف بدقة وملموسية الشخصية الاليجوريه. ومن الطريف أن بعض النقاد والكتاب العرب لمس الفرق بين الرمز والاليجوريا، إلا أن بعضها لم يسمِّ الأشياء بمسمياتها ونورد هنا إجابة الدكتور يوسف إدريس على سؤال الصحفي فوزي شلبي، يقول إدريس: "لا.. لا.. أنها قصص غير رمزية.. أنا لست كنجيب محفوظ.. نجيب محفوظ مثلا يقول أنا (أجيب) خضرة تبقى مصر، أو هذا يبقى عبد الناصر، وهذا يبقى الله سبحانه وتعالى، أو سيدنا موسى.. وهكذا.. أنا لا أفعل هذا لأن هذه معادلات وليست رموزا. الرمز شيء غير مقصود من الكاتب، ويأتي الناقد ويقول آه هذه الشخصية أو هذا الموقف يمكن أن يفسر هكذا، وآخر يقول لا هكذا. (راجع حوار مع د. يوسف إدريس أجرى الحوار فوزي عبد المجيد شلبي. ”البيان" الكويت. العدد 229 – أبريل – نيسان 1985 ص 68).
غائب طعمه فرمان
* ولد عام 1927 في أحياء بغداد الفقيرة وأنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها
* أصيب بالتدرن في وقت مبكر .
* سافر إلى مصر للعلاج ليكمل دراسته في كلية الآداب .
* أتاح له وجوده في مصر الاحتكاك المباشر في الواقع الثقافي القاهري فكان يحضر مجالس أشهر الأدباء المصريين ، مجلس الزيات ومجلس سلامة موسى ومجلس نجيب محفوظ ظهيرة كل جمعة في مقهى الأوبرا.
* مارس كتابة الشعر أولا ...لكنه أخفق فيه .
* عمل منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين في الصحافة الأدبية .
يلخص غائب طعمة فرمان مراحل حياته الأدبية كالأتي :
1 – مرحلة التراث العربي : الشعر، النثر، الكتب والدواوين الأربعة التي كان ابن خلدون يعدها أصولا وما سواها توابع وفروع
: أدب الكاتب ، الكامل ، البيان والتبيين ، وكتاب النوادر .
2 – حركة الترجمة التي بدأت أثناء الحرب العالمية الثانية الوافدة من مصر أو سوريا تعزف على نغمات من الأدب الفرنسي والإنكليزي والروسي .
3 – ذهابي إلى مصر في فترة أعدها من أنشط ألازمان للحركة الأدبية في هذا البلد الشقيق .
* منذ منتصف الخمسينيات تغرب غائب طعمة فرمان عن وطنه ، لكن ( غائب ) لم يكن غائبا عن وطنه من خلال حضوره في عطائه الروائي الثر ... كما لم يغب الوطن عن غائب طعمة فرمان وهو في غربته التي يقول عنها ( الغربة بالنسبة لي كانت حبا وشوقا إلى وطني ، وكانت امتحانا قاسيا للوطنية عندي ) .
.غائب طعمة فرمان عربيا :
حظيت كتابات غائب طعمة فرمان باهتماما وتقديرا عاليين من لدن النقاد والكتاب العرب ...
فجبرا إبراهيم جبرا يقول عنه ( يكاد يكون غائب طعمة فرمان الكاتب العراقي الوحيد الذي يركب أشخاصه وأحداثه في رواياته تركيبا حقيقيا ) .
وقال الدكتور زهير شلبية عن النخلة والجيران ( رائعة الأدب العربي الحديث ) .
وقال عنه محمد باروت ( كان غائب عراقيا في كل شيء حتى في الرواية التي رآها " برلمان الحياة الحقيقي" إذ كثف في هذه الرواية كل فهمه لطبيعة الرواة ووظيفتها ، ففي قاع الحياة الشعبي ، وقائعه وأحداثه وعلاقاته وتفاصيله ومشاهده ، تنهض رواية غائب وتتكون ، وكأنها ترتقي بنثر الحياة اليومي ، هذا الذي يبدو معادا ومكرورا وأليفا إلى مستوى الملحمة والتاريخ ، أي إلى مستوى الكلية ) .
وقال عبد الرحمن منيف عن غربة غائب ( لا أعتقد أن كاتبا عراقيا كتب عنها كما كتب غائب ، كتب عنها من الداخل في جميع الفصول وفي كل الأوقات ، وربما إذا أردنا أن نعود للتعرف على أواخر الأربعينات والخمسينات لابد أن نعود إلى ما كتبه غائب )
وتقول د. يمنى العيد عن رواية المركب ( المركب وسيلة عبور وعنوان مرحلة للمدينة التي غادرها غائب ولم يعد إليها ، المركب لا تحكي الماضي بل الحاضر المكتظ بالمعاناة التي تدفع راكبيه إلى الالتفات إلى ماضيهم بحسرة ).
ونشر محمد دكروب ذكرياته مع غائب طعمة فرمان ، وكذلك فعل سعد الله ونوس .
. عراقيا
كل النقاد العراقيين يتفقون إن رواية النخلة والجيران هي البداية الحقيقية للرواية العراقية المعاصرة .
* أعمال غائب طعمة فرمان :
- حصاد الرحى / مجموعة قصص / 1954
- مولود آخر / مجموعة قصص / 1955
- النخلة والجيران / رواية / 1966
- خمسة أصوات / رواية / 1967
- المخاض / رواية / 1973
- القربان / رواية / 1975
- ظلال على النافذة / رواية / 1979
- آلام السيد معروف / رواية / 1980
- المرتجى والمؤجل / رواية / 1986
- المركب / رواية / 1989
* مترجماته :
ترجم نحو ثلاثين كتابا ونال جائزة رفيعة على جهده في هذا الجانب ، ومن ترجماته
- أعمال تورجنيف في خمسة مجلدات
- القوزاق لتوليستوي
- مجموعة قصص لدستويفسكي
- مجموعة قصص لغوركي
- المعلم الأول لايتماتوف
- مجموعة أعمال بوشكين
- لاشين عملاق الثقافة الصينية
* توفي يوم السبت الثامن عشر من آب عام 1990 في موسكو حيث دفن فيها .

عن موقع "الكاتب العراقي".

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: خمسة أصوات – غائب طعمة فرمان ( الأعمال الكاملة 4 )

مُساهمة من طرف بدون في الإثنين مايو 20, 2013 2:53 am

غائب طعمة فرمان رائد الرواية العراقية الأحد, 27 تشرين2/نوفمبر 2011 زهير قاسم محمد . لقد ابتدأ مسيرته في الاتجاه الرومانسي كغيره من الرواد ، بعدها انتقل إلى المدرسة الواقعية نتيجة اطلاعه على الأدب الروسي وقراءة غوركي ودستوفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم ، وعندما تعددت مصادر ثقافته واتسعت تجربته حيث أغنته الغربة بمصادر الإبداع ، أصبح غائب طعمة فرمان رائدا حقيقيا للرواية العراقية دون منازع . لقد تأثر غائب طعمة فرمان بالثقافة العربية بشقيها القديم والحديث مع الثقافة الأجنبية أثناء سفره إلى موسكو ليعمل مترجما ً في أحد دور النشر فيها . لقد تمتع الروائي غائب طعمة فرمان برؤية دقيقة وذكية أستطاع من خلاها تفسير الأحداث المحيطة به وتصويرها بدقة فنية عالية ، ومن يقرأ جميع ما كتبه تتجسد له وللوهلة الأولى قدرته الفائقة على التقاط لصور المؤثرة في المحيط الذي يعيشه ومنذ الأربعينيات وهو يكتب بنشاط متجاهلا ً مرضه حتى إذا اطل عام 1954 أطلت معه مجموعته القصصية ( حصيد الرحى ) ، وفي عام 1959 ظهرت إلى النور مجموعته القصصية الثانية ( مولود أخر ) وبعد عشر سنوات كانت ( النخلة والجيران ) ، هذه الرواية الأولى له والتي تعد بحق الانجاز الأهم في تأريخ الرواية العراقية ، فقد نجح في رسم معمارية رائعة ضمن عالم خاص حرك أبطاله الى درجة التلاحم نتيجة نفاذه إلى عمق الحدث لاستجلاء جوهر الحقائق الرئيسة وبلغة ابتعدت عن الترهل والإنشائية والتقريرية ، وانتهجت منهجا ً خاصا بها نستطيع أن نطلق عليه منهج غائب طعمة فرمان . ما يثير الاستغراب أن الكاتب كان بعيدا عن وطنه عندما كتب معظم أعماله لكن الوطن كان حضوره قويا في كل إعماله المبدعة . بعد سنة واحدة من صدور ( النخلة والجيران ) كتب رواية ( خمسة أصوات ) وتوقف حتى عام 1973حيث رواية ( المخاض ) ، والــ ( القربان ) عام 1975 تلتها رواية ظلال على النافذة عام 1979 ، وفي عام 1980 عاد ليكتب مجموعته القصصية ( الآم السيد معروف ) وفي عام 1986 ظهرت له رواية ( المرتجى والمؤجل ) وينتهي برواية ( جزيرة أم الخنازير ) عام 1989 . ولكي نطلع على مزيد مما كتبه الروائي غائب طعمة فرمان ونلقي الضوء على مسيرته الرائدة لابد من التعرف على سيرته بشكل موجز : في حي فقير من أحياء بغداد ، وفي عام 1927 ولد الروائي الرائد غائب طعمة فرمان من أسرة فقيرة وأنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها . أصيب بمرض السل الرئوي مما دفعه إلى السفر للقاهرة ، وهناك عكف على دراسة اللغة الانكليزية، وأستطاع التعرف عن قرب بالمشهد الثقافي المصري وأن يلتقي بأدباء مصر الكبار أمثال نجيب محفوظ واحمد حسن الزيات لينشر نتاجه الأدبي في مجلة الرسالة المشهورة . كان الشعر يستهويه من صباه فكتب الكثير من القصائد إلا أنه تركه وبدأ يكتب القصة التي دخلت اهتمامه . دخل إلى عالم الصحافة وعمل محررا في الصحيفة الأدبية وكانت له علامات بارزة في هذا الميدان . بعد الانتهاء من دراسته عام 1954 خرج ثانية إلي سوريا ولبنان بحثا عن عمل هناك بعد ان رفض التعيين في العراق . عاد إلى ارض الوطن عند منتصف السبعينيات وبقي فترة قصيرة بعدها غادر إلى موسكو وأستقر هناك حتى وفاته عام 1990 ودفن هناك . هذا الاستعراض السريع يعطي أشارة سريعة الى ان غائب طعمة فرمان لديه نزعة ذاتية نحو الطيران الى حاضنات يستطيع من خلالها الإبداع ، وأن يتعرف على المزيد من الثقافات وأن يتعلم كل اللغات وأن يدخل كل الساحات المغمورة بالنور وكان تأثير الأدب الروسي واضحا على قلمه وخصوصا تورجينيف وغوركي وتولستوي وبوشكين ودستوفسكي ولاتيماتوف وهذا التأثير هو الذي قاده الى المدرسة الواقعية حيث نلاحظ ان جميع أبطاله من الفقراء والمسحوقين الذين يدورون في عالم أهم ما يميزه حدة الصراع الطبقي وهيمنة الأغنياء وظلمهم على الطبقات المسحوقة . لقد كتب غائب طعمة فرمان روايته الأولى ( النخلة والجيران) والتي تعد بحق أول رواية عراقية كتبت بطريقة فنية مستوفية كل شروط النجاح رغم ان قسما من الحوار أو المنولوجات الداخلية كتبت باللغة العامية الدارجة . لقد تكاملت عناصر الفن الروائي في ( النخلة والجيران ) فخرجت متميزة عن كتابات الرواد التي كانت تفتقر إلى الشروط الفنية في كتابة الرواية لهذا فأننا نستطيع أن نقول بأن هذه الرواية جعلت غائب طعمة فرمان يأخذ الصدارة في تأريخ الرواية العراقية ، وجعلته بحق رائدا ً لهذا الفن الحديث على الساحة الثقافية العراقية، فلا يمكن لأي باحث ان يتحدث اليوم عن الراوية العراقية دون ان يكون غائب طعمة فرمان في الصدارة ودون ان تكون ( النخلة والجيران ) في المقدمة ولا يمكن للقارئ أن يتجاهل أعمال هذا الرائد الكبير، وسليمة الخبازة وحمادة العربنچي ودبش ومظلومة لازال تأثيرهم في نفسه ( ان الصلة الوشيجة التي تربط الإنسان بالمكان تظهر بكل تجلياتها من خلال تفاعله وإحساسه بالألفة معه وقد يكون المكان تعبيرا مجازيا عن الشخصية التي تعيش فيه، من هنا يكون المكان مكونا أساسيا في النص الروائي ويجعل هذا المكون يبدو كما لو كان خزانا حقيقيا للأفكار والمشاعر حيث تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة متبادلة يؤثر كل طرف فيها على الأخر هكذا تتشكل العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان الذي يحيى فيه من خلال عملية التأثر والتأثير وعلاقته بالإنسان الذي يعد جزءا منه يجري عليه ويؤثر فيه كل ما يحدث في المكان . كما نلاحظ ان هناك ترابطا وشيجا بين عالم غائب وأعماله الروائية لأنها نتاج تجارب شخصية أو ذكريات ذاتية ، انه لصيق التجربة الشخصية والإحساس الذاتي بالغربة والحنين إلى الجذور العميقة للوطن والطفولة والماضي، ومنحى العودة إلى الماضي يعد من أهم المناحي في أعمال غائب طعمة فرمان، وغالبا من يستخدم الروائي أسلوب الذكريات لتصوير الحنين . كما أهتم غائب طعمة فرمان بالزمن الروائي بنوعيه الطبيعي والنفسي، وهذا الاهتمام إلى امتزاج الزمنيين في رواياته وأحيانا نجد هيمنة أحدهما على الأخر في النص كما ان التلاعب بالزمن سمة بارزة في روايات غائب طعمة فرمان نتيجة تقديم الحوادث أو تأخيرها . السرد عند غائب طعمة فرمان يسير متدفقا دون تكلف وبأسلوب روائي جميل ، والوصف لديه يأتي في خدمة ثيمة الرواية فلا ترى ترهلا في السرد ولا وعورة في اللغة بل على العكس فقد أستطاع أن يستخدم اللغة العامية الدارجة من اجل أن يقدم رواية ناجحة من خلال الاعتناء بشخصياته ونقل المكان من صيغته الميكانيكية إلى مكان تسري فيه الحياة بطريقة انسيابية جميلة . ولابد من تسجيل مشاعر غائب طعمة فرمان حول روايته ( النخلة والجيران ) حيث قال فيها ( في الحقيقة النخلة والجيران فكرت فيها في أواخر الخمسينيات وظلت تلازمني عندما بدأت أكتب فيها تطورت الشخصيات والأحداث ، بحيث اني بقيت اكتب فيها دون أن احس بمجرى الأحداث ، وأعتبرها مساهمة مني لوطني العراق والذي هو جو طفولتي ولاني كنت انقل صورة حية لذلك الجو فانا أديت شيئا لوطني) . لقد قال الأديب والناقد الكبير جبرا أبراهيم جبرا ما نصه ( يكاد يكون غائب طعمة فرمان ) الكاتب العراقي الوحيد الذي يركب أشخاصه وأحداثه في رواياته تركيبا حقيقيا ، ولأن ميله الى التلوين بالأسود والأبيض فيما يكتب ، فتفوته مناطق الظلال الغنية ، التي هي مناطق الروائيين الكبار ). وتحدث الروائي الدكتور عبد الرحمن منيف وهو الذي عانى طويلا من الآم الغربة عن صديقه الغائب عبر وسائله النابضة بالحنين للوطن قائلا ( لا أعتقد أن كاتبا عراقيا كتب عنها كما كتب غائب طعمة فرمان ، كتب عنها من الداخل في جميع الفصول ، في كل الأوقات ، وربما أذا أردنا أن نعود للتعرف على أواخر الأربعينيات والخمسينيات لابد ان نعود الى ما كتبه غائب ) وكتب الكثير عن التجربة الروائية لـ غائب طعمة فرمان وعن ذكريات البعض معه أمثال الكاتب سعد الله ونوس والناقدة الدكتورة يمنى العيد والناقد خيري الذهبي والدكتور فيصل الدراج والكاتب الدكتور محمد دكروب و الروائي زهير الجزائري والدكتور زهير شلبية . ومن جميل ما كتب عنه محمد جمال باروت : ( كان غائب عراقيا في كل شيء حتى في الرواية التي رآها برلمان الحياة الحقيقي ، إذ كثف في هذه الرواية كل فهمه لطبيعة الرواية ووظيفتها . أما الدكتور علي جواد الطاهر فقد قال ( غائب طعمة فرمان كاتب عراقي مقروء ، وليس هذا قليلا ، وكاتب مجيد وأكثر من مجيد). وعن الناقد العراقي شجاع العاني حيث كتب : ( النخلة والجيران ) أول رواية عراقية فنية وكاتبها غائب طعمة فرمان الأب الشرعي لمثل هذه الرواية ، حققت الرواية العراقية قفزة نوعية على صعيد الفن الروائي في العراق ، ذلك أن كل الأعمال الفنية التي سبقت هذه الرواية كانت مطولة لم ترقَ الى مستوى الرواية الجديرة بهذه التسمية وهناك الكثير من النقاد ما تحدثوا عن غائب طعمة فرمان ، وليس لدينا المجال لذكرهم جميعاً . نستنتج من كل ماورد أن الروائي غائب طعمة فرمان كان رائدا حقيقيا للرواية العراقية وأن روايته الأولى ( النخلة والجيران ) كانت الرواية العراقية الرائدة في مسيرة الإبداع والتي بقيت الى يومنا هذا علامة مميزة في تأريخ السرد العراقي .

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 1:47 am