مكتبة


معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

شاطر

hasniabdou

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 27/05/2011

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف hasniabdou في الجمعة يونيو 17, 2011 1:08 am

شكرا لك

????
زائر

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف ???? في الأحد يونيو 26, 2011 12:08 am

شكرا لك

الاسلوبي

عدد المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 30/12/2010

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف الاسلوبي في الأحد يونيو 26, 2011 9:50 am

متألق دائما كما عهدناك
لك منا الشكر الجزيل

m.essam

عدد المساهمات : 226
تاريخ التسجيل : 09/11/2010

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف m.essam في الثلاثاء يونيو 28, 2011 9:10 am


بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الأربعاء يونيو 29, 2011 6:22 am


حوار مع جورج طرابيشي :أحلامنا أخفقت وعُدنا إلى العصور الوسطى

أين نحن في العالم؟متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟

أحلامنا الثورية والتقدمية أخفقت وعُدنا إلى العصور الوسطى

تقديم:

يعتبر جورج طرابيشي، السوري المولد الفرنسي الإقامة منذ عقدين وأكثر، واحداً من أبرز الباحثين العرب في مجالات النقد والفكر الثوري وعلم الجمال، ناهيك باشتغاله الطويل على فكرة الدولة، في تحولاتها من حلم الدولة القومية إلى واقع الدولة القطرية. وطرابيشي بعد أن ترجم معظم نصوص فرويد إلى العربية وثنى على ذلك بترجمة موسوعة علم الجمال لهيغل، ثم بإصدار أعمال موسوعية فلسفية وضع منذ ربع قرن ذخيرته المعرفية في خدمة توجه راح يتنامى لديه نحو الكتابة الفلسفية والعمل الابستمولوجي (المعرفي).

ولقد قاده هذا، لا سيما بعد انهيار زمن الايديولوجيات الكبرى (بعدما كان منتمياً إليه بعثياً ثم ماركسياً ووجودياً فليبرالياً) قاده إلى الاشتغال على التراث العربي، ولكن من خلال اشتغاله على مشروع نقدي لكتابات المفكر محمد عابد الجابري...

وهكذا، انطلاقاً من تعبيره عن خبية أمله، إزاء "خيانة الجابري لمراجعه ومصادره"، كما يقول، أصدر طرابيشي، حتى الآن، أربعة لجزاء من كتاب سيكتمل في خمسة عنوانه العام «نقد نقد العقل العربي»، ويعتبر واحداً من ابرز الكتب التي صدرت عن التراث العربي منذ سنوات.

"الحياة" التقت جورج طرابيشي في باريس، حيث يقيم متفرغاً للكتابة والتأليف، وحاورته ضمن إطار مشروع حواراتها مع الفكر العربي، وهو المشروع المهتم بالتساؤل حول الفكر العربي بصورة عامة وموقف المفكرين العرب مما يحدث ونظرتهم إلى الآفاق التي تبدو مسدودة – قليلاً أو كثيراً، بحسب وجهة النظر – والحال إن الحوار مع جورج طرابيشي، ضمن إطار هذا المشروع يفرض نفسه لكون صاحب «نقد نقد العقل العربي» من المتابعين منذ ما يزيد على نصف قرن لأوضاع الثقافة العربية وأفكار أصحابها، كتابة وسجالاً، وكذلك من خلال الكثير من المؤسسات التي كانت تقوم بين الحين والآخر حاملة هموم التغيير، ثم سرعان ما يخفت صوتها. ولقد وضع جورج طرابيشي أفكاره هذه وخبرته المعرفية في عشرات الدراسات التي كتبها، وفي الكثير من الكتب التي ترجمها، كما في كتاباته التي ذكرنا، إضافة إلى اشتغاله، خلال مرحلة من مساره العملي على بعض ابرز نتاجات الأدب العربي (أعمال نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وتوفيق الحكيم بين آخرين) في منهج تراوح بين النزعة الاجتماعية ونزعة التحليل النفسي، ما أوصله قبل عقد ونصف عقد إلى إصدار واحد من أكثر الكتب سجالية حول عُصاب المثقفين العرب الجماعي وعنوانه "المثقفون العرب والتراث".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جورج طرابيشي، من البعث إلى الوجودية، ومن الماركسية إلى الليبرالية... إلى نقد العقل العربي، رحلتك باتت طويلة. ربما تكون، في هذه المرحلة منها، واحداً من قلة من مفكرين عرب، لا يزال أفرادها يكتبون، بل يؤلفون كتباً... بل أكثر من هذا: انقضت السنوات الأخيرة من حياتك حتى الآن لوضع كتاب واحد في أجزاء عدة لم تنته فصولاً حتى الآن... لماذا؟ وكيف تضع رحلتك هذه في إطار الحديث عن وظيفة المثقف العربي في زمننا هذا؟ هل أنت الآن في مرحلة نقد الذات؟ نقد الرحلة؟ أم نقد الواقع العربي؟

للإجابة عن سؤالك الطويل والمتشعب هذا، لا بد أولا من الاعتراف بأن الجيل الذي انتمي إليه، والذي أتى تالياً لجيلين نهضويين، فسميناه جيل الثورة، عاش وعشنا معه قطيعة كاملة مع التراث. لقد اتجه تفكيرنا واتجه بنياننا الذهني كله إلى الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي، تحولت كلها على أيدينا إلى كتب مقدسة سواء كانت ماركسية أو قومية أو اشتراكية أو وحدوية. عشنا قطيعة تامة مع تراث كنا ننظر إليه على انه ليس أكثر من كتب صفراء. بعد ذلك أمام فشل مشروعنا "التحديثي" وخيبته، إزاء فشل «ثورتنا» التي لم تنجح إلا في إحراقنا وإحراق نفسها، ثم أمام السقوط المدوي للأيديولوجيات والذي تلى اكتشافنا حقيقة تلك الفضيحة التي طاولت الماركسية من طريق حكم باسمها دام ثلاثة أرباع القرن، حدث تبدل أساسي، خصوصاً أن ذلك كله تلى هزيمة العام 1967، ثم امتداد أفكار التطرف والعنف، باسم الإسلام.

إن هذا كله جعلنا، أو جعلني أنا شخصياً على الأقل أعيد النظر في موروثي الثقافي لأكتشف ما كان بيني وبين التراث من قطيعة. والحال إن هذه القطيعة بدت لعيني اكبر حين اضطرتني الحرب اللبنانية للرحيل إلى باريس هرباً وخصوصاً من الاقتتال الطائفي في لبنان الذي كنت أقيم فيه عند ذاك. إزاء هذا كله راحت تتفاعل لدي، وعلى غير توقع مني، علاقتي مع التراث، إذ اكتشفت فيه بديلاً عن الوطن الذي غادرت. ومن هنا جاء اهتمامي بمشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي كان أول من طرح فكرة نقد العقل العربي، راغباً لنفسه أن يكون ابستمولوجياً (معرفياً) في نقده، متكئاً على المناهج الحديثة. لقد وجدت في مشروعه، أول الأمر، نقيضاً للمشروع الذي كنت عشت عليه. غير أن رحلة إعجابي بالجابري لم تدم طويلاً... إذ شعرت بسرعة أن هذا المفكر أصاب العنوان لكنه أخطأ الهدف. أي انه لم يقم بعملية النقد التي اعتقدناها.

بل صادر عملية النقد في الوقت الذي كنا في أمس الحاجة إليها. وفي المقابل اكتشفت هنا في الغرب، أن هذا الغرب لم يبن نفسه إلا بقدر ما نقد نفسه. العقل الغربي صار متفوقاً وعالمي الحضارة حين مارس النقد الذاتي. أما نحن الذين لدينا موروث لا يقل أهمية أو حجماً عن الموروث الغربي، فإننا لن نستطيع أن نباشر مهمة التحديث والوصول إلى النهضة المرجوة ما لم نقم بالعملية النقدية نفسها التي اخضع الغرب نفسه لها. لن نستطيع أن نخوض معركة الحداثة ونحن عراة من النقد الحقيقي...

الحاجة إلى النقد

ألم ترَ هذه الضرورة إلا عبر قراءتك للجابري دون كل ما كتب عربياً؟

أجل... لم أره إلا انطلاقاً من الجابري. وبالأحرى ذكرتني قراءة الجابري بمحاولات سابقة بدت ذات زمن قادرة على النجاح، مثل محاولة طه حسين وعلي عبد الرازق. وصولاً إلى خالد محمد خالد... لكننا إذا استثنينا علي عبد الرازق الذي عرف كيف يصمد، نجد أن الآخرين تراجعوا، تحت ضغط المجتمع غالباً. أما بالنسبة إلى جيلنا، فالمضحك انه أحس انه ليس في حاجة إلى ذلك النقد. كان يكفي أن نقول إننا ثوار... فنقلب الأشياء... لاحقاً بدت لنا الحقيقة: ما من ثورة وما من تغيير يدخلاننا العصر من دون الارتباط بالتراث ونقده. وكان الجابري أول من أشعرني بهذا...

ولكن أولم يسبقه عبد الله العروي في كتابه الذي افتتح ما يمكن أن يسمى اليوم بالنهضة الثانية، أعني «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، في الحديث عن حتمية النقد؟

عبد الله العروي انتقد الأيديولوجيا المعاصرة بصدق. لقد تعاطى مع معطيات الحداثة... صحيح أن له دراسة مهمة عن ابن خلدون، لكن اهتمامه الأساس انصب على لحظة العقل العربي المعاصر، في حين أن الجابري اهتم أساسا بنقد العقل التراثي. المهم أن رحلتي مع الجابري لم تطل، إذ سرعان ما اكتشفت انه قبل أن يخون موضوعه، خان مصادره ومراجعه...

حسناً، لكن نستطرد في الحديث عن الجابري، وهو حديث يشغل جزءاً كبيراً من كتاباتك الآن، كما انك أشبعته تمحيصاً في حوارات ودراسات عدة، أسألك: ترى أفلا يمكننا اعتبار الجابري مرآة لجيلك كله بشكل أو بآخر؟

بالتأكيد... غير انه تميز بالالتفات إلى أمر لم نلتفت إليه (ضرورة نقد العقل العربي) لكنه تخلى بسرعة عن وظيفة كان على النهضويين والليبراليين الذين كانوا استكمالاً لهم أن يقوموا بها. لكنهم، ونحن من بعدهم وقعنا في مأزق أساسي: لقد نما مشروع النهضة العربية تحت وطأة وجود الاستعمار في بلادنا.

فإذا قارنا بين حالنا وحال اليابان سنجد الفارق أساسيا: هم لم يصطدموا، حين بدأوا نهضتهم بوجود الاستعمار في أراضيهم. اصطدموا بالتقدم الغربي وأرادوا أن يتقدموا ففعلوا... أما نحن فإننا اصطدمنا مباشرة بالاستعمار، وكان ذلك قبل اكتشاف التقدم.

وبالتالي كان على المثقف النهضوي أن يهدم ويبني في الوقت نفسه، كان عليه أن يحارب الاستعمار ويبني النهضة. فضاع بين الأمرين، فلا استطاع، هو أن ينتصر على الاستعمار لاحقاً، ولا استطاع أن يبني نهضة فكرية نقدية حقيقية. ونحن نعرف، من دون ذكر الأمثلة، أن عشرات من المفكرين العرب كتبوا تحت وطأة هذا المأزق في شقيه. ونعرف أن النقد لا يمكنه إلا أن يكون جذرياً... وأنا، بالنسبة الي اكتشفت لاحقاً حاجتنا العربية الماسة إلى النقد... لكنني اكتشفت أيضا أننا، في فكرنا العربي، كنا كلما ابتعدنا عن الاستعمار، تزداد لدينا عقدة الانطواء والدفاع عن النفس، مما ولّد لدينا عصاباً جماعياً، لعل سببه الأحدث بالأساس، هو رضة حزيران (يولو)... وأقول رضة لأن الرضة أقسى من الصدمة. صدمة الحملة الفرنسية أوائل القرن التاسع عشر أيقظتنا من السبات وكشفت لنا الحاجة إلى التقدم والنهضة.

أما رضة حزيران 1967 فكانت مخدرة، ذهبت بعقولنا، مما دفعنا إلى البحث عن حل وسط جملة استيهامات لا وجود لها في الواقع. بل أقول إن هذه الرضة لم توصل المثقف العربي (لئلا أقول الإنسان العربي) فقط إلى عصاب جماعي، بل إلى ذهان جماعي. من هنا نلاحظ كيف أن كثراً من أبناء جيل القوميين – بل الماركسيين حتى – انتهوا متطرفين غيبيين... رضة حزيران كانت أقوى منهم...

التقوا جماهيرهم

هل تعتقد أنهم بهذا تمكنوا من الالتقاء بـ "الجماهير"، رداً على عقدة ثقافية قديمة كانت تشكو دائماً من انعزال النخبة عن المجتمع؟

نعم... والدليل على ذلك الموجة التعبوية المتزمتة السائدة حالياً، والتي يشكل مثقفون رديفاً لها. إن هذه الموجة استندت إلى بلايين الدولارات والى تعبئة شعبية عامة طوال ثلاثين سنة، تحت شعار ثقافة القطيعة مع الآخر، والعداء لثقافة الآخر. وهنا أود أن أوضح فارقاً أساسيا بين جيلنا على علاته، وجيل اليوم المتطرف. في سنوات الخمسين من القرن الماضي، كنا جميعاً نقاتل الاستعمار وكانت ثورة الجزائر قدوة لنا في ذلك.

كنا نقاتل ضد الاستعمار الغربي، لكننا كنا منفتحين كلياً على التقدم الغربي، وعلى الثقافة الغربية. اليوم انقلبت الآية، غُضَّ النظر تماماً عن الاستعمار والاستغلال الغربيين، لتنصّب الكراهية كلها على الثقافة الغربية... وفي رأيي إن هذا أخطر مقلب تعيشه أمتنا ومنطقتنا...

هل تعتقد أن المثقف العربي مسؤول، ولو جزئياً، عن هذا الواقع الذي يحمل قدراً كبيراً من التناقض والازدواجية القاتلة؟

نعم، هو مسؤول، وإن انطلاقاً من بعدين: بعد اللاوعي، حيث هزيمة حزيران دمرت قدرته على رؤية الواقع وقراءته في شكل صحيح، فكان أن التجأ إلى أواليات دفاع لاشعورية، وبعد ذلك البعد الواعي الذي ساهمت فيه إغراءات سلطة المال والامتيازات التي أغرقت الساحة واشترت النشر والإعلام والنشاط الجامعي، في شكل لا سابق له في تاريخ العرب أو الغرب. لقد انفق في العالم العربي عشرات بلايين الدولارات لخلق ثقافة مضادة للحداثة. وبالتالي فقد المثقف سيطرته على الواقع... في المقابل بحث عن خطاب يسيطر عبره، فوجد خطاب التراث... فأمسك به كما هو وأعاد إنتاجه، ولكن في شكل سيئ... يبدو أضأل الشأن كثيراً من الشكل الذي به اشتغل عليه تراثيون سابقون، بحيث لم نجد لدينا، مثلاً، من هو في مستوى السيوطي أو الشافعي عمقاً وفاعلية. رحنا نأكل على مائدة التراث، لكننا لم نأكل سوى الفتات. ولعلني أستطيع أن أتحدث هنا، للتوضيح، عن عقدة قتل الأب. فنحن، إذ قاطعنا التراث طويلاً أيام ازدهار «الثورة» أتت هزيمة حزيران لتولد لدينا مشاعر التأنيب فاكتشفنا أننا كمن قتل أباه... وبدا لنا أن مشروعنا السابق لإيجاد بديل له قد سقط بدوره. وأتحدث هنا، طبعاً، عن جمال عبد الناصر، الذي أردته إسرائيل أولاً، ثم أرداه حلفاؤه . عبد الناصر كان يمكن أن يشكل بديلاً حقيقياً... لكننا ساهمنا في قتله، لنعود إلى أب مثالي كان هذه المرة: التراث.

وقلنا إن إسرائيل ما هزمتنا إلا لأننا خنا الأب – التراث وقطعنا معه. وزاد من هذا الشعور أن إسرائيل هي، في الوعي واللاوعي العربيين، ربيبة الاستعمار، وقد تكون أماً خاصيةً ذات قضيب (تذكر كتاب «خنجر إسرائيل» للهندي كرانجيا وكم كان له رواج عندنا). إزاء «أم» كهذه تمتلك قضيباً تكنولوجياً مستعاراً، شعرنا بالحاجة الهائلة إلى أب يحمينا، وهكذا في ظل غياب الأب التاريخي عبد الناصر، ومشروعه، وفي ظل فشل عبد الناصر على أي حال، في أن يكون مصطفى كمال العرب، أوجدنا الأب المثالي.

أنا لا أقول هنا إن التراث ليس أبا. بل هو بالفعل أب بين الآباء، لكن المشكلة فينا لأننا اكتفينا بطلب حمايته لنا، فلم نؤد له خدمة ... بل ساهمنا في موته هو الآخر. كان – ولا يزال – المهم أن نحييه فعلاً، بوسائل حديثة، لا أن نهرب إليه من الحداثة في قطيعة معها. أننا محتاجون إلى التراث، ولكن أن نتقدم منه من خلال سلاح النقد وحفريات المعرفة ومناهج الحداثة... يجب أن نعيد إحياءه لا أن نبتعثه كما كان قبل ألف سنة، إذا أردنا حقاً إحياءه يجب أن نمكنه من أن يتعايش مع العصر... لا أن نكرره معيدين إنتاجه وكأن الزمن واقف من دون حراك...

الوحش الذي خلقناه

... ولكن أفلا تعتقد أن الأمور قد تحركت في فرز واضح وعلى أكثر من مستوى خلال السنوات العشر الأخيرة، بحيث تضاءل كثيراً إنفاق المال على ابتعاث التراث كما هو وكنقيض لكل حداثة وإصلاح؟

بل اعتقد هذا فعلاً، ومنذ ما قبل الحادي عشر من أيلول 2001... ولكن حدث منذ حرب أفغانستان الأولى، حين سادت الحال الطالبانية. حيث بدا واضحاً أن الحال العربية صارت ذات صورة فرانكشتانية، صورة المخلوق المسخ الذي انقلب على مخترعه يريد قتله. إن هذه الصورة في الواقع هي الصورة التي يقدمها لنا اليوم أسامة بن لادن ورفاقه وحلفاؤه: صحيح انه وجه ضربته الكبرى إلى أميركا... لكننا نحن كنا الذين وقعنا ضحية لتلك الضربة. انقلب المخلوق علينا. وهذا هو المأزق الجديد الذي نعيش فيه الآن...

المأزق الذي تراكم فوق مأزق 67، ومأزق موت عبد الناصر، والردة والطغيان الاميركي. وانظر، إزاء هذا كله، إلى حال المثقفين العرب بين نزعتين: الذعر حتى الموت ازاء ذلك المخلوق، والإعجاب حتى التماهي معه. وما هذا إلا لأن المثقف العربي لا يزال – في شكل عام – فاقد الفعالية التاريخية، باحثاً عن آباء وهميين يحتمي بهم...

طيب... لنفترض ان المثقف اراد الخروج من تلك الوضعية ولعب دور نهضوي نقدي حقيقي، لو وعى دوره، ما الذي سيمكنه ان يفعل وكيف، في وقت تبدو فيه الحياة الثقافية متراجعة والجامعات فرغت إلا من الحزبيين او من الراغبين في الحصول على التقنيات... وتبدو فيه المساجد ألاماكن الوحيدة للتجمع ونشر الفكر؟

طبعاً انا لا افترض أن الاوضاع ستكون وردية حتى ولو غيّر كل المثقفين توجهاتهم نحو الافضل... لكنني اقول ان المثقف اذا اراد ان يقف على قدميه من جديد، يمكنه ان يستخدم حتى ساحة المسجد... لم لا؟ عليه ان يخاطب الناس الطيبين من هناك... ولا يترك الساحة للمتطرفين، الذين غالباً، يعملون بوعي او من دونه، ضد الايمان الديني الحقيقي. على المثقف العربي ان يجد لنفسه موطئ قدم حقيقياً وفاعلاً...

وهو قادر ان اراد ذلك، لكن المشكلة ان قلة فقط من المثقفين والمفكرين العرب تسعى الى ذلك، اذا استثنينا مفكرين مغاربة جلهم يكتب ما يريد، ويسعى الى التقدم، ولكن في معظم الاحيان بالفرنسية مخاطباً جمهوراً مكتسباً سلفاً. وأفتح هلالين هنا لأشير الى مثقفين لدينا مزدوجي اللغة، يكتبون شيئاً بالفرنسية او الانكليزية، ويكتبون نقضيه بالعربية... في الاحوال كافة اعتقد ان المهمة ليست سهلة... وهي تستغرق زمناً طويلاً جداً... ترى أفلم استغرق انا في عملي على نقد «ناقد العقل العربي» 18 سنة حتى الآن؟

دعنا نرسم صورة تخطيطية معينة: لدينا السلطات القامعة او الخائفة في غالبيتها، ولدينا المتطرفون الذين يسحبوننا بعيداً من العصر، ولدينا مجتمعات تبدو دائماً اكثر ميلاً الى التطرف والتعصب وعداء الآخر...

دعني اقاطعك هنا وألفت نظرك، معترضاً على هذه العبارة الاخيرة: انظر على شاشة التلفزة الى جمهور حفلات أم كلثوم... ليست بينه امرأة واحدة محجبة... وليس ثمة أماكن للنساء وأخرى للرجال... وليس ثمة من يصخب... بل الكل هناك في بوتقة فن حضاري متقدم... أين نحن منهم الآن؟

هذا بالضبط ما اعنيه: في زمننا هذا يميل المجتمع اكثر وأكثر الى التطرف والتزمت. وفي المقابل ثمة سلطات جعل لكل واحدة منها، بديل متطرف بات اشبه بفزاعة. وفي الوسط هناك المثقف الذي يفترض ان يكون ضمير الناس. انه واقع في الوسط بين مطرقة السلطة وسندان التطرف. فماذا يفعل، هل يتحالف مع هذا او ذاك... او يعزل نفسه؟ ماذا في امكانه؟ هل يمكنه، ان كان مستقلاً ونهضوياً، ان يكوّن اكثر من طائفة منغلقة على نفسها كما تفعلون أنتم...

انا لا اطالب المثقف بأن يكون بديلاً عن الحزب او النقابة... حسبه ان يكون عامل وعي...

ولكن... كيف يمكنه الوصول الى الوعي... لو تراكم عنده وكان نقدياً؟

هو بالنسبة الي عامل وعي اما كيف سيعم هذا الوعي في المجتمع، فسيرورة طويلة قد تحتاج الى اكثر من مئة سنة... انا لست متفائلاً قبل انقضاء قرن بكامله...

قرن بكامله؟ هل تمزح؟

أبداً... على الاطلاق. قرن على الاقل. تصور قبل عقود كنا نعتقد ان المسافة التي نفصلنا عن الحداثة، مجرد مسافة اقتصادية – تكنولوجية. اليوم، بتنا واثقين انها مسافة ثقافية – عقلية وهذه اخطر بكثير وأعمق بكثير من تلك التي كنا نتوهمها، ونتوهم اننا نستطيع ردمها بقفزة واحدة...

وخلال قرن... يظل المجتمع على حاله؟

طبعاً لا... ان الصورة التي اتصورها تتضمن صدامات ومذابح كالتي تحدث الآن في العراق، وكان سبق لها ان حدثت في لبنان والجزائر. كنا في الماضي نتحدث عن «القبرصة»... اليوم، الوضع اخطر ومرشح لمزيد من الخطر... اليوم نتحدث عن اللبننة... ثم عن العرقنة، التي هي اخطر من اللبننة... وأنا واثق من ان من سيدفع الضريبة ليس المثقف بل المجتمع ككل، سيدفعها من دمه ودم ضحاياه. مهما يكن فإن حال العراق ستنتج في نهاية الامر شيئاً...

ايجابياً او سلبياً في رأيك؟

قد يكون في البداية شديد السلبية... ففي العراق الآن حرب طائفية اكثر منها حرب تحرير او حرب تطوير انها حرب طائفية مكشوفة، لو تفاقمت ستدفع كل المجتمعات العربية الثمن غالياً جداً.

اما من حل هناك؟

الحقيقة اننا، كخلاصة لهذا كله امام مأزق جوهري: ان المتطرفين باسم الاسلام، غزوا المجتمع كله من دون ان يطالبوا بالسلطة... اشتغلوا على المجتمع وهنا كمنت عبقريتهم، في الضد عنا نحن الذين، سواء كنا قوميين او ماركسيين وما الى ذلك، كان اول ما سعينا اليه هو السلطة مستبعدين حتى مطالب مثل فصل الدين عن الدولة، حتى – في رأينا – لا نصطدم بالمجتمع!! وكانت النتيجة ان قامت سلطات معظمها يمت الى افكارنا القديمة بصلة وثيقة. وهذه السلطات تضعنا في قلب المأزق: تشير الى المتطرفين قائلة: اما انا وإما هم. انا شخصياً ارفض هذا الخيار... ربما لأن لدي امتياز انني اعيش في الخارج. ولكن اذا استمر هذا المأزق سيكون هناك دمار كبير كما حدث في العراق... عندها سيدفع المجتمع كلفة عالية...

في حديثك هذا كله ألاحظ غياب عاملين اساسيين يدهشني انك تسقطهما من حسابك: عنصر التدخل الخارجي...

(مقاطعاً)... حتى الآن اثبت الغرب في تدخله انه غبي جداً... فهو ان أراد ان يتدخل في شكل جيد وفاعل، لا ينبغي عليه ان يفعل كما يفعل متدخلاً في العراق، والآن في لبنان او ازاء سورية... ان التدخل الغربي الوحيد الممكن والمفيد، هو تدخله في فلسطين وتحديداً في وجه اسرائيل. لو فعل الغرب هذا وأتى بحل جذري فرضه على الجميع، ولو بالقوة، سيكون قد وفر علينا دماء وضحايا كثيرة... مثل هذا التدخل الذي يضع حداً لغطرسة اسرائيل وعدوانيتها وليأس الفلسطينيين، هو الوحيد المرحب به والذي سيقربنا من الحلول الممكنة... اما كل تدخل غربي من نوع آخر – من نوع ما يحصل الآن – فإنه يزيد من حدة مآزقنا.

ماذا عن العامل الثاني: المجتمع المدني وما يلحق به من اعلام وليد عولمة انسانية النزعة...؟

انا أقف بكل حذر تجاه أي حديث عن مجتمع مدني.

للأسف ان ما يطالعنا في مصر او العراق او سورية، ليس مجتمعاً مدنياً، ان نحن استثنينا بعض الرجال والنساء الشجعان. المجتمع المدني مقولة لم تجد مكاناً لها، بعد، في عالمنا العربي، بصراحة نحن مجتمعات اهلية طائفية.

اما المجتمع المدني، في مثل هذه الاطر فوهم من الاوهام... ربما هنا يمكننا استثناء مجتمع متطور مثل المجتمع اللبناني او التونسي. لبنان، اساساً، منفتح على الثقافة الحديثة، وفيه – على رغم طائفيته – نواة مجتمع مدني نلاحظ كيف اعطاه استشهاد رفيق الحريري حيوية جديدة. اما في تونس فثمة ايضاً بدايات مجتمع على رغم الازدواجية بين الفرانكوفونية والـــنزعة العربية. في بقية البلدان ليس ثمة أي تأثير لأي مجتمع مدني.

فالمجتمع المدني يكون عادة ابناً للحداثة والديموقراطية. اما نحن فإننا نعود الى القرون الوسطى من جديد.

والقرون الوسطى الجديدة اخطر من القديمة، لأن القديمة لم يكن عليها ان تجابه حداثة مستشرية. وهنا يكمن، في اعتقادي، لب المأزق العربي المخيف. المجتمع المدني لا يمكنه ان ينمو خارج التعليم... وانظر الى معدلات الأمية في عالمنا العربي وستجد الجواب...

ابراهيم العريس: الحياة


بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الأربعاء يونيو 29, 2011 6:24 am

جورج طرابيشي:بسبب اسمي فشلت أن أكون مناضلاً عربياَ!

1- كان أول فشل لي في حياتي مولدي. فقد ولدت في أسرة عادية، وكنت أتساءل في أول خطواتي التفكيرية (وأنا طفل) لماذا لم أولد من أسرة نبيلة أو أميرية، ثم اكتشفت بعد سنوات عديدة، وأنا أطالع كتابات سيغموند فرويد، أن الأطفال الذين يحلمون بالولادة من أسرة وهمية أنبل من أسرتهم الفعلية، هم الأطفال المرشحون الأكثر من غيرهم للتثبيت في العقدة الأوديبية.2- ثاني فشل في حياتي هو اسمي. فقد ولدت عام 1939م، وفي حينه كانت سورية قد بدأت تشهد نضوجاً للوعي القومي، تمثل فيما تمثل في إقدام الأسر على تسمية أبنائها بأسماء عربية لا تدل على انتمائهم الديني أو الطائفي، فضلاً عن أن تعريب الأسماء كان شكلاً من أشكال المقاومة للمستعمر الفرنسي، وبالفعل، فإن أبي الذي كان على صلة ما بالحركة الوطنية سمى جميع أخوتي بأسماء عربية: سمير، وجلال، وفائز. إلخ، باستثنائي أنا، وحين سألته عن السر في ذلك أجاب: أنت ابني البكر، وكان لابد أن أسميك باسم جدك. فهذا تقليد لا يمكن أن نشذ عنه.وبالفعل، فقد بقيت أتألم من اسمي، بوقعه الأجنبي ودلالته الطائفية، حقبة مريرة من الزمن. ثم بدأت أتصالح معه عندما اكتشفت أنه من أصل يوناني، وأنه يعني باليونانية: «شغيل الأرض»، أي الفلاح، وأنه ليس أجنبياً خالصاً، بل ذو أصل سامي: فهو مشتق من «الجين»، وتعني بالسامية الأرض ومنها أيضاً اشتقت كلمة «جغرافيا».ثم كانت مصالحتي التامة مع اسمي عندما اكتشفت من قراءاتي في التراث العربي الإسلامي أن واحداً من كبار المحدثين المكيين كان يحمل الاسم نفسه، ولكن بصيغة أكثر تعريباً: ابن جريج.3- ومما أذكره من أنواع الفشل في حياتي فشلي في عد النجوم.فأنا لم أكن سهل النوم، وكما في الصيف، في حلب، ننام على الأسطحة. فتحداني أبي ذات ليلة - وقد لاحظ امتناع النوم عن جفوني - أن أعد النجوم في السماء الصافية، فقبلت التحدي وشرعت بسذاجتي الطفولية أعد النجوم نجماً نجماً وبطبيعة الحال، فقد فشلت، ولكني نجحت بالمقابل في النوم، وما كنت أدري أن العد «للنجوم أو مجرد الأرقام بتسلسلها» هو أجدى وسيلة لقتل الأرق.4- فشلت أيضاً في القفز في السباحة، فقد كان رفاقي يتبارون في القفز في حوض السباحة من أعلى السلم. وقد حاولت أن أقلدهم. ولكن بدلاً من أن أسقط في الماء على رأسي، سقطت على بطني وتوجعت وجعاً كثيراً، ومنذ ذلك اليوم امتنعت عن القفز في الماء على الرأس، وصرت لا أنزل إلى حمام السباحة إلا على قدمي.5- فشلت في أن أكون لاعب كرة قدم، فقد كان أولاد حارتي ينظمون مباريات تنافسية مع أولاد الحارة المجاورة. فانضممت إلى الفريق وشاركت في عدة مباريات. ولكن ذات مرة تلقيت الكرة - وكانت عنيفة - برأسي وأصبت بصداع شديد اضطرني إلى أن أقاطع الملعب بصورة نهائية.6- كان الاقتتال بالملاكمة واحدة من هوايات أبناء حارتي. ولكن بنيتي النحيلة في طفولتي منعتني بصورة نهائية أيضاً من أن أكون «بطلاً» لا في الملاكمة، ولا في المصارعة، ولا في جميع أشكال المواجهة التي تتطلب قوة عضلية.ترى أكان ذلك هو دافعي إلى التوجه نحو القوة الفكرية؟7- كانت حفلات الأعياد والموالد والأعراس كثيرة في حارتنا. وكان الغناء الجماعي شائعاً في تلك الحفلات، ولكن في كل مرة كنت أنبري فيها للمشاركة في الغناء كان الحضور يطلبون مني في الحال أن أمتنع عن الغناء، فقد كان صوتي - قبل بلوغي - منكراً، فضلاً عن أن أذني كانت ناشزة.8- بالفعل إن أذني لم تكن في يوم من الأيام موسيقية، فرغم امتلاكي من صغري ناصية اللغة العربية، ورغم إتقاني لعلم العروض المجرد، فقد فشلت في أن أنظم بيتاً واحداً من الشعر.9- كما فشلت في أن أكون شاعراً، ولو ليوم واحد، فقد فشلت في أن أكون روائياً، فما أكثر ما كتبت وما مزقت من مخطوطات ومشاريع روايات، ولكن مقابل فشلي هذا نجحت في أن أكون ناقداً روائياً، وبذلك يكون قد انطبق علي القول السائر:إن تحت جلد كل ناقد ناجح روائياً فاشلاً.10- فشلي الثقافي الآخر يكمن في علاقتي باللغات الأجنبية، فرغم أنني أتقنت الفرنسية قراءة وكتابة، وترجمت منها إلى العربية عشرات الكتب، فإنني لم أنجح قط في أن أتقنها نطقاً، والعجيب أنه حتى بعد أن انقضت على إقامتي في مغتربي بفرنسا خمس عشرة سنة كاملة، فإني ما زلت إلى اليوم أتلعثم بالنطق بالفرنسية والرطن بها.11- فشلي في مقاومة الزمن، فقد كنت أتعجب في شبابي من توفيق الحكيم- وكان من أحب الكتاب إليَّ- عندما كنت أجده في العديد من نصوصه يلح كل ذلك الإلحاح على حتمية قانون الزمن، وكنت في اندفاعي الشبابي أتوهم أنني لن أشيخ أبداً. ولكن ها أنذا أطرق أبواب الشيخوخة واكتشفت، مثلي مثل جميع الآخرين من شيوخ البشر أن ما بقي من الحياة أقل بكثير مما تقدم منها.12- فشلي الأكثر في حياتي هو الهزيمة العربية في حزيران 1967م ،ولكن هذا ليس «فشلي» بل هو فشل جيلي بأكمله، إنه فشل الأمة ومما يرعبني أن أفكر، مجرد التفكير، بأن الحياة لن تمتد بي بما فيه الكفاية لأرى نهاية هذا الفشل، ولا أدري هل ستكون له من نهاية أصلاً.13- فشلت في أن أكون غنياً، فرغم أني تجاوزت الستين، وكتبت وترجمت نحواً من مئتي كتاب، فإني مازلت مضطراً حتى اليوم إلى العمل والكتابة الصحفية لتأمين القوت اليومي، ولكن لكي أكون واضحاً، فأنا ما أحببت قط الغنى للغنى، ولكن كنت دوماً أحلم بأن يكون لي دخل متواضع، ولكن كاف لكي أتفرغ تفرغاً تاماً للكتابة. وهذا ما لم أنجح فيه إلى اليوم.14- فشلت في تحقيق حلم زوجتي، لا حلمي، في أن ننجب ولداً ذكراً، فنحن لم نرزق سوى بنات، ثلاث بالعدد لأصارح القارئ بأنني سعيد بذلك ، لا حزين. فأنا قد ولدت في أسرة تتألف من ستة إخوة من الذكور، وكنت منذ طفولتي أحلم وأتمنى لو كانت لنا، نحن الستة أختاً تلقي على وجودنا الذكوري شيئاً من الدفء والأنس الأنثوي.ولذلك عندما رزقت ببنت أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، سعدت وبقيت سعيداً.ولكن زوجتي في المرة الثالثة بكت، فقد كانت تريد ولداً ذكراً. وأنا أفهمها وأفهم رغبتها هذه، ولكني مع ذلك فرح، ولو كنا رزقنا ولداً رابعاً، فإني كنت سأرحب بأن يكون.. بنتاً.15- حاولت عبثاً أن أهتدي إلى فشل خامس عشر في حياتي، كما طلبت مني هيئة تحرير مجلة «المعرفة» فليكن إذاً هذا الفشل هو الفشل الأخير المطلوب.

بدون

عدد المساهمات : 1200
تاريخ التسجيل : 04/09/2010

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف بدون في الأربعاء يونيو 29, 2011 6:29 am

جورج طرابيشي : يتحدث عن محمد عابد الجابري
ربع قرن من حوار بلا حوار

بقلم: جورج طرابيشي (٭


كنا زملاء ولم نكن أصدقاء.
ثم صرنا أصدقاء بدون أن نكف عن أن نكون زملاء، وهذا قبل أن تتطور بيننا تلك العلاقة الغريبة التي تمثلت بزهاء ربع قرن من الحوار اللاحواري منذ شرعت بالإعداد للجزء الآول من مشروع «نقد نقد العقل العربي» رداً على مشروعه الرائد في «نقد العقل العربي».
ذلك أني التقيته، أول ما التقيته، على مقاعد الدراسة في جامعة دمشق، قسم اللغة العربية.
كان ذلك سنة 1959 يوم كان كلانا طالباً يجمعنا درس مشترك هو ذاك الذي يعطيه كبير أساتذة اللغة العربية الذي كانه سعيد الأفغاني .
لا أذكر أنه في سنوات الدراسة تلك وقع بيننا أي صدام، ولا كذلك أي تفاهم . كنا زميلين، ولم نكن صديقين. وكان بيننا ضرب من تنافس مكتوم، أو على الأقل هذا ما صارحني به يوم صرنا أصدقاء: تنافس لا على الأولوية في الصف ، فقد كنا كلانا من المتفوقين ، بل على مسائل عاطفية.
ثم انقطعت بيننا الأيام، عشرين عاماً أو حتى أكثر.
لست أدري ما فعل، وما درى هو ما فعلت.
كل ما هنالك أني وجدت نفسي ابتداء من عام 1972 رئيساً لتحرير مجلة «دراسات عربية» الشهرية التي كانت تصدر عن دار الطليعة في بيروت. ووجدته يبعث إليّ بأكثر من دراسة فنشرتها بلا أي تردد، لما فيها من تميز في المنهج كما في المداورة المعقلنة للغة العربية.
ولكن المفاجأة الكبرى كانت في عام 1984. فيومئذ أرسل إلى دار الطليعة كتاباً برسم النشر هو المجلد الآول من مشروعه لنقد العقل العربي : تكوين العقل العربي.
وبهدف نشر فصل من الكتاب في المجلة قرأت بضعة فصول من المخطوط ، وسارعت أبلغ بشير الداعوق ، صاحب الدار ، بأن ما قرأته هو من أروع ما قرأت في حقل الدراسات التراثية. وأذكر أني قلت له : هذا باحث ذو مستوى أوروبي ، وليس محض باحث عربي.
وشاءت الصدف أن أقرر في ذلك العام نفسه الرحيل عن بيروت التي هي أحب مدن العالم الى نفسي . كان ذلك في الربع الآخير من عام 1984 ، وكنت تعبت كل التعب من تلك الحرب الأهلية اللبنانية التي لا ناقة لي فيها - وأنا السوري - ولا جمل.
شددت الرحال الى باريس حيث كنت سأصدر، مع الراحلين إلياس مرقص ومحيي الدين صبحي، مجلة «الوحدة».
وباستثناء حقيبة الملابس فإني لم أحمل معي في الطائرة من بيروت الى باريس سوى كتاب تكوين العقل العربي الذي كان خرج لتوه من المطبعة في بيروت. قرأته في الطائرة ، ثم عاودت قـــــراءته لاحقاً مرتين على التولي.
ولا أكتم أن انئخاذي بالإشاكاليات المصاغة بين دفتيه قام لي في حينه ، وإلى حد غير قليل ، مقام الترياق من قلق الهجرة والإقامة المستجدة في دار الغربة.
وعلى صفحات مجلة «الوحدة» استقبلت الجابري في أول لقاء بعد أكثر من عشرين عاماً من الانقطاع. ثم استقبلته أيضاً في بيتي على العشاء في الضاحية الباريسية.
وليلتئذ ، ونحن نتناول العشاء، صارحني بأنه يعاني من مشكلة في القلب.
ولم أتردد بدوري في أن أصارحه بأني أعاني من مشكلة مماثلة.
ثم انقطعت العلاقات بيننا. انقطعت ودياً كما انقطعت فكرياً.
ذلك أن خيبة كبيرة شقت طريقها الى عقلي كما الى قلبي.
فعلى صفحات مجلة «الوحدة» دوماً كنت كتبت مقالة عن كتابه تكوين العقل العربي قلت فيها بالحرف الواحد :هذا كتاب لا يثقف فحسب، بل يغير أيضاً، فمن يقرؤه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه.
ولأقل، بلغة فرويدية، إني رفعت ذلك الأخ الذي صاره الجابري الى مرتبة أب مثالي.
وهي بكل تأكيد مرتبة كان يستأهلها بقدر ما أنه أخذ بيدي، من خلال قراءتي ل «تكوين العقل العربي»، ثم ل «بنية العقل العربي»، الى إنجاز نقلة، بل قطيعة، من الايديولوجيا الى الابستمولوجيا.
فأنا الماركسي السابق، والقومي العربي الأسبق، والفرويدي المنزع لاحقاً، وجدتني على حين فجأة أمارس هوايتي شبه العصابية في تنحية آبائي بعد أن أكون قد أمثلْتهم.
هذا ما فعلته مع ميشيل عفلق، بعد أن كان أبي المؤله، في يوم انتقالي من القومية العربية الى الماركسية.
وهذا ما فعلته مع سارتر، ومع ماركس ولينين ، في طور انعتاقي من الايديولوجيا الماركسية .
وهذا ما كدت أفعله مع فرويد نفسه بعد طول إقامتي في قصر وسجن التحليل النفسي.
ولكن مع الجابري كانت جريمة قتل الآب المؤمثل من طبيعة مغايرة . فقد شاءت الصدفة - والصدفة وحدها - أن أكتشف أن هذا الأخ ، الذي أردته بكل وعيي أخاً كبيرأً، لن يستطيع أن يقوم مقام الأب المؤمثل.
لا لأنه في مثل سني، بل لخلاف معه حول طبيعة الفردوس الذي أدخلني اليه : الإبستمولوجيا.
ففي الوقت الذي أدين له بقسط كبير من تحولي من الايديولوجيا الى الابستمولوجيا ، اكتشفت على حين غرة أن ممارسته للإبستمولوجيا بالذات هي إيديولوجية، أو محكومة على الأقل باعتبارات ايديولوجية.
ولن أدخل هنا في التفاصيل.
حسبي أن أشير الى موقفه من العلمانية.
فعلى صفحات «اليوم السابع»، الناطقة في حينه باسم الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي حواره المتعدد الحلقات مع حسن حنفي، أطلق مقولته الشهيرة : العلمانية فصل الدولة عن الكنيسة؛ والحال أنه ليس في الإسلام كنيسة، إذاً فالعلمانية لا لزوم لها في الإسلام.
يومئذ اكتشفت أن الإبستمولوجيا المنطوق بها يمكن أن تخفي إيديولوجيا مسكوتاً عنها.
فتعريف العلمانية بأنها فصل الكنيسة، لا الدين، عن الدولة كان يخفي موقفاً مسبقاً. فصحيح أنه ليس في الإسلام كنيسة - اللهم إلا في الإسلام الشيعي - ولكن الإسلام، على الأقل في الشكل التاريخي الذي تجلى به، هو مثال ناجز لدين لا يفصل بين شؤون الدنيا والآخرة. وحصر العلمانية بكفّ يد الكنيسة، دون الدين، عن التدخل في شؤون الدولة معناه إبقاء حدود الدولة مفتوحة أمام ذلك الدين الذي لا كنيسة فيه الذي هو الإسلام.
وحتى أطروحة كهذه كان يمكن أن تبقى من طبيعة إبستمولوجية لولا أنها تواقتت مع صعود الموجة الأصولية الإسلامية التي اعتقد الجابري أنه مستطيع لجمها أو الالتفاف على خطابها عن طريق التكلم بمثل لغتها ان دعت الضرورة ، ولو من منظور تكتيكي.
وعلى هذا النحو تباعدت الشقة بيني وبين ذلك الأخ الكبير الذي كانه الجابري والذي كنت رشحته بيني وبين نفسي لأن يكون أباً مؤمثلاً.
واليوم، إذ يسبقني الى الرحيل، فإني لا أملك إلا أن أعترف بمديونيتي له: فهو لم يساعدني فقط على الانعتاق من الايديولوجي الذي كنته، بل كانت له اليد الطولى، ولو من خلال المناقضة ونقد النقد، على إعادة بناء ثقافتي التراثية.
والتراث هو المحل الهندسي لكل معركتنا اليوم.
فالموقف من التراث ومن نقد التراث وإعادة بناء التراث - ونحن أمة تراثية بامتياز - هو ما سيحدد موقعنا في التاريخ والجغرافية البشريين : أاندفاعة نحو الحداثة أم الانكفاء نحو قرون وسطى جديدة؟ .

(٭) كاتب وباحث سوري، خصنا بهذه الشهادة مشكورا، التي كان الفضل في وصولها إلى الجريدة والقراء يعود إلى الباحث المغربي الصديق، سعيد ناشيد..
هنا، سنكتفي فوق بالوقوف عند مشروعه الكبير الثاني، بعد مشروعه الضخم الخاص ب «نقد العقل العربي» بأجزائه الأربعة. وبالنقاش الذي فتحه حول العقل البرهاني والعقل العرفاني، وانتصاره بوعي تاريخي أصيل، للعقل الرشدي المغربي الأندلسي، المنتصر للعقل على النقل، وللبرهان على العرفان. مشروعه الثاني الضخم هذا، الذي صدر بدوره في أربعة أجزاء الخاص بتفسير القرآن الكريم (إذا ما أضفنا إليه كتابه الأول «مدخل إلى القرآن الكريم»، الصادر عن مركز الدراسات العربية ببيروت سنة 2006، في أكثر من أربعمائة صفحة). إن أطروحة الجابري الجديدة هذه، بما صاحبها من ضجة إعلامية هنا وهناك، ومن تسرع في إصدار بعض المواقف بالمشرق العربي، لعل أكثرها غرابة بعض الموقف المصري، من داخل الأزهر، الذي ذهب باتجاه «تكفير» المبادرة المعرفية تلك، وهو الأمر الذي لم يلق صدى، حتى عند أكثر المدارس الإسلامية تطرفا في الخليج العربي، وفي الشام، وفي مصر، لأنها بعد التمحيص وجدت نفسها أمام معرفة رصينة بالنص الديني، وأن الأمر جد في جد، واجتهاد بين اجتهادات من داخل النص، ومن داخل المنظومة الحضارية للعرب والمسلمين. بل، هناك من ذهب إلى اعتبار مبادرة الجابري الجديدة، مجرد نوع من التجميع والترتيب لاجتهادات آخرين على مدى تاريخ العرب والمسلمين. وهو كلام مردود عليه، من حيث تأكيد الجابري نفسه، أنه في سياق دراسته للتراث العربي الإسلامي، ضمنه مشروعه لنقد العقل العربي، تجمعت أمامه معطيات ثرة، مرتبطة بالنص القرآني، سمحت له بتلمس ملامح تفسير متجدد للنص. وهو تفسير، إذا كان حقا، مندرجا في باب التفاسير الكبرى التي سبق وتوالى صدورها بعالمنيا العربي والإسلامي على مدى قرون وقرون (لعل أكثرها شهرة وبروزا هم تفسير الإمام العلامة، السيوطي)، فإن إضافتها النوعية، هي في أنها تموضع تجميع النص القرآني في سياقاته التاريخية للدعوة المحمدية، التي جاء بها الرسول الكريم، وتساءل تلك الوقائع التاريخية، انطلاقا من الإشكالات التي اعترضت ذلك التجميع. سواء على مستوى الإضافة والحدف والضياع. وهي قضايا جد دقيقة وغاية في الخطورة، معرفيا وتأريخيا ودينيا، كان السلف يمتلكون شجاعة معرفية للتداول حولها وطرحها وتمحيص الجواب الديني الفصل فيها. وكان كل اجتهاد يذهب حيث منطلقاته التي تكون إما عقلية أو نقلية. وما قام به الجابري في الأجزاء الكاملة لمشروعه الجديد هنا، هو أنه رتب ومحص كل تلك الإجتهادات ووضع لها سياقاتها التاريخية والمعرفية. والتمحيص والتجميع والترتيب، ليس تكرارا لجهد قام به الآخرون عبثا، بل إنه يسمح بخلق تأويل يساعد في فهم أعمق وأدق علميا لتاريخنا كعرب ومسلمين.
إن من القضايا الهامة التي يأخدنا إليها مبحث الجابري التفسيري هذا، من خلال البناء النظري المؤطر للمشروع ككل، والذي نجده أوضح في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم»، هي تمثل الواقعة الحضارية للمسلمين والعرب، بمنظار معرفي أكثر علمية، من حيث أنه يبني آليته التحليلة الخاصة، دون الإرتكان إلى محاولة البحث عن التشابهات مع تجارب حضارية أخرى. فسؤال الدين كما طرح في الغرب، ليس بالضرورة قدرا لإسقاطه على التجربة التي تحققت مع العرب والمسلمين. ومفهوم «العلمانية» الغربي، له سياقاته التاريخية، التي ليس قدرا أن تتكرر عندنا، دون أن يلغي ذلك واجب مصالحة التراث مع التنوير، عربيا وإسلاميا. وهذا من الأمور التي جرت نقدا على الجابري من بعض مثقفي اليسار في المشرق العربي.
وإذا كان الكثير من منظري التيارات الدينية بالمشرق العربي، خاصة من التيارات السلفية بالخليج، قد ناقشت مشروع الجابري، من موقع الموقف المسبق من العقل، وانتصارها للنقل والتأويل والتفسير الذي بناه الفقيه ابن تيمية، فإن من الدراسات التي تعاملت مع مبادرة الجابري بمقاربة علمية رصينة، هي تلك التي صدرت في لبنان وسوريا وتونس، من موقع التخصص الفقهي التفسيري للنص القرآني. وضمنها دراسة قيمة لأستاذ الشريعة بجامعة دمشق الأستاذ سامر رشواني، التي انتبهت إلى أن مبادرة الجابري لا يمكن فهمها بعزلها عن سياقات بحثه المعرفية السابقة عن ذلك التفسير. مؤكدا أن محاولة « الجابري هي أن يضع كتابه هذا في سياق التداعيات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول وما تبعها من هجوم على الإسلام، فألف كتابه هذا «مدفوعا برغبة عميقة في التعريف به للقرّاء العرب والمسلمين وأيضا للقرّاء الأجانب، تعريفا ينأى به عن التوظيف الإيديولوجي والاستغلال الدعوي الظرفي من جهة، ويفتح أعين الكثيرين ممن قد يصدق فيهم القول المأثور »الإنسان عدو ما يجهل«، على الفضاء القرآني كنص محوري مؤسس لعالم جديد كان ملتقى لحضارات وثقافات شديدة التنوع، بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل» (ص 14 من « مدخل إلى القرآن الكريم»).
منتبها إلى أن هذا لا يمنعنا من أن نضع المبادرة ضمن سياق المشروع العام للجابري أو سيرته الفكرية، فبعد إنجازه مشروع قراءة التراث الفكري العربي في أنساقه المختلفة، انتقل الجابري إلى قراءة الأساس والأصل الذي قام عليه هذا التراث، محاولا تطبيق نفس المبدأ الذي اعتمده في تناول التراث ألا وهو: »جعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في الآن نفسه«.
أما معاصرة النص لنفسه فتتم من خلال تطبيق المبدأ الذي نادى به كثير من علماء المسلمين، من المفسرين وغيرهم، وهو أن »القرآن يشرح بعضه بعضا«، وذلك دون إقصاء الروايات والمأثور، على أن يشهد القرآن لهذه الروايات بالصحة، ولا تقع في تصادم معه. والجابري في اعتماده هذا المبدأ لا يبتغي بعمله هذا أن يدون تفسير للقرآن، بل يقتصر هدفه على التعريف به، ولكن هذا التعريف قد يدعوه إلى قراءة القرآن نفسه، وتفسير بعض نصوصه. وأما معاصرة النص لنا، فإنما تتم ـ كما يرى الجابري ـ على صعيد الفهم والمعقولية لهذا النص، هذا فضلا عن صعيد التجربة الدينية المتحققة دوما.
وقد سمّى الجابري كتابه هذا مدخلا وتعريفا بالقرآن، إذ أراد من خلاله أن يكتب سيرة للقرآن، يرى أنها ضرورية جداً لفهمه، وضرورية لجعله معاصراً لنفسه. من أجل هذا جعل كتابه على ثلاثة أقسام: عرض في القسم الأول منها لقضايا تنتمي إلى التاريخ السابق على القرآن، بما هو رسالة إلهية موحاة، ودعوة نبوية جديدة.
من هذه القضايا مسألة التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الفكر الديني السابق على الإسلام، وهي قضية لم تزل مثارا للجدل بين المسلمين وأهل الكتاب من يهود ونصارى منكرين وجود مثل هذه البشارة (1) وقد أوضح الجابري أن المسألة لم تكن مجرد تبشير ب»الأمي« الذي اسمه أحمد أو محمد، على النحو الذي فهمه كثير من المفسرين، وحاولوا بناء عليه التنقيب في كتب اليهود والنصارى على دليل عليه ـ بل مسألة التبشير مرتبطة بوجود تيار ديني توحيدي قام في وجه نظرية التثليث التي رسمتها المجامع الكنسية برعاية الإمبراطورية البيزنطية. ولعل أبرز من يمثل هذا التيار هو آريوس الذي قام بثورته في القرن الرابع الميلادي متبعا عقيدة »النصارى« الموحدين ـ أو من أطلق عليهم أصحاب التثليث لقب »الأبيونيين« أي الفقراء نظريا وفكريا ـ وعمل على نشرها في أنحاء عديدة من الإمبراطورية البيزنطية. ولكن المجامع المسكونية الرسمية قابلت مذهب آريوس بالرفض وبدَّعت كل من يرفض فكرة التثليث، فما كان من هؤلاء ـ بحسب رأي الجابري ـ إلا أن طرحوا فكرة النبي »المنتظر« الذي بشرت به نصوص بعض الأناجيل تصريحا أو تلميحا، أو على سبيل التأويل. وفي هذا الإطار يمكن فهم ما جاءنا من أخبار عن كثير من الرهبان يصرحون بقرب ظهور نبي جديد، وكذلك نفهم ظاهرة »الحنفاء« الباحثين عن الدين الحق، التي انتشرت في أرجاء جزيرة العرب.
وقد حاول الجابري أن يؤكد على أن العلاقة التي تحكم الإسلام بكل من اليهودية والمسيحية هي علاقة تحكمها شجرة نسب واحدة، جذعها المشترك هو إبراهيم شيخ الأنبياء. وهذا كلام لا إشكال فيه، لولا أن السياق يقتضي التفريق بين اليهودية (2) ـ أو المسيحية ـ الأصلية الحقة وبين اليهودية التاريخية أو المسيحية البيزنطية التي انحرفت وانجرفت بعيدا عن أصل التوحيد الإبراهيمي. والكلام الذي أسلفه المؤلف يقتضي هذه التفرقة أصلا.
يطرح الجابري بعد هذا مسألة »النبي الأمي« ومفهوم »الأمية« على بساط البحث والنظر، وهي مسألة كثيرا ما طرحت في العصر الحديث، وقد وافق فيها الجابري آراء كثير من المعاصرين من المستشرقين والمسلمين. حيث ذهب إلى أن المعنى الذي ألصق بكلمة »الأمي« وأنه من يقرأ ولا يكتب، معنى لا يسنده أصل لغوي سليم، ولا استعمال عربي معهود، ولا واقع تاريخي صحيح. فهذا اللفظ »الأمي أو الأمية« لم يستعمله العرب قبل الإسلام، بل هو معرَّب، ومأخوذ عن اليهود الذين كانوا يطلقون على غيرهم ممن ليس لهم كتاب منزل لفظ »الأمم«، وعليه فإن »الأمي« مشتق من »الأمة « ـ كما يقول الفراء ـ وليس من »الأم« كما يقول الزجاج وغيره من المتأخرين. كما أن كثيرا من الدلائل تشير إلى معرفة العرب بالكتابة والقراءة، فضلا عن إلمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بها.
وعليه فإن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في أنه قد جاءهم بكتاب، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، بل المعجزة ـ أو فلنقل المنة ـ كانت في إنزال كتاب سماوي على رجل أمي من أمة أمية لم يسبق لهم علم بكتاب سماوي، فأصبح العرب بهذه المعجزة »القرآن« أمة من أهل الكتاب، بعد أن كانت أمة أمية لا كتاب لها.
ثم تطرق الجابري لحدث الوحي، ومفهومه، وللاتهامات التي وجهتها قريش لدعوى الوحي، إذ لم يكن مفهوم الوحي، بالمعنى القرآني، معروفا في معهود العرب اللغوي والثقافي، بل إن مفهوم النبوة أيضا لم يكن من معهودهم، فهذه المفاهيم مما نشأ مع الإسلام، وقد استطرد الجابري بعد ذلك في عرض نظرية النبوة ومفهومها عند المسلمين من المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والمتصوفة والشيعة، كما تعرض لمفهوم الوحي في اليهودية والمسيحية، مبينا تميز مفهومه في الإسلام عنهما.
أما القسم الثاني من كتابه، فقد خصصه الجابري لبحث مسارات الكون والتكوين للقرآن. واعتمد في بنائه، وفي تخطيط ما سيليه من بحثه على المفاهيم التي عبَّر بها القرآن عن نفسه، مع ملاحظة السياق التاريخي الذي جاءت فيه.
فقد لاحظ الجابري أن القرآن أولَ ما نزل، عبَّر عن نفسه بلفظ »الذكر« ولفظ »الحديث«، حينها لم يكن قد نزل من القرآن إلا سور معدودة قصيرة، ومع انتقال الدعوة إلى المرحلة العلنية، وبدء المواجهة مع المشركين، وتكاثر السور حتى بلغت نحو ثلاثين سورة، ظهر لفظ »القرآن«، ليشير إلى أنه كلام تقوم طريقة تلاوته وترتيله بتأثير ينقل موضوع الذكر والحديث إلى مشاهد صوتية منغمة، تقرر وجودا يحمل معه برهانه، فيستغني عن برهان العقل: { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الحشر:21، وقد استقر هذا الاسم علما على الوحي المحمدي، وأصبح »الذكر« و»الحديث« أوصافا للقرآن، وعلى نحو أدق أصبح المراد بالذكر جزءا مخصوصا من القرآن، وهو آيات القصص، والوعد والوعيد.
أما لفظ الكتاب فقد بدأ مع سورة الأعراف {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} الأعراف:2، التي تستحق أن توصف بأنها كتاب بحد ذاتها، فهي أطول سورة نزلت بمكة، وإطلاق اسم »الكتاب« على القرآن عملية ذات مغزى، فهي أول إشارة إلى انتقال العرب من وضع أمة أميَّة لا كتاب لها إلى وضع أمة لها كتاب، وفي الوقت نفسه تضع حدا لاحتكار اليهود والنصارى للقب »أهل الكتاب«، وسورة الأعراف على وجه الخصوص، تضع بين ناظري العرب تاريخهم الخاص على مسرح النبوة والرسالات السماوية، أي أنبياء العرب »البائدة« عاد وثمود ومدين وغيرهم.
هذه هي اللحظات الثلاث في سيرة القرآن، لحظة القرآن/الترتيل والإعجاز، ولحظة القرآن/الذكر:القص، ثم لحظة القرآن/الكتاب: عقيدة وشريعة وأخلاق. وقد عرض الجابري في كتابه هذا اللحظتين الأوليين وترك اللحظة الثالثة للجزء الثاني الذي وعد به القراء.
أما لحظة القرآن/الترتيل والإعجاز، فقد عرض فيها لمسألة الأحرف السبعة والقراءات، وجمع القرآن، وما أثير حوله من القول بالزيادة والنقصان، وترتيب المصحف، وترتيب النزول. وقد مسَّ الجابري هذه المسائل المشكلة مسَّا خفيفا، فلم يحلَّ إشكالاتها، ولم يأت بما يشفي الغليل، بل اكتفى بسرد بعض الآراء التي ذكرت في كتب علوم القرآن حول هذه المسائل، مع الميل إلى المشهور ـ وما عليه الجمهور ـ من هذه الآراء.
وكان من الواضح أنه يريد بإيراده هذه المسائل تقرير بعض الأسس التي سيستند إليها في فهمه للقرآن، لاسيما التسليم بصحة المصحف العثماني وما ثبت من القراءات المتواترة، كما انتهى إلى أن ما ينسب إلى المصادر الشيعية من القول بنقصان شيء من القرآن فهو ليس إلا انعكاسا لموقف سياسي احتجاجي.
أما فيما يتصل بترتيب النزول فقد اهتم الجابري بهذه المسألة اهتماما بالغا، إذ إن هذا الترتيب لا بد منه لرسم المسار التكويني للنص القرآني. وقد لاحظ الجابري التقارب والتشابه بين لوائح ترتيب السور التي نقلتها كتب علوم القرآن عن ابن عباس وجابر بن زيد وغيرهما. كما عرض لاجتهادات المستشرقين في ترتيب السور. وخلص إلى القول بأن «القرآن كتاب مفتوح، يتألف من سور مستقلة تكونت مع تدرج الوحي، والسور نفسها مكونة من آيات مرتبطة ـ في كثير من الحالات ـ بوقائع منفصلة هي أسباب النزول. من أجل ذلك كان من غير الممكن التعامل مع القرآن كنص معماري مهيكل حسب ترتيب ما» (ص243).
بهذا المعنى، يكون الجابري، قد دخل بمشروعه الفكري الثاني هذا، إلى خانة العالم الفقيه، بذات الحمولة الكلاسيكية للفقيه في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، أي منتج الأفكار وموجه العقول من خلال امتلاك حجية الاجتهاد. وهو الاجتهاد الذي تكون قوته آتية من اتساق معارف المجتهد وأيضا من جرأته في الانتصار للعلم والحق والعقل. بذلك يكون فعلا محمد عابد الجابري، قد بصم لاسمه صيرورة أبدية، بصفته فعليا «ابن رشد القرن العشرين».. على الأصح، جابري الفكر العربي الإسلامي.. فالرجل أصبح علما وأيقونة ومعنى.

7/5/2010

????
زائر

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف ???? في الجمعة يوليو 08, 2011 7:41 pm

:01: :13:

فارس حسن

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 19/08/2011

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف فارس حسن في السبت أغسطس 20, 2011 6:05 am

كتاب رائع والصاهر على تقديمه رائع كدلك

فرات

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 30/03/2011

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف فرات في السبت أغسطس 20, 2011 10:36 am

شكرا كثيرا
متى ترفع كتاب الجينة الانانية ؟

عبير

عدد المساهمات : 1765
تاريخ التسجيل : 09/09/2011

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف عبير في الأحد فبراير 26, 2012 10:43 am

شكرا جزيلا استاذي الجليل

عابر سبيل

عدد المساهمات : 52
تاريخ التسجيل : 01/04/2012

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف عابر سبيل في الثلاثاء أبريل 10, 2012 6:37 pm

شكرا استاذ على


________________________
سبحان الله وبحمده ,,, سبحان الله العظيم ,,, عدد ما خلق ربى ما نعلمه وما لا نعلمه

عصام عبد الرحمن

عدد المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 13/06/2012

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف عصام عبد الرحمن في الأربعاء يونيو 13, 2012 4:03 pm

لك جزيل الشكر

doaa samy

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف doaa samy في الثلاثاء أكتوبر 08, 2013 4:09 am

شكرا جزيلا على المجهود الكبير

الوظاف

عدد المساهمات : 1607
تاريخ التسجيل : 29/07/2011
العمر : 40

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف الوظاف في الخميس أكتوبر 10, 2013 2:22 am

مشكورين

علي مولا.
باحث عن المعرفة

عدد المساهمات : 1004
تاريخ التسجيل : 20/12/2009
الموقع : هنغاريا

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف علي مولا. في الأحد نوفمبر 10, 2013 6:34 am


لحن قلم

عدد المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 08/01/2013

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف لحن قلم في الأحد نوفمبر 10, 2013 7:06 am

شكرا جزيلا

Pazuzu

عدد المساهمات : 129
تاريخ التسجيل : 05/08/2013

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف Pazuzu في الإثنين نوفمبر 11, 2013 6:29 am

سلمت يمينك ايها الرائع!

محمد العكيدي

عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 11/11/2013

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف محمد العكيدي في الإثنين نوفمبر 11, 2013 8:08 am

جزاك الله خيراً

يحيى جودت

عدد المساهمات : 69
تاريخ التسجيل : 19/06/2013
العمر : 36

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف يحيى جودت في الإثنين نوفمبر 11, 2013 4:46 pm

عبر نفحات النسيم واريج الازاهير وخيوط الاصيل
أرسل شكرا من الأعماق لك ..

محمد ممدوح

عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 02/10/2013

رد: معجم الفلاسفة (الفلاسفة - المناطقة - المتكلمون - اللاهوتيون - المتصوفون) - تأليف: جورج طرابيشي

مُساهمة من طرف محمد ممدوح في الأربعاء نوفمبر 13, 2013 2:39 pm

شكرا

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 10:53 pm